Muhammad bin Ishaq reported that Ibn `Abbas said that `Abdullah bin Suriya Al-A`war said to the Messenger of Allah ﷺ, "The guidance is only what we (Jews) follow. Therefore, follow us, O Muhammad, and you will be rightly guided." Also, the Christians said similarly, so Allah revealed,
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـرَى تَهْتَدُواْ
(And they say, "Be Jews or Christians, then you will be guided.") Allah's statement,
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا
(Say (to them O Muhammad ), "Nay, (we follow) only the religion of Ibrahim, Hanif) means, "We do not need the Judaism or Christianity that you call us to, rather,
مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً
((we follow) only the religion of Ibrahim, Hanif) meaning, on the straight path, as Muhammad bin Ka`b Al-Qurazi and `Isa bin Jariyah stated. Also, Abu Qilabah said, "The Hanif is what the Messengers, from beginning to end, believed in.")
And they say ‘Be Jews or Christians the particle aw is for detail; the first of these is the saying of the Medinan Jews while the second is that of the Christians of Najrān and you shall be guided’. Say to them ‘Nay we follow rather the creed of Abraham a hanīf hanīfan is a circumstantial qualifier referring to Ibrāhīma that is to say one that inclines away from all other religions to the upright religion; and he was not of the idolaters’.
And they say, 'Be Jews or Christians [and you shall be guided']: every person who is veiled by his religion claims that his religion and none other is the truth. Say, 'Nay, rather the creed of Abraham [a ḥanīf; and he was not of the idolaters'], for absolute guidance is the affirmation of God's Oneness which comprehends every religion and lifts every veil, as He says next in His statement:
And they say, 'Be Jews or Christians [and you shall be guided']: every person who is veiled by his religion claims that his religion and none other is the truth. Say, 'Nay, rather the creed of Abraham [a ḥanīf; and he was not of the idolaters'], for absolute guidance is the affirmation of God's Oneness which comprehends every religion and lifts every veil, as He says next in His statement:
And they say �Be Jews or Christians and you will be guided.� Say �Nay rather the creed of Abraham a ḥanīf; and he was not of the idolaters.� [That is] �When the groups contended with you [Muḥammad] they demanded that you agree muwāfaqa with them. Stand firm in opposing that to which they call you and turn your attention increasingly to Us. Follow the way of the Friend al-khalīl in withdrawing from the group whether it be one's own father or anyone else who is not in accord lā yuwāfiqu with his Protector.� Thus he said �And I shall shun you and that which you call upon besides God� [19:48]. The ḥanīf is the �one who leans� toward the straight truth on the path the truth free from any defect of creation. [He is] in agreement wāfiq with the truth by the Truth.
And they say �Be Jews or Christians and you will be guided.� Say �Nay rather the creed of Abraham a ḥanīf; and he was not of the idolaters.� [That is] �When the groups contended with you [Muḥammad] they demanded that you agree muwāfaqa with them. Stand firm in opposing that to which they call you and turn your attention increasingly to Us. Follow the way of the Friend al-khalīl in withdrawing from the group whether it be one's own father or anyone else who is not in accord lā yuwāfiqu with his Protector.� Thus he said �And I shall shun you and that which you call upon besides God� [19:48]. The ḥanīf is the �one who leans� toward the straight truth on the path the truth free from any defect of creation. [He is] in agreement wāfiq with the truth by the Truth.
وقالت اليهود لأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم: ادخلوا في دين اليهودية تجدوا الهداية، وقالت النصارى لهم مثل ذلك. قل لهم -أيها الرسول-: بل الهداية أن نتبع- جميعًا- ملة إبراهيم، الذي مال عن كل دين باطل إلى دين الحق، وما كان من المشركين بالله تعالى.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله عز وجل" وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا" وقوله "قل بل ملة إبراهيم حنيفا" أي لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية بل نتبع "ملة إبراهيم حنيفا" أي مستقيما قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى ابن جارية وقال خصيف عن مجاهد مخلصا وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس حاجا وكذا روى عن الحسن والضحاك وعطية والسدي وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا وقال مجاهد والربيع بن أنس: حنيفا أي متبعا وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم وقال قتادة: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله عز وجل والختان.
ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما يبطلها فقال :( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ . . . )عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا - يا محمد - تهتد ، وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله - عز وجل - ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) .ومعنى الآية الكريمة : وقالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق . وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم - يا محمد - ليس الهدى في اتباع ملتكم ، بل الحق في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، فانبعوا أنتم - يا معشر أهل الكتاب - ما اتبعناه لتكونوا حقاً سالكين ملة إبراهيم الذي لا تنازعون في هداه .وقوله تعالى : ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) حكاية لما زعمه كل من فريقي اليهود والنصارى من أن الهدى في اتباع ملتهم .و ( أو ) للتنويع ، أي قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يتقبل الله سواها ، فاتبعوها تهتدوا . وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا ، إلا أن القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله : ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر ، ويعد ديانته باطلة ، كما حكى القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى : ( وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود ) ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الملزم لهم ، فقال تعالى : ( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) .الملة : الدين ، والحنيف في الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ووصف به إبراهيم - عليه السلام - لميله عن الأديان الباطلة التي كانت موجودة في عهده إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه .وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفاً من الحنف وهو الاستقامة .قال الإِمام الرازي : " لأهل اللغة في الحنيف قولان :الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة ، كما قالوا للديغ سليم وللمهلكة مفازة ، قالوا فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف ، وهو مروى عن محمد بن كعب القرظي .الثاني : أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها . وتحنف إذا مال ، فالمعنى : إن إبراهيم - عليه السلام - حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، فقوله : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) أي : مخالفاً لليهود والنصارى .والمعنى : قل يا محمد لليهود ليس الهدى في أن نتبع ملتكم ، بل الهدى في أن نتبع ملة إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ، والذي ما كان من المشركين بأي صورة من صور الشرك " .وقوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) أي : بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً . وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاه كل من اليهود والنصارى ، لأن حرف ( بل ) يؤتي به في صدر الكلام لينفى ما تضمنته الجملة السابقة ، والجملة السابقة هنا هي قول أهل الكتاب ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) فجاءت بل بعد ذلك لتنفي هذا القول ، ولتثبت أن الهداية إنما هي في اتباع ما كان عليه إبراهيم - عليه السلام - وفي اتباع من سار على نهجه وهو محمد صلى الله عليه وسلم .وفي هاتين الجملتين وهما قوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) . ( وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) دعوة لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها ، ولبعدها عن الشرك ، وفي ذلك تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة ، بل هي معوجة ، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة؛ لأنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى ، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به .قال الإِمام الرازي - ما ملخصه : في الآية الكريمة جواب إلزامي لهم وهو قوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) وتقرير هذا الجواب : أنه إن كان طريق الدين التقليد ، فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد انفقوا على صحة دين إبراهيم ، والأخذ بالمتفق عليه ، أولى من الأخذ بالمختلف فيه .وإن كان طريقه الاستدلال والنظر . فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هوالموافق لما جاء به إبراهيم - عليه السلام - في أصول الدين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا "، وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا.* * *تعني بقولها: " تهتدوا "، أي تصيبوا طريق الحق، (1) . كما:-2090- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة - جميعا, عن ابن إسحاق, قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنـزل الله عز وجل فيهم: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ". (2)* * *قال أبو جعفر: احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها, وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه (3) وأمر به -فإن دينه كان الحنيفية المسلمة- وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك -على اختلافه- لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.* * *وفي نصب قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أوجه ثلاثة. أحدها: أن يوجه معنى قوله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى "، إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذ قالوا: " كونوا هودا أو نصارى "، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم, ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة. فيكون معنى الكلام حينئذ: قل يا محمد، لا نتبع اليهودية والنصرانية, ولا نتخذها ملة, بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا, ثم يحذف " نتبع " الثانية, ويعطف ب " الملة " على إعراب اليهودية والنصرانية.والآخر: أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى " نتبع "والثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم, أو أهل ملة إبراهيم. ثم حذف " الأهل " و " الأصحاب ", وأقيمت " الملة " مقامهم, إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام، (4) كما قال الشاعر: (5)حســبت بغــام راحـلتي عناقـا!ومـا هــي, ويـب غــيرك, بالعناق (6)يعني: صوت عناق, فتكون " الملة " حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على " اليهود والنصارى ".* * *وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء, باتباع ملة إبراهيم. (7)وقرأ بعض القراء ذلك رفعا, فتأويله - على قراءة من قرأ رفعا: بل الهدى ملة إبراهيم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)قال أبو جعفر: و " الملة "، الدين* * *وأما " الحنيف "، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له " أحنف "، نظرا له إلى السلامة, كما قيل للمهلكة من البلاد " المفازة ", بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ: " السليم ", تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك, وما أشبه ذلك.* * *فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما.فيكون " الحنيف " حينئذ حالا من " إبراهيم "* * *وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك. فقال بعضهم: " الحنيف " الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام " الحنيفية "، لأنه أول إمام لزم العباد -الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة- اتباعه في مناسك الحج, والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته, فهو " حنيف "، مسلم على دين إبراهيم.ذكر من قال ذلك:2091- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا القاسم بن الفضل, عن كثير أبي سهل, قال: سألت الحسن عن " الحنيفية ", قال: حج البيت.2092- حدثني محمد بن عبادة الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل, عن عطية في قوله: " حنيفا " قال الحنيف: الحاج. (8)2093- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا أبي, عن الفضيل, عن عطية مثله. (9)2094- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام بن سلم، (10) عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: الحنيف الحاج.2095- حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي, عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن " الحنيفية ", قال: هو حج هذا البيت.قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر, عن الضحاك بن مزاحم، مثله. (11)2096- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن مهدي قال: حدثنا سفيان, عن السدي, عن مجاهد: " حنفاء " قال: حجاجا. (12)2097- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " حنيفا " قال: حاجا.2098- حدثت عن وكيع, عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم قال: كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون " حنفاء ", فأنـزل الله تعالى ذكره حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . [سورة الحج: 31]* * *وقال آخرون: " الحنيف "، المتبع, كما وصفنا قبل، من قول الذين قالوا: إن معناه: الاستقامة.ذكر من قال ذلك:2099- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " حنفاء " قال: متبعين.* * *وقال آخرون: إنما سمي دين إبراهيم " الحنيفية ", لأنه أول إمام سن للعباد الختان, فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم, فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام, فهو " حنيف " على ملة إبراهيم. (13)وقال آخرون: " بل ملة إبراهيم حنيفا ", بل ملة إبراهيم مخلصا." فالحنيف " على قولهم: المخلص دينه لله وحده.ذكر من قال ذلك:2100- حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، يقول: مخلصا.* * *وقال آخرون: بل " الحنيفية " الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو " حنيف ".* * *قال أبو جعفر: " الحنف " عندي، هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتباعه على ملته. (14) . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت, لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة آل عمران: 67]فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [سورة آل عمران: 67].فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه, ولا حجَّ البيت وحده, ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها.* * *فإن قال قائل: أوَما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟قيل: بَلى.فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله, ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة, كالذي فعل من ذلك بإبراهيم, فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان, وغير ذلك من شرائع الإسلام, تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه, وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل, فقيل: " يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ", وغير ذلك من صنوف الملل* * *وأما قوله: " وما كانَ مِن المشركين "، يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى, بل كان حنيفًا مسلمًا.---------------الهوامش :(1) انظر معاني"الهدى" فيما سلف 1 : 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551/2 : 393 .(2) الأثر : 2090- سيرة ابن هشام 2 : 198 .(3) في المطبوعة : "تجمع جميعنا" ، وهي خطأ ، والصواب"يجمع" ، من الإجماع .(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 82 ، ويريد في هذا القول الأخير ، أن النصب بقوله"نكون" ، التي هي من معنى قوله : "كونوا هودا . . " ، ثم حذفت"نكون" .(5) هو ذو الخرق الطهوي ، وانظر الاختلاف في اسمه ، ومن سمي باسمه في المؤتلف والمختلف : 119 ، والخزانة 1 : 20 ، 21 .(6) سيأتي في التفسير 2 : 56 منسوبا / ثم 4 : 60/15 : 14 (بولاق) ، ونوادر أبي زيد : 116 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 ، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها . وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه ، وهي أبيات ساخرة جياد .ألــم تعجـب لـذئب بــات يسـريليــؤذن صاحبــا لــه باللحــاقحســبت بغــام راحـلتي عناقــا!ومـا هـي, ويـب غـيرك, بالعنـاقولــو أنــي دعـوتك مـن قـريبلعــاقك عـن دعـاء الـذئب عـاقولكـــني رميتــك مــن بعيــدفلــم أفعـل, وقـد أوهـت بسـاقيعليــك الشـاء, شـاء بنـي تميـم,فعافقـــه, فـــإنك ذو عفـــاقوقوله"عناق" في البيت : هي أنثى المعز ، وقوله : "ويب" أي ويل . والبغام : صوت الظبية أو الناقة ، واستعاره هنا للمعز . وقوله في البيت الثالث"عاق" ، أي عائق ، فقلب ، والعقاق : السرعة في الذهاب بالشيء . عافقه : عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة .(7) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 57 ، وقوله : "عليكم ملة إبراهيم" .(8) الخبر : 2092- محمد بن عبادة الأسدي ، شيخ الطبري : هذا الشيخ مضى مرارا في المطبوعة على أوجه . منها : 645 ، 1511 باسم"محمد بن عمارة الأسدي" ، وذكرنا في ثانيهما أننا لم نجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في رواية الطبري عنه مرارا في التاريخ . ولم نجده في فهارس التاريخ إلا كذلك . ومنها : 1971 ، باسم"محمد بن عمار" ، وصححناه فيه على ما رأينا من قبل"محمد بن عمارة" . ولكنه جاء هنا -كما ترى- باسم"محمد بن عبادة" . والراجح عندي الآن أنه هو الصواب . فإن يكن ذلك تكن نسخ الطبري في التفسير وفي التاريخ محرفة في كل موضع ذكر فيه على غير هذا النحو .وهذا الشيخ"محمد بن عبادة بن البختري الأسدي الواسطي" : ثقة صدوق ، كان صاحب نحو وأدب . وهو من شيوخ البخاري ، وأبي حاتم ، وأبي داود ، وغيرهم . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/17 . روى عنه البخاري في الصحيح حديثين ، (8 : 26 ، و 9 : 93 من الطبعة السلطانية) - (10 : 429 ، و 13 : 214 من الفتح) - (9 : 53 ، و 10 : 246 من القسطلاني طبعة بولاق الأول) . ونص بهامش السلطانية على أن"عبادة" - في الموضعين : بفتح العين . وكذلك ضبطه الشارحان . قال الحافظ (13 : 214) : "بفتح المهملة وتخفيف الموحدة ، واسم جده : البختري ، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق ، ثقة واسطي ، يكنى : أبا جعفر . ما له في البخاري إلا هذا الحديث ، وآخر تقدم في كتاب الأدب" ، يعني الذي مضى في الفتح (8 : 26) .وكذلك ضبط اسم أبيه ، في المشتبه للذهبي : 333 ، والحافظ في تحرير المشتبه (مخطوط) .وإنما رجحت -هنا- أنه"محمد بن عبادة" : لأن"محمد بن عمارة الأسدي" مفقود ذكره في كتب التراجم والرواية . فيما وصل إليه علمي ، ولأن كثيرا من رواياته في التاريخ والتفسير - عن"عبيد الله بن موسى" ، كما في التفسير : 1511 ، والتاريخ 1 : 57 ، و 2 : 266 ، و 3 : 76 ، 78 . نعم : يمكن أن يكون هناك شيخ آخر -لم يصل إلينا علمه- باسم"محمد بن عمارة" يتفق مع هذا في شيوخه وفي الرواة عنه . ولكني أرى أن ما ذكرت هو الأرجح .و"عبيد الله بن موسى" : هو العبسي الحافظ الثقة . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/334-335 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 322-323 ، ووقع اسمه في المطبوعة هنا"عبد الله" وهو تحريف واضح .فضيل : هو ابن مرزوق الرقاشي : وهو ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند : 1251 ، لأن من تكلم فيه ، إنما تكلم من أجل أحاديث يرويها عن عطية العوفي - الذي يروى عنه هنا ، وعطية ضعيف ، كما مضى في : 305 .(9) الخبر : 2093- الحسين بن علي الصدائي -بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين- الأكفاني : ثقة عدل من الصالحين ، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/56 ، وتاريخ بغداد 8 : 67-68 .أبوه"علي بن يزيد بن سليم الصدائي" : ثقة أيضًا ، تكلم فيه بعضهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/209 .(10) في المطبوعة"حكام بن سالم" ، خطأ . وقد مضى كثيرا في إسناد الطبري .(11) الخبر : 2095- ابن التيمي : لم أجد نصا يعين من هو؟ ونسبة"التيمي" فيها سعة . وأنا أرجح أن يكون"معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي" . فإنه من هذه الطبقة ، ويروي عنه عبد الرزاق . ولعل عبد الرزاق ذكره بهذه النسبة ، لئلا يشتبه باسم معمر . وهو ابن راشد ، إذ يكثر عبد الرزاق الرواية عن معمر . فخشي التصحيف لو قال هنا"معتمر" . فخرج منه بقوله"ابن التيمي" .(12) انظر ما سيأتي في رقم : 2098 ، فهذا من تفسير آية سورة الحج المذكورة ثم .(13) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 58 .(14) في المطبوعة : "الحنيف عندي هو الاستقامة" ، وهو كلام مختلف ، صوابه ما أثبت .
قوله تعالى : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) قال ابن عباس : نزلت في رؤساء يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب ، وفي نصارى أهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما ، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقالت النصارى : نبينا أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك فقال تعالى ( قل ) يا محمد ( بل ملة إبراهيم ) بل نتبع ملة إبراهيم ، وقال الكسائي : هو نصب على الإغراء ، كأنه يقول : اتبعوا ملة إبراهيم ، وقيل معناه بل نكون على ملة إبراهيم فحذف " على " فصار منصوبا ( حنيفا ) نصب على الحال عند نحاة البصرة ، وعند نحاة الكوفة نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم يتبع المعرفة النكرة فانقطع منه فنصب .قال مجاهد : الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وأصله من الحنف ، وهو ميل وعوج يكون في القدم ، وقال سعيد بن جبير : الحنيف هو الحاج المختتن .وقال الضحاك : إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج ، وإذا لم يكن مع المسلم فهو المسلم ، قال قتادة : الحنيفية : الختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وإقامة المناسك .
الظاهر أنه عطف على قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [ البقرة : 130 ] ، فإنه بعد أن ذمهم بالعدول عن تلقي الإسلام الذي شمل خصال الحنيفية بين كيفية إعراضهم ومقدار غرورهم بأنهم حصروا الهدى في اليهودية والنصرانية أي كل فريق منهم حصر الهدى في دينه .ووجه الحصر حاصل من جزم { تهتدوا } في جواب الأمر فإنه على تقدير شرط فيفيد مفهوم الشرط أن من لم يكن يهودياً لا يراه اليهود مهتدياً ومن لم يكن نصرانياً لا يراه النصارى مهتدياً أي نفوا الهدى عن متبع ملة إبراهيم وهذا غاية غرورهم .والواو في قال عائدة لليهود والنصارى بقرينة مساق الخطاب في { أم كنتم شهداء } [ البقرة : 133 ] وقوله : { ولكم ما كسبتم } [ البقرة : 134 ] .و ( أو ) في قوله : { أو نصارى } تقسيم بعد الجمع لأن السامع يرد كلاً إلى من قاله ، وجزم { تهتدوا } في جواب الأمر للإيذان بمعنى الشرط ليفيد بمفهوم الشرط أنكم إن كنتم على غير اليهودية والنصرانية فلستم بمهتدين .جردت جملة ( قل ) من العاطف لوقوعها في مقام الحوار مجاوبة لقولهم { كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا } على نحو ما تقدم أي بل لا اهتداء إلا باتباع ملة إبراهيم فإنها لما جاء بها الإسلام أبطل ما كان قبله من الأديان .وانتصب ( ملة ) بإضمار تتبع لدلالة المقام لأن { كونوا هوداً } بمعنى اتبعوا اليهودية ، ويجوز أن ينصب عطفاً على { هوداً } والتقدير بل نكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول عدي بن حاتم لما وفد على النبيء صلى الله عليه وسلم ليسلم : " إني من دين أو من أهل دين " يعني النصرانية .والحنيف فعيل بمعنى فاعل مشتق من الحنف بالتحريك وهو الميل في الرجل قالت أم الأحنف ابن قيس فيما ترقصه به :والله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثلهوالمراد الميل في المذهب أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد . وإنما كان هذا مدحاً للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء فجاء دين إبراهيم مائلاً عنهم فلقب بالحنيف ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة . والوجه أن يجعل ( حنيفاً ) حالاً من ( إبراهيم ) وهذا من مواضع الاتفاق على صحة مجيء الحال من المضاف إليه ولك أن تجعله حالاً لملة إلا أن فعيلاً بمعنى فاعل يطابق موصوفه إلا أن تؤول ملة بدين على حد { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] أي إحسانه أو تشبيه فعيل إلخ بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول .وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم .وقوله : { وما كان من المشركين } جملة هي حالة ثانية من إبراهيم وهو احتراس لئلا يغتر المشركون بقوله : { بل ملة إبراهيم } أي لا نكون هوداً ولا نصارى فيتوهم المشركون أنه لم يبق من الأديان إلا ما هم عليه لأنهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وإلا فليس ذلك من المدح له بعد ما تقدم من فضائله وهذا على حد قوله تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } غلط فيه صاحب «الكشاف» غلطاً فاحشاً كما سيأتي .
أي: دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم, زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال. قل له مجيبا جوابا شافيا: { بَلْ } نتبع { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } أي: مقبلا على الله, معرضا عما سواه, قائما بالتوحيد, تاركا للشرك والتنديد. فهذا الذي في اتباعه الهداية, وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية.
قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركينقوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا دعت كل فرقة إلى ما هي عليه ، فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال : بل ملة أي قل يا محمد : بل نتبع ملة ، فلهذا نصب الملة . وقيل : المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا . وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة : بل ملة بالرفع ، والتقدير بل الهدى ملة ، أو ملتنا دين إبراهيم . وحنيفا مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم ، وهو في موضع نصب على الحال ، قاله الزجاج . أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة . وقال علي بن سليمان : هو منصوب على أعني ، والحال خطأ ، لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة . وسمي إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام . والحنف : الميل ، ومنه رجل حنفاء ، ورجل أحنف ، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها . قالت أم الأحنف :والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثلهوقال الشاعر :إذا حول الظل العشي رأيته حنيفا وفي قرن الضحى يتنصرأي الحرباء تستقبل القبلة بالعشي ، والمشرق بالغداة ، وهو قبلة النصارى . وقال قوم : [ ص: 132 ] الحنف الاستقامة ، فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته . وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة ، كما قيل للديغ سليم ، وللمهلكة مفازة ، في قول أكثرهم .
The religion that the Prophet Muhammad taught was the religion of the Prophet Abraham, the very religion to which the Jews and the Christians claimed allegiance. Why was it, then, that they turned away from the Prophet Muhammad? The reason for this was that the religion brought by the Prophet, taught people to take on the hue of God; to devote themselves to Him entirely. With the People of the Book, religion had a different meaning. For them religion was reduced to a symbol of national pride. The message brought by the Prophet hurt their pride, so they turned against him. Those who consider their own race superior to others cannot accept the truth when it manifests itself in some nation other than their own. They would believe in prophets who came from amongst their own people, but not in those who appeared among other people outside their own community. The only personalities that they acknowledged were those who belonged to their own race. Those who look at religion as worship of God, on the other hand, recognize the truth of every piece of wisdom that God sends down, no matter who teaches it. For the theologians to realize that the Prophet was God’s final messenger was not a matter of insuperable difficulty. There was nothing to prevent them from seeing the truth of his religion. They should have proclaimed what, deep down in their hearts, they knew to be true. But they did not accept him as the final prophet, as was enjoined by God, for the simple reason that they were more concerned about their own position and prestige. Just as the people of old received their just deserts as individuals, so will latter-day generations receive what they merit on their own account, for truth is an individual, not an ancestral matter. The mistake of the People of the Book was to think that contemporary and succeeding generations would be rewarded for the good deeds of their ancestors. The idea of original sin held by Christians implied that sins were handed down from one generation to the next. Such beliefs have no basis in truth. Everyone will be rewarded by God according to his or her own personal actions; no one can be held responsible for the deeds of others.
The earlier verses have defined the religion (Millat مِلَّت of Sayyidna Ibrahim (علیہ السلام) and established that its present form is Islam. Now, the Jews and the Christians, in spite of their pretension to be his followers, did not in actual fact follow his religion. Each of these two groups, instead of accepting Islam, used to ask the Muslims to accept its own religion in order to find true guidance. No doubt, each of these two religions was, in its own time and for its own time, a genuine religion, but in its present form each had become distorted, and had also been abrogated by Allah. So, in answer to them, Allah asks the Holy Prophet $ to declare on his own behalf and on that of his followers that they are and shall remain steadfast in the religion of Sayyidna Ibrahim (علیہ السلام) who shunned all kinds of association (Shirk شرک), who adored nothing but the One God and obeyed no one but Him, and whose religion, therefore, did not have even a trace of distortion. Then, in the second of these verses Allah asks the Muslims to declare the basic tenets of this religion too, which are as follows:- (1) Muslims believe in Allah and in the guidance which He has sent them through the Holy Prophet ﷺ (2) They also believe in all the prophets sent by Allah from time to time - some of whom have been mentioned in this verse. (3) Some of the prophets may in some ways be superior to others, but it is essential for a Muslim to believe in all the prophets without making any distinction. (4) Muslims believe that the Shari` ah of all the prophets mentioned here were instituted by Allah Himself, but they have now been abrogated. So, Muslims follow the Shari'ah of the Holy Prophet ﷺ ، for this alone is now valid. (5) Muslims ultimately obey Allah alone, and submit themselves totally to Him.
In the second of these verses the progeny of Sayyidna Ya` qub (علیہ السلام) (Jacob) has been described as Asbat اسباط or "tribes." The reason is that he had twelve sons, and the offspring of each son came to form a tribe. Allah so blessed his seed that in Egypt, Sayyidna Yusuf (علیہ السلام) (Joseph) and his brothers made up a group of twelve men, but their lineage flourished, and when the Israelites left Egypt along with Sayyidna Musa (علیہ السلام) (Moses), their number ran into thousands. Another form of this blessing was that the progeny of Sayyidna Ya` qub (علیہ السلام) included a large number of prophets.
Allah mentioned after this the dispute of the Jews and Christians with the believers, saying: (And they say) i.e. the Jews: (Be Jews) you shall be guided from error (or Christians) and the Christians also say the same, (then ye will be rightly guided. Say) to them, O Muhammad: it is not as you claim: (Nay, but the religion of Abraham, the upright) the Muslim; rather follow the religion of Abraham, the upright, the Muslim, the sincere-only then you will be guided, (and he was not of the idolaters) i.e. he did not follow the religion of the Jews or Christians.
And they say ‘Be Jews or Christians the particle aw is for detail; the first of these is the saying of the Medinan Jews while the second is that of the Christians of Najrān and you shall be guided’. Say to them ‘Nay we follow rather the creed of Abraham a hanīf hanīfan is a circumstantial qualifier referring to Ibrāhīma that is to say one that inclines away from all other religions to the upright religion; and he was not of the idolaters’.
Muhammad bin Ishaq reported that Ibn `Abbas said that `Abdullah bin Suriya Al-A`war said to the Messenger of Allah ﷺ, "The guidance is only what we (Jews) follow. Therefore, follow us, O Muhammad, and you will be rightly guided." Also, the Christians said similarly, so Allah revealed,
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـرَى تَهْتَدُواْ
(And they say, "Be Jews or Christians, then you will be guided.") Allah's statement,
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا
(Say (to them O Muhammad ), "Nay, (we follow) only the religion of Ibrahim, Hanif) means, "We do not need the Judaism or Christianity that you call us to, rather,
مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً
((we follow) only the religion of Ibrahim, Hanif) meaning, on the straight path, as Muhammad bin Ka`b Al-Qurazi and `Isa bin Jariyah stated. Also, Abu Qilabah said, "The Hanif is what the Messengers, from beginning to end, believed in.")
And they say ‘Be Jews or Christians the particle aw is for detail; the first of these is the saying of the Medinan Jews while the second is that of the Christians of Najrān and you shall be guided’. Say to them ‘Nay we follow rather the creed of Abraham a hanīf hanīfan is a circumstantial qualifier referring to Ibrāhīma that is to say one that inclines away from all other religions to the upright religion; and he was not of the idolaters’.
And they say, 'Be Jews or Christians [and you shall be guided']: every person who is veiled by his religion claims that his religion and none other is the truth. Say, 'Nay, rather the creed of Abraham [a ḥanīf; and he was not of the idolaters'], for absolute guidance is the affirmation of God's Oneness which comprehends every religion and lifts every veil, as He says next in His statement:
And they say, 'Be Jews or Christians [and you shall be guided']: every person who is veiled by his religion claims that his religion and none other is the truth. Say, 'Nay, rather the creed of Abraham [a ḥanīf; and he was not of the idolaters'], for absolute guidance is the affirmation of God's Oneness which comprehends every religion and lifts every veil, as He says next in His statement:
And they say �Be Jews or Christians and you will be guided.� Say �Nay rather the creed of Abraham a ḥanīf; and he was not of the idolaters.� [That is] �When the groups contended with you [Muḥammad] they demanded that you agree muwāfaqa with them. Stand firm in opposing that to which they call you and turn your attention increasingly to Us. Follow the way of the Friend al-khalīl in withdrawing from the group whether it be one's own father or anyone else who is not in accord lā yuwāfiqu with his Protector.� Thus he said �And I shall shun you and that which you call upon besides God� [19:48]. The ḥanīf is the �one who leans� toward the straight truth on the path the truth free from any defect of creation. [He is] in agreement wāfiq with the truth by the Truth.
And they say �Be Jews or Christians and you will be guided.� Say �Nay rather the creed of Abraham a ḥanīf; and he was not of the idolaters.� [That is] �When the groups contended with you [Muḥammad] they demanded that you agree muwāfaqa with them. Stand firm in opposing that to which they call you and turn your attention increasingly to Us. Follow the way of the Friend al-khalīl in withdrawing from the group whether it be one's own father or anyone else who is not in accord lā yuwāfiqu with his Protector.� Thus he said �And I shall shun you and that which you call upon besides God� [19:48]. The ḥanīf is the �one who leans� toward the straight truth on the path the truth free from any defect of creation. [He is] in agreement wāfiq with the truth by the Truth.
وقالت اليهود لأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم: ادخلوا في دين اليهودية تجدوا الهداية، وقالت النصارى لهم مثل ذلك. قل لهم -أيها الرسول-: بل الهداية أن نتبع- جميعًا- ملة إبراهيم، الذي مال عن كل دين باطل إلى دين الحق، وما كان من المشركين بالله تعالى.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك فأنزل الله عز وجل" وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا" وقوله "قل بل ملة إبراهيم حنيفا" أي لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية بل نتبع "ملة إبراهيم حنيفا" أي مستقيما قاله محمد بن كعب القرظي وعيسى ابن جارية وقال خصيف عن مجاهد مخلصا وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس حاجا وكذا روى عن الحسن والضحاك وعطية والسدي وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا وقال مجاهد والربيع بن أنس: حنيفا أي متبعا وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم وقال قتادة: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله عز وجل والختان.
ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من ألوان مزاعم أهل الكتاب ورد عليها بما يبطلها فقال :( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ . . . )عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا - يا محمد - تهتد ، وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله - عز وجل - ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) .ومعنى الآية الكريمة : وقالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين اتركوا دينكم واتبعوا ديننا تهتدوا وتصيبوا طريق الحق . وقالت النصارى مثل ذلك قل لهم - يا محمد - ليس الهدى في اتباع ملتكم ، بل الحق في أن نتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ، فانبعوا أنتم - يا معشر أهل الكتاب - ما اتبعناه لتكونوا حقاً سالكين ملة إبراهيم الذي لا تنازعون في هداه .وقوله تعالى : ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) حكاية لما زعمه كل من فريقي اليهود والنصارى من أن الهدى في اتباع ملتهم .و ( أو ) للتنويع ، أي قال اليهود لغيرهم لا دين إلا اليهودية ولا يتقبل الله سواها ، فاتبعوها تهتدوا . وقال النصارى لغيرهم كونوا نصارى تهتدوا ، إلا أن القرآن الكريم ساق هذا المعنى بقوله : ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) لمعرفة السامع أن كل فريق منهم يكفر الآخر ، ويعد ديانته باطلة ، كما حكى القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى : ( وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود ) ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الرد الملزم لهم ، فقال تعالى : ( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) .الملة : الدين ، والحنيف في الأصل المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ووصف به إبراهيم - عليه السلام - لميله عن الأديان الباطلة التي كانت موجودة في عهده إلى الدين الحق الذي أوحى الله به إليه .وذهب بعض المفسرين إلى أن حنيفاً من الحنف وهو الاستقامة .قال الإِمام الرازي : " لأهل اللغة في الحنيف قولان :الأول : أن الحنيف هو المستقيم ، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلا بالسلامة ، كما قالوا للديغ سليم وللمهلكة مفازة ، قالوا فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف ، وهو مروى عن محمد بن كعب القرظي .الثاني : أن الحنيف المائل ، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها . وتحنف إذا مال ، فالمعنى : إن إبراهيم - عليه السلام - حنف إلى دين الله ، أي مال إليه ، فقوله : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) أي : مخالفاً لليهود والنصارى .والمعنى : قل يا محمد لليهود ليس الهدى في أن نتبع ملتكم ، بل الهدى في أن نتبع ملة إبراهيم المائل عن كل دين باطل إلى الدين الحق ، والذي ما كان من المشركين بأي صورة من صور الشرك " .وقوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) أي : بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً . وقد تضمن هذا القول إبطال ما ادعاه كل من اليهود والنصارى ، لأن حرف ( بل ) يؤتي به في صدر الكلام لينفى ما تضمنته الجملة السابقة ، والجملة السابقة هنا هي قول أهل الكتاب ( وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ) فجاءت بل بعد ذلك لتنفي هذا القول ، ولتثبت أن الهداية إنما هي في اتباع ما كان عليه إبراهيم - عليه السلام - وفي اتباع من سار على نهجه وهو محمد صلى الله عليه وسلم .وفي هاتين الجملتين وهما قوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) . ( وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ) دعوة لليهود إلى اتباع ملة إبراهيم لاستقامتها ، ولبعدها عن الشرك ، وفي ذلك تعريض بأن ملتهم ليست مستقيمة ، بل هي معوجة ، وبأن دعواهم اتباع إبراهيم لا أساس لها من الصحة؛ لأنهم أشركوا مع الله آلهة أخرى ، ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق به .قال الإِمام الرازي - ما ملخصه : في الآية الكريمة جواب إلزامي لهم وهو قوله تعالى : ( بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) وتقرير هذا الجواب : أنه إن كان طريق الدين التقليد ، فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم لأن هؤلاء المختلفين قد انفقوا على صحة دين إبراهيم ، والأخذ بالمتفق عليه ، أولى من الأخذ بالمختلف فيه .وإن كان طريقه الاستدلال والنظر . فقد سقنا الكثير من الدلائل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هوالموافق لما جاء به إبراهيم - عليه السلام - في أصول الدين .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواقال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا "، وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا.* * *تعني بقولها: " تهتدوا "، أي تصيبوا طريق الحق، (1) . كما:-2090- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير - وحدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة - جميعا, عن ابن إسحاق, قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنـزل الله عز وجل فيهم: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ". (2)* * *قال أبو جعفر: احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها, وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه (3) وأمر به -فإن دينه كان الحنيفية المسلمة- وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك -على اختلافه- لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.* * *وفي نصب قوله: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أوجه ثلاثة. أحدها: أن يوجه معنى قوله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى "، إلى معنى: وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية. لأنهم إذ قالوا: " كونوا هودا أو نصارى "، إلى اليهودية والنصرانية دعوهم, ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة. فيكون معنى الكلام حينئذ: قل يا محمد، لا نتبع اليهودية والنصرانية, ولا نتخذها ملة, بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا, ثم يحذف " نتبع " الثانية, ويعطف ب " الملة " على إعراب اليهودية والنصرانية.والآخر: أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى " نتبع "والثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم, أو أهل ملة إبراهيم. ثم حذف " الأهل " و " الأصحاب ", وأقيمت " الملة " مقامهم, إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام، (4) كما قال الشاعر: (5)حســبت بغــام راحـلتي عناقـا!ومـا هــي, ويـب غــيرك, بالعناق (6)يعني: صوت عناق, فتكون " الملة " حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على " اليهود والنصارى ".* * *وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإغراء, باتباع ملة إبراهيم. (7)وقرأ بعض القراء ذلك رفعا, فتأويله - على قراءة من قرأ رفعا: بل الهدى ملة إبراهيم.* * *القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)قال أبو جعفر: و " الملة "، الدين* * *وأما " الحنيف "، فإنه المستقيم من كل شيء. وقد قيل: إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأخرى، إنما قيل له " أحنف "، نظرا له إلى السلامة, كما قيل للمهلكة من البلاد " المفازة ", بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة، وكما قيل للديغ: " السليم ", تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك, وما أشبه ذلك.* * *فمعنى الكلام إذا: قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما.فيكون " الحنيف " حينئذ حالا من " إبراهيم "* * *وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك. فقال بعضهم: " الحنيف " الحاج. وقيل: إنما سمي دين إبراهيم الإسلام " الحنيفية "، لأنه أول إمام لزم العباد -الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة- اتباعه في مناسك الحج, والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته, فهو " حنيف "، مسلم على دين إبراهيم.ذكر من قال ذلك:2091- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا القاسم بن الفضل, عن كثير أبي سهل, قال: سألت الحسن عن " الحنيفية ", قال: حج البيت.2092- حدثني محمد بن عبادة الأسدي قال: حدثنا عبد الله بن موسى قال: أخبرنا فضيل, عن عطية في قوله: " حنيفا " قال الحنيف: الحاج. (8)2093- حدثني الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا أبي, عن الفضيل, عن عطية مثله. (9)2094- حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام بن سلم، (10) عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: الحنيف الحاج.2095- حدثني الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي, عن كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن " الحنيفية ", قال: هو حج هذا البيت.قال ابن التيمي: وأخبرني جويبر, عن الضحاك بن مزاحم، مثله. (11)2096- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن مهدي قال: حدثنا سفيان, عن السدي, عن مجاهد: " حنفاء " قال: حجاجا. (12)2097- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " حنيفا " قال: حاجا.2098- حدثت عن وكيع, عن فضيل بن غزوان، عن عبد الله بن القاسم قال: كان الناس من مضر يحجون البيت في الجاهلية يسمون " حنفاء ", فأنـزل الله تعالى ذكره حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ . [سورة الحج: 31]* * *وقال آخرون: " الحنيف "، المتبع, كما وصفنا قبل، من قول الذين قالوا: إن معناه: الاستقامة.ذكر من قال ذلك:2099- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " حنفاء " قال: متبعين.* * *وقال آخرون: إنما سمي دين إبراهيم " الحنيفية ", لأنه أول إمام سن للعباد الختان, فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم, فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام, فهو " حنيف " على ملة إبراهيم. (13)وقال آخرون: " بل ملة إبراهيم حنيفا ", بل ملة إبراهيم مخلصا." فالحنيف " على قولهم: المخلص دينه لله وحده.ذكر من قال ذلك:2100- حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط, عن السدي: وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، يقول: مخلصا.* * *وقال آخرون: بل " الحنيفية " الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو " حنيف ".* * *قال أبو جعفر: " الحنف " عندي، هو الاستقامة على دين إبراهيم، واتباعه على ملته. (14) . وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت, لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [سورة آل عمران: 67]فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [سورة آل عمران: 67].فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه, ولا حجَّ البيت وحده, ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها.* * *فإن قال قائل: أوَما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم صلى الله عليه وسلم، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟قيل: بَلى.فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله, ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة, كالذي فعل من ذلك بإبراهيم, فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان, وغير ذلك من شرائع الإسلام, تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه, وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل, فقيل: " يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ", وغير ذلك من صنوف الملل* * *وأما قوله: " وما كانَ مِن المشركين "، يقول: إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى, بل كان حنيفًا مسلمًا.---------------الهوامش :(1) انظر معاني"الهدى" فيما سلف 1 : 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551/2 : 393 .(2) الأثر : 2090- سيرة ابن هشام 2 : 198 .(3) في المطبوعة : "تجمع جميعنا" ، وهي خطأ ، والصواب"يجمع" ، من الإجماع .(4) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 82 ، ويريد في هذا القول الأخير ، أن النصب بقوله"نكون" ، التي هي من معنى قوله : "كونوا هودا . . " ، ثم حذفت"نكون" .(5) هو ذو الخرق الطهوي ، وانظر الاختلاف في اسمه ، ومن سمي باسمه في المؤتلف والمختلف : 119 ، والخزانة 1 : 20 ، 21 .(6) سيأتي في التفسير 2 : 56 منسوبا / ثم 4 : 60/15 : 14 (بولاق) ، ونوادر أبي زيد : 116 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 61 - 62 ، واللسان (ويب) (عنق) (عقا) (بغم) وغيرها . وهو من أبيات يقولها لذئب تبعه في طريقه ، وهي أبيات ساخرة جياد .ألــم تعجـب لـذئب بــات يسـريليــؤذن صاحبــا لــه باللحــاقحســبت بغــام راحـلتي عناقــا!ومـا هـي, ويـب غـيرك, بالعنـاقولــو أنــي دعـوتك مـن قـريبلعــاقك عـن دعـاء الـذئب عـاقولكـــني رميتــك مــن بعيــدفلــم أفعـل, وقـد أوهـت بسـاقيعليــك الشـاء, شـاء بنـي تميـم,فعافقـــه, فـــإنك ذو عفـــاقوقوله"عناق" في البيت : هي أنثى المعز ، وقوله : "ويب" أي ويل . والبغام : صوت الظبية أو الناقة ، واستعاره هنا للمعز . وقوله في البيت الثالث"عاق" ، أي عائق ، فقلب ، والعقاق : السرعة في الذهاب بالشيء . عافقه : عالجه وخادعه ثم ذهب به خطفة واحدة .(7) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 57 ، وقوله : "عليكم ملة إبراهيم" .(8) الخبر : 2092- محمد بن عبادة الأسدي ، شيخ الطبري : هذا الشيخ مضى مرارا في المطبوعة على أوجه . منها : 645 ، 1511 باسم"محمد بن عمارة الأسدي" ، وذكرنا في ثانيهما أننا لم نجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في رواية الطبري عنه مرارا في التاريخ . ولم نجده في فهارس التاريخ إلا كذلك . ومنها : 1971 ، باسم"محمد بن عمار" ، وصححناه فيه على ما رأينا من قبل"محمد بن عمارة" . ولكنه جاء هنا -كما ترى- باسم"محمد بن عبادة" . والراجح عندي الآن أنه هو الصواب . فإن يكن ذلك تكن نسخ الطبري في التفسير وفي التاريخ محرفة في كل موضع ذكر فيه على غير هذا النحو .وهذا الشيخ"محمد بن عبادة بن البختري الأسدي الواسطي" : ثقة صدوق ، كان صاحب نحو وأدب . وهو من شيوخ البخاري ، وأبي حاتم ، وأبي داود ، وغيرهم . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4/1/17 . روى عنه البخاري في الصحيح حديثين ، (8 : 26 ، و 9 : 93 من الطبعة السلطانية) - (10 : 429 ، و 13 : 214 من الفتح) - (9 : 53 ، و 10 : 246 من القسطلاني طبعة بولاق الأول) . ونص بهامش السلطانية على أن"عبادة" - في الموضعين : بفتح العين . وكذلك ضبطه الشارحان . قال الحافظ (13 : 214) : "بفتح المهملة وتخفيف الموحدة ، واسم جده : البختري ، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة من فوق ، ثقة واسطي ، يكنى : أبا جعفر . ما له في البخاري إلا هذا الحديث ، وآخر تقدم في كتاب الأدب" ، يعني الذي مضى في الفتح (8 : 26) .وكذلك ضبط اسم أبيه ، في المشتبه للذهبي : 333 ، والحافظ في تحرير المشتبه (مخطوط) .وإنما رجحت -هنا- أنه"محمد بن عبادة" : لأن"محمد بن عمارة الأسدي" مفقود ذكره في كتب التراجم والرواية . فيما وصل إليه علمي ، ولأن كثيرا من رواياته في التاريخ والتفسير - عن"عبيد الله بن موسى" ، كما في التفسير : 1511 ، والتاريخ 1 : 57 ، و 2 : 266 ، و 3 : 76 ، 78 . نعم : يمكن أن يكون هناك شيخ آخر -لم يصل إلينا علمه- باسم"محمد بن عمارة" يتفق مع هذا في شيوخه وفي الرواة عنه . ولكني أرى أن ما ذكرت هو الأرجح .و"عبيد الله بن موسى" : هو العبسي الحافظ الثقة . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/334-335 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 322-323 ، ووقع اسمه في المطبوعة هنا"عبد الله" وهو تحريف واضح .فضيل : هو ابن مرزوق الرقاشي : وهو ثقة ، رجحنا توثيقه في شرح المسند : 1251 ، لأن من تكلم فيه ، إنما تكلم من أجل أحاديث يرويها عن عطية العوفي - الذي يروى عنه هنا ، وعطية ضعيف ، كما مضى في : 305 .(9) الخبر : 2093- الحسين بن علي الصدائي -بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين- الأكفاني : ثقة عدل من الصالحين ، روى عنه الترمذي والنسائي وغيرهما . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/56 ، وتاريخ بغداد 8 : 67-68 .أبوه"علي بن يزيد بن سليم الصدائي" : ثقة أيضًا ، تكلم فيه بعضهم . مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/209 .(10) في المطبوعة"حكام بن سالم" ، خطأ . وقد مضى كثيرا في إسناد الطبري .(11) الخبر : 2095- ابن التيمي : لم أجد نصا يعين من هو؟ ونسبة"التيمي" فيها سعة . وأنا أرجح أن يكون"معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي" . فإنه من هذه الطبقة ، ويروي عنه عبد الرزاق . ولعل عبد الرزاق ذكره بهذه النسبة ، لئلا يشتبه باسم معمر . وهو ابن راشد ، إذ يكثر عبد الرزاق الرواية عن معمر . فخشي التصحيف لو قال هنا"معتمر" . فخرج منه بقوله"ابن التيمي" .(12) انظر ما سيأتي في رقم : 2098 ، فهذا من تفسير آية سورة الحج المذكورة ثم .(13) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة : 58 .(14) في المطبوعة : "الحنيف عندي هو الاستقامة" ، وهو كلام مختلف ، صوابه ما أثبت .
قوله تعالى : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) قال ابن عباس : نزلت في رؤساء يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب ، وفي نصارى أهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما ، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله ، فقالت اليهود : نبينا موسى أفضل الأنبياء ، وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان ، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقالت النصارى : نبينا أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب ، وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك فقال تعالى ( قل ) يا محمد ( بل ملة إبراهيم ) بل نتبع ملة إبراهيم ، وقال الكسائي : هو نصب على الإغراء ، كأنه يقول : اتبعوا ملة إبراهيم ، وقيل معناه بل نكون على ملة إبراهيم فحذف " على " فصار منصوبا ( حنيفا ) نصب على الحال عند نحاة البصرة ، وعند نحاة الكوفة نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم يتبع المعرفة النكرة فانقطع منه فنصب .قال مجاهد : الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس قال ابن عباس : الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام ، وأصله من الحنف ، وهو ميل وعوج يكون في القدم ، وقال سعيد بن جبير : الحنيف هو الحاج المختتن .وقال الضحاك : إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج ، وإذا لم يكن مع المسلم فهو المسلم ، قال قتادة : الحنيفية : الختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وإقامة المناسك .
الظاهر أنه عطف على قوله : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } [ البقرة : 130 ] ، فإنه بعد أن ذمهم بالعدول عن تلقي الإسلام الذي شمل خصال الحنيفية بين كيفية إعراضهم ومقدار غرورهم بأنهم حصروا الهدى في اليهودية والنصرانية أي كل فريق منهم حصر الهدى في دينه .ووجه الحصر حاصل من جزم { تهتدوا } في جواب الأمر فإنه على تقدير شرط فيفيد مفهوم الشرط أن من لم يكن يهودياً لا يراه اليهود مهتدياً ومن لم يكن نصرانياً لا يراه النصارى مهتدياً أي نفوا الهدى عن متبع ملة إبراهيم وهذا غاية غرورهم .والواو في قال عائدة لليهود والنصارى بقرينة مساق الخطاب في { أم كنتم شهداء } [ البقرة : 133 ] وقوله : { ولكم ما كسبتم } [ البقرة : 134 ] .و ( أو ) في قوله : { أو نصارى } تقسيم بعد الجمع لأن السامع يرد كلاً إلى من قاله ، وجزم { تهتدوا } في جواب الأمر للإيذان بمعنى الشرط ليفيد بمفهوم الشرط أنكم إن كنتم على غير اليهودية والنصرانية فلستم بمهتدين .جردت جملة ( قل ) من العاطف لوقوعها في مقام الحوار مجاوبة لقولهم { كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا } على نحو ما تقدم أي بل لا اهتداء إلا باتباع ملة إبراهيم فإنها لما جاء بها الإسلام أبطل ما كان قبله من الأديان .وانتصب ( ملة ) بإضمار تتبع لدلالة المقام لأن { كونوا هوداً } بمعنى اتبعوا اليهودية ، ويجوز أن ينصب عطفاً على { هوداً } والتقدير بل نكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول عدي بن حاتم لما وفد على النبيء صلى الله عليه وسلم ليسلم : " إني من دين أو من أهل دين " يعني النصرانية .والحنيف فعيل بمعنى فاعل مشتق من الحنف بالتحريك وهو الميل في الرجل قالت أم الأحنف ابن قيس فيما ترقصه به :والله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثلهوالمراد الميل في المذهب أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد . وإنما كان هذا مدحاً للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء فجاء دين إبراهيم مائلاً عنهم فلقب بالحنيف ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة . والوجه أن يجعل ( حنيفاً ) حالاً من ( إبراهيم ) وهذا من مواضع الاتفاق على صحة مجيء الحال من المضاف إليه ولك أن تجعله حالاً لملة إلا أن فعيلاً بمعنى فاعل يطابق موصوفه إلا أن تؤول ملة بدين على حد { إن رحمة الله قريب من المحسنين } [ الأعراف : 56 ] أي إحسانه أو تشبيه فعيل إلخ بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول .وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم .وقوله : { وما كان من المشركين } جملة هي حالة ثانية من إبراهيم وهو احتراس لئلا يغتر المشركون بقوله : { بل ملة إبراهيم } أي لا نكون هوداً ولا نصارى فيتوهم المشركون أنه لم يبق من الأديان إلا ما هم عليه لأنهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وإلا فليس ذلك من المدح له بعد ما تقدم من فضائله وهذا على حد قوله تعالى : { وما صاحبكم بمجنون } غلط فيه صاحب «الكشاف» غلطاً فاحشاً كما سيأتي .
أي: دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم, زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال. قل له مجيبا جوابا شافيا: { بَلْ } نتبع { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } أي: مقبلا على الله, معرضا عما سواه, قائما بالتوحيد, تاركا للشرك والتنديد. فهذا الذي في اتباعه الهداية, وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية.
قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركينقوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا دعت كل فرقة إلى ما هي عليه ، فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال : بل ملة أي قل يا محمد : بل نتبع ملة ، فلهذا نصب الملة . وقيل : المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم ، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا . وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة : بل ملة بالرفع ، والتقدير بل الهدى ملة ، أو ملتنا دين إبراهيم . وحنيفا مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم ، وهو في موضع نصب على الحال ، قاله الزجاج . أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة . وقال علي بن سليمان : هو منصوب على أعني ، والحال خطأ ، لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة . وسمي إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام . والحنف : الميل ، ومنه رجل حنفاء ، ورجل أحنف ، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها . قالت أم الأحنف :والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثلهوقال الشاعر :إذا حول الظل العشي رأيته حنيفا وفي قرن الضحى يتنصرأي الحرباء تستقبل القبلة بالعشي ، والمشرق بالغداة ، وهو قبلة النصارى . وقال قوم : [ ص: 132 ] الحنف الاستقامة ، فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته . وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة ، كما قيل للديغ سليم ، وللمهلكة مفازة ، في قول أكثرهم .
The religion that the Prophet Muhammad taught was the religion of the Prophet Abraham, the very religion to which the Jews and the Christians claimed allegiance. Why was it, then, that they turned away from the Prophet Muhammad? The reason for this was that the religion brought by the Prophet, taught people to take on the hue of God; to devote themselves to Him entirely. With the People of the Book, religion had a different meaning. For them religion was reduced to a symbol of national pride. The message brought by the Prophet hurt their pride, so they turned against him. Those who consider their own race superior to others cannot accept the truth when it manifests itself in some nation other than their own. They would believe in prophets who came from amongst their own people, but not in those who appeared among other people outside their own community. The only personalities that they acknowledged were those who belonged to their own race. Those who look at religion as worship of God, on the other hand, recognize the truth of every piece of wisdom that God sends down, no matter who teaches it. For the theologians to realize that the Prophet was God’s final messenger was not a matter of insuperable difficulty. There was nothing to prevent them from seeing the truth of his religion. They should have proclaimed what, deep down in their hearts, they knew to be true. But they did not accept him as the final prophet, as was enjoined by God, for the simple reason that they were more concerned about their own position and prestige. Just as the people of old received their just deserts as individuals, so will latter-day generations receive what they merit on their own account, for truth is an individual, not an ancestral matter. The mistake of the People of the Book was to think that contemporary and succeeding generations would be rewarded for the good deeds of their ancestors. The idea of original sin held by Christians implied that sins were handed down from one generation to the next. Such beliefs have no basis in truth. Everyone will be rewarded by God according to his or her own personal actions; no one can be held responsible for the deeds of others.
The earlier verses have defined the religion (Millat مِلَّت of Sayyidna Ibrahim (علیہ السلام) and established that its present form is Islam. Now, the Jews and the Christians, in spite of their pretension to be his followers, did not in actual fact follow his religion. Each of these two groups, instead of accepting Islam, used to ask the Muslims to accept its own religion in order to find true guidance. No doubt, each of these two religions was, in its own time and for its own time, a genuine religion, but in its present form each had become distorted, and had also been abrogated by Allah. So, in answer to them, Allah asks the Holy Prophet $ to declare on his own behalf and on that of his followers that they are and shall remain steadfast in the religion of Sayyidna Ibrahim (علیہ السلام) who shunned all kinds of association (Shirk شرک), who adored nothing but the One God and obeyed no one but Him, and whose religion, therefore, did not have even a trace of distortion. Then, in the second of these verses Allah asks the Muslims to declare the basic tenets of this religion too, which are as follows:- (1) Muslims believe in Allah and in the guidance which He has sent them through the Holy Prophet ﷺ (2) They also believe in all the prophets sent by Allah from time to time - some of whom have been mentioned in this verse. (3) Some of the prophets may in some ways be superior to others, but it is essential for a Muslim to believe in all the prophets without making any distinction. (4) Muslims believe that the Shari` ah of all the prophets mentioned here were instituted by Allah Himself, but they have now been abrogated. So, Muslims follow the Shari'ah of the Holy Prophet ﷺ ، for this alone is now valid. (5) Muslims ultimately obey Allah alone, and submit themselves totally to Him.
In the second of these verses the progeny of Sayyidna Ya` qub (علیہ السلام) (Jacob) has been described as Asbat اسباط or "tribes." The reason is that he had twelve sons, and the offspring of each son came to form a tribe. Allah so blessed his seed that in Egypt, Sayyidna Yusuf (علیہ السلام) (Joseph) and his brothers made up a group of twelve men, but their lineage flourished, and when the Israelites left Egypt along with Sayyidna Musa (علیہ السلام) (Moses), their number ran into thousands. Another form of this blessing was that the progeny of Sayyidna Ya` qub (علیہ السلام) included a large number of prophets.
Allah mentioned after this the dispute of the Jews and Christians with the believers, saying: (And they say) i.e. the Jews: (Be Jews) you shall be guided from error (or Christians) and the Christians also say the same, (then ye will be rightly guided. Say) to them, O Muhammad: it is not as you claim: (Nay, but the religion of Abraham, the upright) the Muslim; rather follow the religion of Abraham, the upright, the Muslim, the sincere-only then you will be guided, (and he was not of the idolaters) i.e. he did not follow the religion of the Jews or Christians.
And they say ‘Be Jews or Christians the particle aw is for detail; the first of these is the saying of the Medinan Jews while the second is that of the Christians of Najrān and you shall be guided’. Say to them ‘Nay we follow rather the creed of Abraham a hanīf hanīfan is a circumstantial qualifier referring to Ibrāhīma that is to say one that inclines away from all other religions to the upright religion; and he was not of the idolaters’.