When the help of God for His Prophet s against his enemies comes together with victory the victory over Mecca
إذا تمَّ لك -أيها الرسول- النصر على كفار قريش، وتم لك فتح "مكة".
سورة النصر: قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وقال النسائي أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا جعفر عن أبي العميس ح وأخبرنا محمد بن سليمان حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو العميس عن عبدالمجيد بن سهيل عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس يا ابن عتبة أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت نعم "إذا جاء نصر الله والفتح" قال صدقت. وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة البريدي عن صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة "إذا جاء نصر الله والفتح" على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة. وقال الحافظ البيهقي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا الإسقاطي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت "إذا جاء نصر الله والفتح" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وقال "إنه قد نعيت إلي نفسي" فبكت ثم ضحكت وقالت أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ثم قال اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة. قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه ممن فد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال ما تقولون في قول الله عز وجل "إذا جاء نصر الله والفتح"؟ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا فقال ما تقول؟ فقلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال "إذا جاء نصر الله والفتح" فذلك علامة أجلك قال عمر بن الخطاب لا أعلم منها إلا ما تقول تفرد به البخاري.
النصر : التغلب على العدو ، والإِعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها .والمراد به هنا : إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه ، حتى حقق له النصر عليهم .والفتح : يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس ، ومنه قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) والمراد به : هنا فتح مكة . وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش, والفتح: فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ ) من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم, وقبائل نـزار ( يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) يقول: في دين الله الذي ابتعثك به, وطاعتك التي دعاهم إليها أفواجًا, يعني: زُمَرًا, فوجًا فوجًا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ما قلنا في قوله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) :حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) : فتح مكة .حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) النصر حين فتح الله عليه ونصره .حدثني إسماعيل بن موسى, قال: أخبرنا الحسين بن عيسى الحنفي, عن معمر, عن الزهري, عن أبي حازم, عن ابن عباس, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, إذ قال: " اللهُ أكْبَرُ, اللهُ أكْبَرُ, جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ, جاءَ أهْلُ اليَمَنِ", قيل: يا رسول الله, وما أهل اليمن؟ قال: " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ, لَيِّنةٌ طِبَاعُهُمْ, الإيمَانُ يَمَانٍ, والفِقْهُ يَمَانٍ, والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" .
مكية( إذا جاء نصر الله والفتح ) أراد فتح مكة .وكانت قصته - على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشا عام الحديبية ، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان بينهما شر قديم .ثم إن بني بكر عدت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ، يقال له " الوتير " ، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيت خزاعة ، وليس كل بكر تابعه ، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا بالليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين : صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر : يا نوفل إنا دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال كلمة عظيمة : إنه لا إله لي اليوم ، [ يا بني بكر ] أصيبوا ثأركم فيه .فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العهد بما استحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده - خرج عمرو بن سالم الخزاعي ، حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة ، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس ، فقال :لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعداونقضوا ميثاقك المؤكداالأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد نصرت يا عمرو بن سالم " ، ثم عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء ، فقال : " إن هذه السحابة لتستهل ، بنصر بني كعب " ، وهم رهط عمرو بن سالم .ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما أصيب منهم [ وبمظاهرة ] قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس : كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة .ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشد العقد ويزيد في المدة ، وقد رهبوا الذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي ، قال : أوما أتيت محمدا ؟ قال : لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى ، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا .ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه ، فقال : يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني ؟ قالت : بلى هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي [ شيء ] ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه شيئا [ غير أنه قال : نقض أهل مكة العهد ] .ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وعنده فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما ، غلام يدب ، بين يديها ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا ، اشفع لنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد ، فقال : يا أبا الحسن - إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني ، قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ، قال أوترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ، ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك .فقام أبو سفيان في المسجد فقال : يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته والله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد عنده خيرا ، فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشيء صنعته ، فوالله ما أدري هل [ يغنيني ] شيئا أم لا ؟ قالوا : وماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا قالوا : والله إن زاد علي على أن لعب بك ، فلا يغني عنا ما قلت ، قال : لا والله ما وجدت غير ذلك .قال : وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاز ، وأمر أهله أن يجهزوه ، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أي بنية أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن تجهزوه ؟ قالت : نعم فتجهز ، قال : فأين ترينه يريد ؟ قالت : ما أدري . ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى [ نبغتها ] في بلادها ، فتجهز الناس .وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش [ - وفيه قصة ] ذكرناها في سورة الممتحنة - .ثم استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري ، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ، فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر .ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد ، فلما نزل بمر الظهران ، وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يدرون ما هو فاعل ، فخرج في تلك الليلة : أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرا ؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذ : واصباح قريش ، والله لئن [ بغتها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر .فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال : أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة .قال العباس فخرجت وإني - والله - لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، وقد خرجوا يتحسسون الخبر ، فسمعت أبا سفيان يقول : والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا ، وقال بديل : هذه والله نيران خزاعة [ حمشتها ] الحرب ، فقال أبو سفيان : خزاعة ألأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي فقال : يا أبا الفضل ، فقلت : نعم ، فقال : مالك فداك أبي وأمي ؟ قلت : ويحك يا أبا سفيان هذا ، والله ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بما لا قبل لكم به ، بعشرة آلاف من المسلمين ، قال : وما الحيلة ؟ قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستأمنه فردفني ، ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا : هذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال : من هذا ؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال : أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ، ثم اشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركضت البغلة وسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء ، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد ، فدعني فلأضرب عنقه ، فقلت : يا رسول الله إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت : والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر فيه عمر - رضي الله عنه - قلت : مهلا يا عمر ، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف ، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا . قال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، [ وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم ] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به " ، قال : فذهبت إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رآه قال : " ويحك يا أبا سفيان [ ألم يأن ] لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها [ حتى الآن ] شيئا ، قال العباس : قلت له : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، قبل أن يضرب عنقك ، قال : فشهد شهادة الحق وأسلم ، قال العباس : قلت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عباس احبسه ، بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، قال : فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .قال : ومرت به القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : من هؤلاء يا عباس ؟ قال : أقول : سليم ، قال يقول : مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته يقول : مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخضراء ، كتيبة رسول الله ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان الله من هؤلاء يا عباس ؟ قلت : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار ، فقال : والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ، فقال : ويحك! إنها النبوة ، قال : نعم إذا .فقلت : الحق الآن بقومك فحذرهم ، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، قالوا : فمه ؟ قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : ويحك وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .قال : وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران فأسلما وبايعاه ، فلما بايعاه بعثهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام .ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار ، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون ، وقال : لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك ، ومن ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وضربت هناك قبته ، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش ، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة ، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، وكانوا قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد والزبير حين بعثهما : لا تقاتلا إلا من قاتلكم ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي ، فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال : يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب : أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها ، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال ، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة ، فقاتلهم فهزمهم الله ، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك .وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له : سلمة بن الميلاء ، من خيل خالد بن الوليد ، ورجلان يقال لهما : كرز بن جابر [ وخنيس ] بن خالد ، كانا في خيل خالد بن الوليد ، فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه ، فقتلا جميعا .وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، إلا [ أنه قد عهد ] في نفر سماهم أمر بقتلهم ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة . منهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركا ، ففر إلى عثمان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه حتى أتى به [ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن اطمأن أهل مكة ، فاستأمن له .وعبد الله بن خطل ، كان رجلا من بني تميم بن غالب ] ، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا ، وكان له مولى يخدمه وكان مسلما ، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ، ثم ارتد مشركا ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بقتلهما معه .والحويرث ، بن [ نقيذ ] بن وهب ، كان ممن يؤذيه بمكة .ومقيس بن صبابة ، وإنما أمر بقتله ، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطئا ورجوعه إلى قريش مرتدا .وسارة ; مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذيه بمكة .وعكرمة بن أبي جهل ، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فاستأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه ، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم .وأما عبد الله بن خطل ، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي ، اشتركا في دمه ، وأما مقيس بن صبابة ، فقتله تميلة بن عبد الله ، رجل من قومه ، وأما قينتا ابن خطل ; فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمنها ، وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها ، فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها ، وأما الحويرث بن نقيذ ، فقتله علي بن أبي طالب .فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقف قائما على باب الكعبة وقال : لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إن كل مأثرة أو دم أو مال في الجاهلية يدعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم خلق من تراب ، ثم تلا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ( الحجرات - 13 ) الآية ، يا أهل مكة ، ماذا ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء .ثم اجتمع الناس للبيعة ; فجلس لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس ، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا ، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء .قال عروة بن الزبير : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب الجمحي : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو آمن ، قال : يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال : يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جئتك به ، فقال : ويلك اغرب عني فلا تكلمني ، قال : أي صفوان فداك أبي وأمي ، أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك . قال : إني أخافه على نفسي ، قال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك أمنتني ؟ قال : صدق ، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين ، قال : أنت فيه بالخيار أربعة أشهر .قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان ، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [ يقصر ] الصلاة .ثم خرج إلى هوازن وثقيف ، قد نزلوا حنينا .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، أن خزاعة قتلوا رجلا . . . " وقال محمد بن إسماعيل ، قال عبد الله بن رجاء : حدثنا حرب عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة " حدثنا أبو هريرة : أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين . ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد من بعدي ، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظر إما يؤدى وإما أن يقاد فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إلا الإذخر " .أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن أبي النضر - مولى عمر بن عبيد الله - أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ابنته تستره بثوب ، قالت : فسلمت ، فقال : من هذه ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب ، قال : مرحبا بأم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، ثم انصرف فقلت له : يا رسول الله ، زعم ابن أمي ، علي بن أبي طالب ، أنه قاتل رجلا أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، وذلك ضحى .قوله - عز وجل - : ( إذا جاء نصر الله ) إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك وهم قريش ، ( والفتح ) فتح مكة .
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) { } { أفواجا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ توابا } .{ إذا } اسم زمان مبهم يتعين مقدارهُ بمضمون جملةٍ يضاف إليها هو . ف { إذا } اسمُ زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالباً . ولذلك يضمَّن معنى الشرط غالباً ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالباً لإفادة التحقق ، وقد يكون مضارعاً كقوله تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } [ الشورى : 29 ] .ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ولا تضمن { إذا } معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإِخبار دون قصد تعليق نحو : { وإذَا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها } [ الجمعة : 11 ] .و { إذا } هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله : { فسبح بحمد ربك } وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت .والنصر : الإِعانة على العدوّ . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . و { الفتح } : امتلاك بلد العدوّ وأرضِه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } [ المائدة : 23 ] ، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأَرضين التي لها شعاب وثغور قال لبيد :وأَجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلاَمُهاوقد فتح المسلمون خيْبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك اللَّه نصراً عزيزاً } [ الفتح : 1 3 ] .فإضافة { نصر } إلى { اللَّه } تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها .و { جاء } مستعمل في معنى : حصَل وتحقق مجازاً .والتعريف في «الفتح» للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى : { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } [ القصص : 85 ] وقوله : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } [ الفتح : 27 ] . وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة { إذا جاء نصر الله } على جميع الأقوال .وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمَن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور ، يعنون الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مَكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإِسلام فتحَ مكة يقولون : إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبيء .وتكرر أنْ صَدَّ بعضُهم بعضاً ممن يريد اتباع الاسلام عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإِسلام أو غلب الشرك .أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دَعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء» .وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس لنا به يَداننِ فكانوا يدخلون في الإِسلام أفواجاً . فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها .ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإِسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإِسلام سنة الوفود .وعلى ما روي عن ابن عمر : «أنها نزلت في حجة الوداع» يكون تعليق جملة : { فسبح بحمد ربك } على الشرط الماضي مراداً به التذكير بأنه حصل ، أي إذا تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإِسلام بلادَ العرب فسبح بحمد ربك ، وهو مراد مَن قال من المفسرين { إذا } بمعنى ( قد ) ، فهو تفسير حاصل المعنى ، وليست { إذا } مما يأتي بمعنى ( قد ) .
في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك.فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة.
تفسير سورة النصروهي مدنية بإجماعوتسمى سورة ( التوديع ) . وهي ثلاث آيات .وهي آخر سورة نزلت جميعا ؛ قاله ابن عباس في صحيح مسلمبسم الله الرحمن الرحيمإذا جاء نصر الله والفتحالنصر : العون مأخوذ من قولهم : قد نصر الغيث الأرض : إذا أعان على نباتها ، من قحطها . قال الشاعر :إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامرويروى :إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي بلاد تميم وانصري أرض عامريقال : نصره على عدوه ينصره نصرا ؛ أي أعانه . والاسم النصرة ، واستنصره على عدوه : أي سأله أن ينصره عليه . وتناصروا : نصر بعضهم بعضا . ثم قيل : المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش ؛ الطبري . وقيل : نصره على من قاتله من الكفار ؛ فإن عاقبة النصر كانت له . وأما الفتح فهو فتح مكة ؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : هو فتح المدائن والقصور . وقيل : فتح سائر البلاد . وقيل : ما فتحه عليه من العلوم . و ( إذا ) بمعنى قد ؛ أي قد جاء نصر الله ؛ لأن نزولها بعد الفتح . ويمكن أن يكون معناه : إذا يجيئك .
This chapter is one of the last revelations of the Quran received by the Prophet. The place of its revelation was either the precincts of Makkah at his Farewell Pilgrimage in 10 AH, or Madina soon after his return from the Farewell Pilgrimage. God’s special succour always accomapnies dawah, the spreading of the call of truth. The Prophet and his companions made untiring efforts in the path of dawah. Ultimately God’s succour came and people began embracing Islam in their thousands. A number of neighbouring countries entered the fold of Islam. However, the victory of believers makes them all the more humble and conscious of their own failings. At such moments the faithful must be overwhelmed with the realization of God’s Grace and Mercy. They must attribute all success to the goodness and mercy of God. For a believer, victory increases his feeling of humility. Even for his apparently right action, he seeks God’s pardon. Even the success he achieves, seemingly by his own efforts, is attributed by him to the will of God.
Name of the Surah and place of its revelation
According to the consensus of scholars, this Surah was revealed in Madinah. Its other name is Surah At-Tawdi`. The word Tawdi` means 'to bid farewell'. As this Surah indicates the approach of the demise of the Holy Prophet ﷺ ، it bids farewell to him and is thus entitled Surah At-Tawdi'.
The Last Surah and the Last Verses of the Noble Qur’ an
It is recorded in Sahih of Muslim on the authority of Sayyidna Ibn ` Abbas ؓ ، that Surah An-Nasr was the last Surah to be revealed. [ Qurtubi ]. This means that this was the last complete Surah that was revealed to the Holy Prophet ﷺ . No complete Surah was revealed after this. Some individual verses reported to have been revealed after this are not in conflict with this statement, because no complete Surah was sent down after the present one. It is like Surah Al-Fatihah which is said to be the first Surah, while a few verses of Surah Al-'Alaq, a few verses of Surah Al-Muddaththir, and a few verses of other Surahs were revealed even before Surah Al-Fatihah, because it means that it was the first Surah to be revealed completely. No complete Surah was revealed before Al-Fatihah.
Sayyidna Ibn ` Umar ؓ reports that this Surah was revealed during the Farewell Pilgrimage, and shortly after that a fragment of verse [ 3] of Surah [ 5] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (...Today, I have perfected your religion for you_[ 5:3]) was revealed. After these two revelations, the Messenger of Allah ﷺ lived only for eighty days, after which he passed away. After these two revelations, the Holy Prophet ﷺ received the verse of kalalah. Then the Holy Prophet ﷺ lived for fifty days. After that he received the following verse [ 9:128] of Surah [ 9] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (Surely, there has come to you a Messenger from amongst you, hard on whom is your suffering, for the good of you he craves...) After this revelation, he lived for 35 days. After this verse was revealed the following verse: [ 2:281] اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ (And be fearful of a day when you shall be returned to Allah...). After this verse he lived only for twenty-one days, and according to Muqatil, he lived for seven days only and passed away. [ Qurtubi ]
Verse [ 110:1] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ (When there comes Allah's help and the victory). The expression 'victory' here is in reference to 'the promised Victory or Conquest of Makkah'. There is complete unanimity on this historical fact. However, the scholars disagree whether this Surah was revealed before or after the Conquest. The phrase idha ja'a [ when there comes ] apparently indicates that its revelation took place before the Conquest. Ruh-ul-Ma’ ani cites a narration from Al-Bahr-ul-Muhit which concurs with this view, in which it is stated that this Surah was revealed while returning from the expedition of Khaibar. It is a known fact that the victory of Khaibar took place prior to the Conquest of Makkah. Ruh-ul-Ma’ ani cites, on the authority of ` Abd Ibn Humaid, Sayyidna Qatadah's statement that the Prophet ﷺ lived for two years after the revelation of this Surah. Narratives report that it was revealed on the occasion of the Conquest of Makkah or on the occasion of the Farewell Pilgrimage may be explained by saying that the Holy Prophet ﷺ might have recited this Surah and proclaimed it on one of those occasions; as a result people must have thought that it was revealed on that occasion. Please refer to Bayan-ul Qur'an for fuller explanation.
Several Prophetic Traditions and statements of the Companions narrate that this Surah indicates that the Holy Prophet ﷺ has fulfilled his task, and accomplished his mission of life, and he could look forward to returning to his Lord in full favour as his death was approaching fast. The Surah teaches the Holy Prophet ﷺ the beautiful manners of asking Allah's forgiveness and offering constant praise and thanks to his Lord.
It is reported in Muqatil's narration that when this Surah was revealed, the Holy Prophet ﷺ recited it in a gathering of the blessed Companions, among whom were Sayyidna Abu Bakr, ` Umar, Sa'd Ibn Abi Waqqas ؓ . All were happy at the revelation of this Surah, because it contained the glad tidings of the Conquest of Makkah, but Sayyidna ` Abbas ؓ began to weep. The Holy Prophet ﷺ asked him the reason for weeping, and he replied that it covertly conveys the termination of your life and nearness of your death. The Holy Prophet ﷺ confirmed this. Sahih of Bukhari records a similar explanation of this Surah given by Sayyidna Ibn ` Abbas رضی اللہ تعالیٰ عنہما in which there is the addition that when Sayyidna ` Umar رضی اللہ تعالیٰ عنہ heard this, he concurred with him and said: 'I do not know anything about it other than what you [ Ibn ` Abbas ] have said'. [ Transmitted by Tirmidhi who graded it as hasan, Sahih vide Qurtubi ]
And from his narration on the authority of Ibn 'Abbas that he said about the interpretation of Allah's saying (When Allah's succour): '(When Allah's succour) against His enemies, Quraysh as well as others, (and the triumph) and the conquest of Mecca (cometh
When the help of God comes along with victory,He said:When the help of God comes for your religion, and victory for your religion.
The Virtues of Surat An-Nasr
It has been mentioned previously that it (Surat An-Nasr) is equivalent to one-fourth of the Qur'an and that Surat Az-Zalzalah is equivalent to one-fourth of the Qur'an. An-Nasa'i recorded from `Ubaydullah bin `Abdullah bin `Utbah that Ibn `Abbas said to him, "O Ibn `Utbah! Do you know the last Surah of the Qur'an that was revealed" He answered, "Yes, it was
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) (110:1)" He (Ibn `Abbas) He (Ibn `Abbas) said, "You have spoken truthfully."
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
In the Name of Allah, the Most Gracious, the Most Merciful.
This Surah informs of the Completion of the Life of Allah's Messenger ﷺ
Al-Bukhari recorded from Ibn `Abbas that he said, "Umar used to bring me into the gatherings with the old men of (the battle of) Badr. However, it was as if one of them felt something in himself (against my attending). So he said, `Why do you (`Umar) bring this (youth) to sit with us when we have children like him (i.e., his age)' So `Umar replied, `Verily, he is among those whom you know. Then one day he called them and invited me to sit with them, and I do not think that he invited me to be among them that day except to show them. So he said, `What do you say about Allah's statement,
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.)' Some of them said, `We were commanded to praise Allah and seek His forgiveness when He helps us and gives us victory.' Some of them remained silent and did not say anything. Then he (`Umar) said to me, `Is this what you say, O Ibn `Abbas' I said, `No.' He then said, `What do you say' I said, `It was the end of the life of Allah's Messenger ﷺ that Allah was informing him of. Allah said,
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) which means, that is a sign of the end of your life.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا
(So, glorify the praises of your Lord, and ask His forgiveness. Verily, He is the One Who accepts the repentance and Who forgives.)' So, `Umar bin Al-Khattab said, `I do not know anything about it other than what you have said."' Al-Bukhari was alone in recording this Hadith. Imam Ahmad recorded from Ibn `Abbas that he said, "When
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) was revealed, the Messenger of Allah ﷺ said,
«نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»
(My death has been announced to me.) And indeed he died during that year." Ahmad was alone in recording this Hadith. Al-Bukhari recorded that `A'ishah said, "The Messenger of Allah ﷺ used to say often in his bowing and prostrating,
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»
(Glory to You, O Allah, our Lord, and praise be to You. O Allah, forgive me.) He did this as his interpretation of the Qur'an (i.e., showing its implementation)." The rest of the group has also recorded this Hadith except for At-Tirmidhi. Imam Ahmad recorded from Masruq that `A'ishah said, "The Messenger of Allah ﷺ used to often say towards the end of his life,
«سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه»
(Glory to Allah, and praise be unto Him. I seek Allah's forgiveness and I repent to Him.) And he said,
«إِنَّ رَبِّي كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ، إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فَقَدْ رَأَيْتُهَا:
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجاً - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا »
(Verily, my Lord has informed me that I will see a sign in my Ummah and He has commanded me that when I see it, I should glorify His praises and seek His forgiveness, for He is the One Who accepts repentance. And indeed I have seen it (i.e., the sign). (When there comes the help of Allah and the Conquest (Al-Fath). And you see that the people enter Allah's religion in crowds. So glorify the praises of your Lord, and ask His forgiveness. Verily, He is the One Who accepts the repentance and Who forgives.))" Muslim also recorded this Hadith. The meaning of Al-Fath here is the conquest of Makkah, and there is only one view concerning it. For indeed the different areas of the Arabs were waiting for the conquest of Makkah before they would accept Islam. They said, "If he (Muhammad ﷺ is victorious over his people, then he is a (true) Prophet." So when Allah gave him victory over Makkah, they entered into the religion of Allah (Islam) in crowds. Thus, two years did not pass (after the conquest of Makkah) before the peninsula of the Arabs was laden with faith. And there did not remain any of the tribes of the Arabs except that they professed (their acceptance) of Islam. And all praise and blessings are due to Allah. Al-Bukhari recorded in his Sahih that `Amr bin Salamah said, "When Makkah was conquered, all of the people rushed to the Messenger of Allah ﷺ to profess their Islam. The various regions were delaying their acceptance of Islam until Makkah was conquered. The people used to say, `Leave him and his people alone. If he is victorious over them he is a (true) Prophet."' We have researched the war expedition for conquest of Makkah in our book As-Surah. Therefore, whoever wishes he may review it there. And all praise and blessings are due to Allah.Imam Ahmad recorded from Abu `Ammar that a neighbor of Jabir bin `Abdullah told him, "I returned from a journey and Jabir bin `Abdullah came and greeted me. So I began to talk with him about the divisions among the people and what they had started doing. Thus, Jabir began to cry and he said, `I heard the Messenger of Allah ﷺ saying,
«إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا»
(Verily, the people have entered into the religion of Allah in crowds and they will also leave it in crowds.)" This is the end of the Tafsir of Surat An-Nasr, and all praise and blessings are due to Allah.
When the help of God for His Prophet s against his enemies comes together with victory the victory over Mecca
إذا تمَّ لك -أيها الرسول- النصر على كفار قريش، وتم لك فتح "مكة".
سورة النصر: قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن. وقال النسائي أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا جعفر عن أبي العميس ح وأخبرنا محمد بن سليمان حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو العميس عن عبدالمجيد بن سهيل عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس يا ابن عتبة أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت نعم "إذا جاء نصر الله والفتح" قال صدقت. وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة البريدي عن صدقة بن يسار عن ابن عمر قال: أنزلت هذه السورة "إذا جاء نصر الله والفتح" على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة. وقال الحافظ البيهقي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا الإسقاطي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت "إذا جاء نصر الله والفتح" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وقال "إنه قد نعيت إلي نفسي" فبكت ثم ضحكت وقالت أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ثم قال اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة. قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه ممن فد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال ما تقولون في قول الله عز وجل "إذا جاء نصر الله والفتح"؟ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت لا فقال ما تقول؟ فقلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال "إذا جاء نصر الله والفتح" فذلك علامة أجلك قال عمر بن الخطاب لا أعلم منها إلا ما تقول تفرد به البخاري.
النصر : التغلب على العدو ، والإِعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها .والمراد به هنا : إعانة الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه ، حتى حقق له النصر عليهم .والفتح : يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل والحكم بين الناس ، ومنه قوله - تعالى - : ( رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين ) والمراد به : هنا فتح مكة . وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إذا جاءك نصر الله يا محمد على قومك من قريش, والفتح: فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ ) من صنوف العرب وقبائلها أهل اليمن منهم, وقبائل نـزار ( يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ) يقول: في دين الله الذي ابتعثك به, وطاعتك التي دعاهم إليها أفواجًا, يعني: زُمَرًا, فوجًا فوجًا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ما قلنا في قوله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) :حدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) : فتح مكة .حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) النصر حين فتح الله عليه ونصره .حدثني إسماعيل بن موسى, قال: أخبرنا الحسين بن عيسى الحنفي, عن معمر, عن الزهري, عن أبي حازم, عن ابن عباس, قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة, إذ قال: " اللهُ أكْبَرُ, اللهُ أكْبَرُ, جاءَ نَصْرُ الله والفَتْحُ, جاءَ أهْلُ اليَمَنِ", قيل: يا رسول الله, وما أهل اليمن؟ قال: " قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قُلُوبُهُمْ, لَيِّنةٌ طِبَاعُهُمْ, الإيمَانُ يَمَانٍ, والفِقْهُ يَمَانٍ, والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" .
مكية( إذا جاء نصر الله والفتح ) أراد فتح مكة .وكانت قصته - على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشا عام الحديبية ، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين ، يأمن فيهن الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه ، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان بينهما شر قديم .ثم إن بني بكر عدت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة ، يقال له " الوتير " ، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيت خزاعة ، وليس كل بكر تابعه ، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيا بالليل ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين : صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل ، وسهيل بن عمرو ، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر : يا نوفل إنا دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال كلمة عظيمة : إنه لا إله لي اليوم ، [ يا بني بكر ] أصيبوا ثأركم فيه .فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العهد بما استحلوا من خزاعة - وكانوا في عقده - خرج عمرو بن سالم الخزاعي ، حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة ، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس ، فقال :لا هم إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعداونقضوا ميثاقك المؤكداالأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة .فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قد نصرت يا عمرو بن سالم " ، ثم عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنان من السماء ، فقال : " إن هذه السحابة لتستهل ، بنصر بني كعب " ، وهم رهط عمرو بن سالم .ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما أصيب منهم [ وبمظاهرة ] قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للناس : كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشد العقد ويزيد في المدة .ومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليشد العقد ويزيد في المدة ، وقد رهبوا الذي صنعوا ، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي ، قال : أوما أتيت محمدا ؟ قال : لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان : لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى ، فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا .ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طوته عنه ، فقال : يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني ؟ قالت : بلى هو فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنت رجل مشرك نجس ، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي [ شيء ] ثم خرج حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه فلم يرد عليه شيئا [ غير أنه قال : نقض أهل مكة العهد ] .ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال : أنا أشفع لكم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وعنده فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما ، غلام يدب ، بين يديها ، فقال : يا علي إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة ، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا ، اشفع لنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه ، فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ قالت : والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد ، فقال : يا أبا الحسن - إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني ، قال : والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ، قال أوترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا والله ، ما أظن ، ولكن لا أجد لك غير ذلك .فقام أبو سفيان في المسجد فقال : يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته والله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد عنده خيرا ، فجئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشيء صنعته ، فوالله ما أدري هل [ يغنيني ] شيئا أم لا ؟ قالوا : وماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ففعلت ، قالوا : فهل أجاز ذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : لا قالوا : والله إن زاد علي على أن لعب بك ، فلا يغني عنا ما قلت ، قال : لا والله ما وجدت غير ذلك .قال : وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بالجهاز ، وأمر أهله أن يجهزوه ، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أي بنية أمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن تجهزوه ؟ قالت : نعم فتجهز ، قال : فأين ترينه يريد ؟ قالت : ما أدري . ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى [ نبغتها ] في بلادها ، فتجهز الناس .وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش [ - وفيه قصة ] ذكرناها في سورة الممتحنة - .ثم استخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري ، وخرج عامدا إلى مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ، فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد - ماء بين عسفان وأمج - أفطر .ثم مضى حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد ، فلما نزل بمر الظهران ، وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يدرون ما هو فاعل ، فخرج في تلك الليلة : أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرا ؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذ : واصباح قريش ، والله لئن [ بغتها ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر .فخرج العباس على بغلة رسول الله وقال : أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة .قال العباس فخرجت وإني - والله - لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء ، وقد خرجوا يتحسسون الخبر ، فسمعت أبا سفيان يقول : والله ما رأيت كالليلة قط نيرانا ، وقال بديل : هذه والله نيران خزاعة [ حمشتها ] الحرب ، فقال أبو سفيان : خزاعة ألأم من ذلك وأذل فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي فقال : يا أبا الفضل ، فقلت : نعم ، فقال : مالك فداك أبي وأمي ؟ قلت : ويحك يا أبا سفيان هذا ، والله ، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء بما لا قبل لكم به ، بعشرة آلاف من المسلمين ، قال : وما الحيلة ؟ قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستأمنه فردفني ، ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا : هذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب ، فقال : من هذا ؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال : أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد ، ثم اشتد نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركضت البغلة وسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء ، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد ، فدعني فلأضرب عنقه ، فقلت : يا رسول الله إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت : والله لا يناجيه الليلة أحد دوني ، فلما أكثر فيه عمر - رضي الله عنه - قلت : مهلا يا عمر ، فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف ، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا . قال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، [ وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلام الخطاب لو أسلم ] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به " ، قال : فذهبت إلى رحلي فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رآه قال : " ويحك يا أبا سفيان [ ألم يأن ] لك أن تعلم أن لا إله إلا الله ؟ " قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها [ حتى الآن ] شيئا ، قال العباس : قلت له : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، قبل أن يضرب عنقك ، قال : فشهد شهادة الحق وأسلم ، قال العباس : قلت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر ، فاجعل له شيئا ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا عباس احبسه ، بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها ، قال : فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .قال : ومرت به القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : من هؤلاء يا عباس ؟ قال : أقول : سليم ، قال يقول : مالي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : مالي ولمزينة ، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته يقول : مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخضراء ، كتيبة رسول الله ، فيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، قال : سبحان الله من هؤلاء يا عباس ؟ قلت : هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المهاجرين والأنصار ، فقال : والله ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما ، فقال : ويحك! إنها النبوة ، قال : نعم إذا .فقلت : الحق الآن بقومك فحذرهم ، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، قالوا : فمه ؟ قال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، قالوا : ويحك وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد .قال : وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمر الظهران فأسلما وبايعاه ، فلما بايعاه بعثهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام .ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار ، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون ، وقال : لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك ، ومن ثم دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وضربت هناك قبته ، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش ، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة ، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ، وكانوا قد جمعوا أناسا بالخندمة ليقاتلوا ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد والزبير حين بعثهما : لا تقاتلا إلا من قاتلكم ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي ، فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال : يا رسول الله ، اسمع ما قال سعد بن عبادة ، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب : أدركه فخذ الراية منه ، فكن أنت الذي تدخل بها ، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال ، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة ، فقاتلهم فهزمهم الله ، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك .وقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له : سلمة بن الميلاء ، من خيل خالد بن الوليد ، ورجلان يقال لهما : كرز بن جابر [ وخنيس ] بن خالد ، كانا في خيل خالد بن الوليد ، فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه ، فقتلا جميعا .وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، إلا [ أنه قد عهد ] في نفر سماهم أمر بقتلهم ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة . منهم : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركا ، ففر إلى عثمان ، وكان أخاه من الرضاعة ، فغيبه حتى أتى به [ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن اطمأن أهل مكة ، فاستأمن له .وعبد الله بن خطل ، كان رجلا من بني تميم بن غالب ] ، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلما فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقا ، وكان له مولى يخدمه وكان مسلما ، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا ويصنع له طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ، ثم ارتد مشركا ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر بقتلهما معه .والحويرث ، بن [ نقيذ ] بن وهب ، كان ممن يؤذيه بمكة .ومقيس بن صبابة ، وإنما أمر بقتله ، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطئا ورجوعه إلى قريش مرتدا .وسارة ; مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذيه بمكة .وعكرمة بن أبي جهل ، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فاستأمنت له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمنه ، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم .وأما عبد الله بن خطل ، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي ، اشتركا في دمه ، وأما مقيس بن صبابة ، فقتله تميلة بن عبد الله ، رجل من قومه ، وأما قينتا ابن خطل ; فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمنها ، وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها ، فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها ، وأما الحويرث بن نقيذ ، فقتله علي بن أبي طالب .فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وقف قائما على باب الكعبة وقال : لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إن كل مأثرة أو دم أو مال في الجاهلية يدعى فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ، يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء ، الناس من آدم وآدم خلق من تراب ، ثم تلا " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ( الحجرات - 13 ) الآية ، يا أهل مكة ، ماذا ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء .ثم اجتمع الناس للبيعة ; فجلس لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس ، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا ، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء .قال عروة بن الزبير : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب الجمحي : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومي ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هو آمن ، قال : يا رسول الله أعطني شيئا يعرف به أمانك ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة وهو يريد أن يركب البحر فقال : يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جئتك به ، فقال : ويلك اغرب عني فلا تكلمني ، قال : أي صفوان فداك أبي وأمي ، أفضل الناس وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك . قال : إني أخافه على نفسي ، قال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك أمنتني ؟ قال : صدق ، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين ، قال : أنت فيه بالخيار أربعة أشهر .قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف ، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان ، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [ يقصر ] الصلاة .ثم خرج إلى هوازن وثقيف ، قد نزلوا حنينا .أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، أن خزاعة قتلوا رجلا . . . " وقال محمد بن إسماعيل ، قال عبد الله بن رجاء : حدثنا حرب عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة " حدثنا أبو هريرة : أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليهم رسوله والمؤمنين . ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد من بعدي ، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه ، حرام لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظر إما يؤدى وإما أن يقاد فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إلا الإذخر " .أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك ، عن أبي النضر - مولى عمر بن عبيد الله - أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول : ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ، فوجدته يغتسل ، وفاطمة ابنته تستره بثوب ، قالت : فسلمت ، فقال : من هذه ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب ، قال : مرحبا بأم هانئ ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد ، ثم انصرف فقلت له : يا رسول الله ، زعم ابن أمي ، علي بن أبي طالب ، أنه قاتل رجلا أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ، وذلك ضحى .قوله - عز وجل - : ( إذا جاء نصر الله ) إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك وهم قريش ، ( والفتح ) فتح مكة .
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) { } { أفواجا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ توابا } .{ إذا } اسم زمان مبهم يتعين مقدارهُ بمضمون جملةٍ يضاف إليها هو . ف { إذا } اسمُ زمان مطلق ، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالباً . ولذلك يضمَّن معنى الشرط غالباً ، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالباً لإفادة التحقق ، وقد يكون مضارعاً كقوله تعالى : { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } [ الشورى : 29 ] .ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي ، ولا تضمن { إذا } معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإِخبار دون قصد تعليق نحو : { وإذَا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها } [ الجمعة : 11 ] .و { إذا } هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله : { فسبح بحمد ربك } وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت .والنصر : الإِعانة على العدوّ . ونصر الله يعقبه التغلب على العدو . و { الفتح } : امتلاك بلد العدوّ وأرضِه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى : { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } [ المائدة : 23 ] ، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأَرضين التي لها شعاب وثغور قال لبيد :وأَجَنَّ عوراتتِ الثغور ظَلاَمُهاوقد فتح المسلمون خيْبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد ، وهو المعهود في قوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك اللَّه نصراً عزيزاً } [ الفتح : 1 3 ] .فإضافة { نصر } إلى { اللَّه } تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها .و { جاء } مستعمل في معنى : حصَل وتحقق مجازاً .والتعريف في «الفتح» للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى : { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } [ القصص : 85 ] وقوله : { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } [ الفتح : 27 ] . وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة { إذا جاء نصر الله } على جميع الأقوال .وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمَن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقصور ، يعنون الحصون . وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مَكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإِسلام فتحَ مكة يقولون : إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبيء .وتكرر أنْ صَدَّ بعضُهم بعضاً ممن يريد اتباع الاسلام عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإِسلام أو غلب الشرك .أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال : «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دَعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء» .وعن الحسن : لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا : أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس لنا به يَداننِ فكانوا يدخلون في الإِسلام أفواجاً . فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها .ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإِسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإِسلام سنة الوفود .وعلى ما روي عن ابن عمر : «أنها نزلت في حجة الوداع» يكون تعليق جملة : { فسبح بحمد ربك } على الشرط الماضي مراداً به التذكير بأنه حصل ، أي إذا تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإِسلام بلادَ العرب فسبح بحمد ربك ، وهو مراد مَن قال من المفسرين { إذا } بمعنى ( قد ) ، فهو تفسير حاصل المعنى ، وليست { إذا } مما يأتي بمعنى ( قد ) .
في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك.فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة.
تفسير سورة النصروهي مدنية بإجماعوتسمى سورة ( التوديع ) . وهي ثلاث آيات .وهي آخر سورة نزلت جميعا ؛ قاله ابن عباس في صحيح مسلمبسم الله الرحمن الرحيمإذا جاء نصر الله والفتحالنصر : العون مأخوذ من قولهم : قد نصر الغيث الأرض : إذا أعان على نباتها ، من قحطها . قال الشاعر :إذا انسلخ الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري أرض عامرويروى :إذا دخل الشهر الحرام فجاوزي بلاد تميم وانصري أرض عامريقال : نصره على عدوه ينصره نصرا ؛ أي أعانه . والاسم النصرة ، واستنصره على عدوه : أي سأله أن ينصره عليه . وتناصروا : نصر بعضهم بعضا . ثم قيل : المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش ؛ الطبري . وقيل : نصره على من قاتله من الكفار ؛ فإن عاقبة النصر كانت له . وأما الفتح فهو فتح مكة ؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : هو فتح المدائن والقصور . وقيل : فتح سائر البلاد . وقيل : ما فتحه عليه من العلوم . و ( إذا ) بمعنى قد ؛ أي قد جاء نصر الله ؛ لأن نزولها بعد الفتح . ويمكن أن يكون معناه : إذا يجيئك .
This chapter is one of the last revelations of the Quran received by the Prophet. The place of its revelation was either the precincts of Makkah at his Farewell Pilgrimage in 10 AH, or Madina soon after his return from the Farewell Pilgrimage. God’s special succour always accomapnies dawah, the spreading of the call of truth. The Prophet and his companions made untiring efforts in the path of dawah. Ultimately God’s succour came and people began embracing Islam in their thousands. A number of neighbouring countries entered the fold of Islam. However, the victory of believers makes them all the more humble and conscious of their own failings. At such moments the faithful must be overwhelmed with the realization of God’s Grace and Mercy. They must attribute all success to the goodness and mercy of God. For a believer, victory increases his feeling of humility. Even for his apparently right action, he seeks God’s pardon. Even the success he achieves, seemingly by his own efforts, is attributed by him to the will of God.
Name of the Surah and place of its revelation
According to the consensus of scholars, this Surah was revealed in Madinah. Its other name is Surah At-Tawdi`. The word Tawdi` means 'to bid farewell'. As this Surah indicates the approach of the demise of the Holy Prophet ﷺ ، it bids farewell to him and is thus entitled Surah At-Tawdi'.
The Last Surah and the Last Verses of the Noble Qur’ an
It is recorded in Sahih of Muslim on the authority of Sayyidna Ibn ` Abbas ؓ ، that Surah An-Nasr was the last Surah to be revealed. [ Qurtubi ]. This means that this was the last complete Surah that was revealed to the Holy Prophet ﷺ . No complete Surah was revealed after this. Some individual verses reported to have been revealed after this are not in conflict with this statement, because no complete Surah was sent down after the present one. It is like Surah Al-Fatihah which is said to be the first Surah, while a few verses of Surah Al-'Alaq, a few verses of Surah Al-Muddaththir, and a few verses of other Surahs were revealed even before Surah Al-Fatihah, because it means that it was the first Surah to be revealed completely. No complete Surah was revealed before Al-Fatihah.
Sayyidna Ibn ` Umar ؓ reports that this Surah was revealed during the Farewell Pilgrimage, and shortly after that a fragment of verse [ 3] of Surah [ 5] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (...Today, I have perfected your religion for you_[ 5:3]) was revealed. After these two revelations, the Messenger of Allah ﷺ lived only for eighty days, after which he passed away. After these two revelations, the Holy Prophet ﷺ received the verse of kalalah. Then the Holy Prophet ﷺ lived for fifty days. After that he received the following verse [ 9:128] of Surah [ 9] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (Surely, there has come to you a Messenger from amongst you, hard on whom is your suffering, for the good of you he craves...) After this revelation, he lived for 35 days. After this verse was revealed the following verse: [ 2:281] اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ (And be fearful of a day when you shall be returned to Allah...). After this verse he lived only for twenty-one days, and according to Muqatil, he lived for seven days only and passed away. [ Qurtubi ]
Verse [ 110:1] إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّـهِ وَالْفَتْحُ (When there comes Allah's help and the victory). The expression 'victory' here is in reference to 'the promised Victory or Conquest of Makkah'. There is complete unanimity on this historical fact. However, the scholars disagree whether this Surah was revealed before or after the Conquest. The phrase idha ja'a [ when there comes ] apparently indicates that its revelation took place before the Conquest. Ruh-ul-Ma’ ani cites a narration from Al-Bahr-ul-Muhit which concurs with this view, in which it is stated that this Surah was revealed while returning from the expedition of Khaibar. It is a known fact that the victory of Khaibar took place prior to the Conquest of Makkah. Ruh-ul-Ma’ ani cites, on the authority of ` Abd Ibn Humaid, Sayyidna Qatadah's statement that the Prophet ﷺ lived for two years after the revelation of this Surah. Narratives report that it was revealed on the occasion of the Conquest of Makkah or on the occasion of the Farewell Pilgrimage may be explained by saying that the Holy Prophet ﷺ might have recited this Surah and proclaimed it on one of those occasions; as a result people must have thought that it was revealed on that occasion. Please refer to Bayan-ul Qur'an for fuller explanation.
Several Prophetic Traditions and statements of the Companions narrate that this Surah indicates that the Holy Prophet ﷺ has fulfilled his task, and accomplished his mission of life, and he could look forward to returning to his Lord in full favour as his death was approaching fast. The Surah teaches the Holy Prophet ﷺ the beautiful manners of asking Allah's forgiveness and offering constant praise and thanks to his Lord.
It is reported in Muqatil's narration that when this Surah was revealed, the Holy Prophet ﷺ recited it in a gathering of the blessed Companions, among whom were Sayyidna Abu Bakr, ` Umar, Sa'd Ibn Abi Waqqas ؓ . All were happy at the revelation of this Surah, because it contained the glad tidings of the Conquest of Makkah, but Sayyidna ` Abbas ؓ began to weep. The Holy Prophet ﷺ asked him the reason for weeping, and he replied that it covertly conveys the termination of your life and nearness of your death. The Holy Prophet ﷺ confirmed this. Sahih of Bukhari records a similar explanation of this Surah given by Sayyidna Ibn ` Abbas رضی اللہ تعالیٰ عنہما in which there is the addition that when Sayyidna ` Umar رضی اللہ تعالیٰ عنہ heard this, he concurred with him and said: 'I do not know anything about it other than what you [ Ibn ` Abbas ] have said'. [ Transmitted by Tirmidhi who graded it as hasan, Sahih vide Qurtubi ]
And from his narration on the authority of Ibn 'Abbas that he said about the interpretation of Allah's saying (When Allah's succour): '(When Allah's succour) against His enemies, Quraysh as well as others, (and the triumph) and the conquest of Mecca (cometh
When the help of God comes along with victory,He said:When the help of God comes for your religion, and victory for your religion.
The Virtues of Surat An-Nasr
It has been mentioned previously that it (Surat An-Nasr) is equivalent to one-fourth of the Qur'an and that Surat Az-Zalzalah is equivalent to one-fourth of the Qur'an. An-Nasa'i recorded from `Ubaydullah bin `Abdullah bin `Utbah that Ibn `Abbas said to him, "O Ibn `Utbah! Do you know the last Surah of the Qur'an that was revealed" He answered, "Yes, it was
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) (110:1)" He (Ibn `Abbas) He (Ibn `Abbas) said, "You have spoken truthfully."
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ
In the Name of Allah, the Most Gracious, the Most Merciful.
This Surah informs of the Completion of the Life of Allah's Messenger ﷺ
Al-Bukhari recorded from Ibn `Abbas that he said, "Umar used to bring me into the gatherings with the old men of (the battle of) Badr. However, it was as if one of them felt something in himself (against my attending). So he said, `Why do you (`Umar) bring this (youth) to sit with us when we have children like him (i.e., his age)' So `Umar replied, `Verily, he is among those whom you know. Then one day he called them and invited me to sit with them, and I do not think that he invited me to be among them that day except to show them. So he said, `What do you say about Allah's statement,
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.)' Some of them said, `We were commanded to praise Allah and seek His forgiveness when He helps us and gives us victory.' Some of them remained silent and did not say anything. Then he (`Umar) said to me, `Is this what you say, O Ibn `Abbas' I said, `No.' He then said, `What do you say' I said, `It was the end of the life of Allah's Messenger ﷺ that Allah was informing him of. Allah said,
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) which means, that is a sign of the end of your life.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا
(So, glorify the praises of your Lord, and ask His forgiveness. Verily, He is the One Who accepts the repentance and Who forgives.)' So, `Umar bin Al-Khattab said, `I do not know anything about it other than what you have said."' Al-Bukhari was alone in recording this Hadith. Imam Ahmad recorded from Ibn `Abbas that he said, "When
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
(When there comes the help of Allah and the Conquest.) was revealed, the Messenger of Allah ﷺ said,
«نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»
(My death has been announced to me.) And indeed he died during that year." Ahmad was alone in recording this Hadith. Al-Bukhari recorded that `A'ishah said, "The Messenger of Allah ﷺ used to say often in his bowing and prostrating,
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»
(Glory to You, O Allah, our Lord, and praise be to You. O Allah, forgive me.) He did this as his interpretation of the Qur'an (i.e., showing its implementation)." The rest of the group has also recorded this Hadith except for At-Tirmidhi. Imam Ahmad recorded from Masruq that `A'ishah said, "The Messenger of Allah ﷺ used to often say towards the end of his life,
«سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْه»
(Glory to Allah, and praise be unto Him. I seek Allah's forgiveness and I repent to Him.) And he said,
«إِنَّ رَبِّي كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ، إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا، فَقَدْ رَأَيْتُهَا:
إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَجاً - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِبَا »
(Verily, my Lord has informed me that I will see a sign in my Ummah and He has commanded me that when I see it, I should glorify His praises and seek His forgiveness, for He is the One Who accepts repentance. And indeed I have seen it (i.e., the sign). (When there comes the help of Allah and the Conquest (Al-Fath). And you see that the people enter Allah's religion in crowds. So glorify the praises of your Lord, and ask His forgiveness. Verily, He is the One Who accepts the repentance and Who forgives.))" Muslim also recorded this Hadith. The meaning of Al-Fath here is the conquest of Makkah, and there is only one view concerning it. For indeed the different areas of the Arabs were waiting for the conquest of Makkah before they would accept Islam. They said, "If he (Muhammad ﷺ is victorious over his people, then he is a (true) Prophet." So when Allah gave him victory over Makkah, they entered into the religion of Allah (Islam) in crowds. Thus, two years did not pass (after the conquest of Makkah) before the peninsula of the Arabs was laden with faith. And there did not remain any of the tribes of the Arabs except that they professed (their acceptance) of Islam. And all praise and blessings are due to Allah. Al-Bukhari recorded in his Sahih that `Amr bin Salamah said, "When Makkah was conquered, all of the people rushed to the Messenger of Allah ﷺ to profess their Islam. The various regions were delaying their acceptance of Islam until Makkah was conquered. The people used to say, `Leave him and his people alone. If he is victorious over them he is a (true) Prophet."' We have researched the war expedition for conquest of Makkah in our book As-Surah. Therefore, whoever wishes he may review it there. And all praise and blessings are due to Allah.Imam Ahmad recorded from Abu `Ammar that a neighbor of Jabir bin `Abdullah told him, "I returned from a journey and Jabir bin `Abdullah came and greeted me. So I began to talk with him about the divisions among the people and what they had started doing. Thus, Jabir began to cry and he said, `I heard the Messenger of Allah ﷺ saying,
«إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا»
(Verily, the people have entered into the religion of Allah in crowds and they will also leave it in crowds.)" This is the end of the Tafsir of Surat An-Nasr, and all praise and blessings are due to Allah.