The Letter Sad — Verse 26
38:26 · Sad
Verse display
یَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِیفَةࣰ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَضِلُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدُۢ بِمَا نَسُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦
yādāwūdu innā jaʿalnāka khalīfatan fī l-arḍi fa-uḥ'kum bayna l-nāsi bil-ḥaqi walā tattabiʿi l-hawā fayuḍillaka ʿan sabīli l-lahi inna alladhīna yaḍillūna ʿan sabīli l-lahi lahum ʿadhābun shadīdun bimā nasū yawma l-ḥisāb
The Letter Sad / Sad (38:26)
‘David, We have given you mastery over the land. Judge fairly between people. Do not follow your desires, lest they divert you from God’s path: those who wander from His path will have a painful torment because they ignore the Day of Reckoning.’
yādāwūdu innā jaʿalnāka khalīfatan fī l-arḍi fa-uḥ'kum bayna l-nāsi bil-ḥaqi walā tattabiʿi l-hawā fayuḍillaka ʿan sabīli l-lahi inna alladhīna yaḍillūna ʿan sabīli l-lahi lahum ʿadhābun shadīdun bimā nasū yawma l-ḥisāb
Get a Print Copy
Support the Author
As an Amazon Associate, ParallelQuran earns from qualifying purchases.
Qur'an Tools
Tafsir Commentary
Advice to Rulers and Leaders
This is advice from Allah, may He be exalted, to those who are in positions of authority. They should rule according to the truth and justice revealed from Him, they should not turn away from it and be led astray from the path of Allah. Allah has issued a stern warning of a severe punishment to those who go astray from His path and forget the Day of Resurrection. Ibn Abi Hatim recorded that Ibrahim Abu Zur`ah, who read the Scripture, reported that Al-Walid bin `Abd Al-Malik said to him: "Does anyone have the right to question the Khalifah You have read the first Scripture and the Qur'an, and you have understood them." He replied, "May I speak, O Commander of the faithful" He said, "Speak, for you are under the protection of Allah." I said, "O Commander of the faithful, are you more dear to Allah, or Dawud, peace be upon him For Allah gave him both prophethood and rulership, then He warned him in His Book:
يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـكَ خَلِيفَةً فِى الاٌّرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
(O Dawud ! Verily, We have placed you as a successor on the earth; so judge you between men in truth (and justice) and follow not your desire -- for it will mislead you from the path of Allah)." `Ikrimah said:
لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
((Those shall) have a severe torment, because they forgot the Day of Reckoning.) "They will have a severe punishment on the Day of Reckoning because of what they forgot. " As-Suddi said, "They will have a severe punishment because of what they neglected to do for the sake of the Day of Reckoning." This interpretation is more in accordance with the apparent meaning of the Ayah. And Allah, may He be glorified and exalted, is the Guide to the Truth.
‘O David! We have indeed made you a vicegerent on the earth managing the affairs of people; so judge justly between people and do not follow desire that is the desires of the soul that it then lead you astray from the way of God that is to say from the proofs that indicate the truth of His Oneness. Truly those who go astray from the way of God in other words from belief in God — for them there will be a severe chastisement because of their forgetting the Day of Reckoning’ as a result of their having neglected faith. For had they been certain of the truth of the Day of Reckoning they would have first been believers in this world.
يا داود إنا استخلفناك في الأرض وملَّكناك فيها، فاحكم بين الناس بالعدل والإنصاف، ولا تتبع الهوى في الأحكام، فيُضلك ذلك عن دين الله وشرعه، إن الذين يَضِلُّون عن سبيل الله لهم عذاب أليم في النار؛ بغفلتهم عن يوم الجزاء والحساب. وفي هذا توصية لولاة الأمر أن يحكموا بالحق المنزل من الله، تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه، فيضلوا عن سبيله.
هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبى حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد حدثنا مروان بن جناح حدثني إبراهيم أبو زرعة كان قد قرأ الكتاب أن الوليد بن عبد الملك قال له أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت فقلت يا أمير المؤمنين أقول ؟ قال قل في أمان الله قلت يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" الآية وقال عكرمة " لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " هذا من المقدم والمؤخر لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا وقال السدي لهم عذاب شديد بما تركوا إن يعملوا ليوم الحساب وهذا القول أمشى على ظاهر الآية والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ، بتلك التوجيهات الحكيمة ، والآداب القويمة ، التى وجهها - سبحانه - إلى كل حاكم فى شخص داود - عليه السلام - فقال : ( ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض . . ) والخليقة : هو من يخلف غيره وينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل . والتاء فيه للمبالغة . أى : يا داود إنا جعلناك - بفضلنا ومنتنا - خليفة ونائبا عنا فى الأرض ، لتتولى سياسة الناس ، ولترشدهم إلى الصراط المستقيم .والجملة الكريمة مقولة لقول محذوف معطوفة على ما سبقتها . أى : فغفرنا له ذلك وقلنا له يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض . ويصح أن تكون مستأنفة لبيان مظاهر الزلفى والمكانة الحسنة التى وهبها - سبحانه - لداود؟ حيث جعله خليفة فى الأرض .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى . . ) للتفريع ، أو هى جواب لشرط مقدر . والهوى : ميل النفس إلى رغباتها بدون تحر للعدل والصواب .أى : إذا كان الأمر كما أخبرناك فاحكم - يا داود - بين الناس بالحكم الحق الذى أرشدك الله - تعالى - إليه ، وواظب على ذلك فى جميع الأزمان والأحوال : ولا تتبع هوى النفس وشهواتها ، فإن النفس أمارة بالسوء .وقوله - سبحانه - ( فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله . . . ) بيان للمصير السيئ الذى يؤدى إليه اتباع الهوى فى الأقوال والأحكام .وقوله ( فَيُضِلَّكَ ) منصوب بأن المضمرة بعد فاء السببية ، على أنه جواب للنهى السابق . أى : ولا تتبع الهوى ، فإن اتباعك له ، يؤدى بك إلى الضلال عن طريق الحق ، وعن مخالفة شرع الله - تعالى - ودينه .ثم بين - سبحانه - عاقبة الذين يضلون عن سبيله فقال : ( إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب ) .أى : إن الذين يضلون عن دين الله وعن طريقه وشريعته ، بسبب اتباعهم للهوى ، لهم عذاب شديد لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - لأنهم تركوا الاستعداد ليوم الحساب ، وما فيه من ثواب وعقاب .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - سمو منزلة داود - عليه السلام - عند ربه ، فقد افتتحت هذه الآيات ، بأن أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتذكر ما حدث لأخيه داود . ليكون هذا التذكير تسلية له عما أصابه من المشركين وعونا له على الثبات والصبر .ثم وصف - سبحانه - عبده داود بأنه كان قويا فى دينه ، ورجاعا إلى ما يرضى ربه ، وأنه - سبحانه - قد وهبه نعما عظيمة ، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب .ثم ختمت هذه الآيات - أيضا - بالثناء على داود - عليه السلام - حيث قال - سبحانه - : ( وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ ) . وببيان أنه - تعالى - قد جعله خليفة فى الأرض .ومن الأحاديث التى وردت فى فضله - عليه السلام - ما أخرجه البخاري فى تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر داود ، وحدث عنه قال : " كان أعبد البشر " .وأخرجه الديلمى عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينبغى لأحد أن يقول إنى أعبد من داود " .2 - أن قصة الخصمين اللذين تسورا على داود المحراب ، قصة حقيقية ، وأن الخصومة كانت بين اثنين من الناس فى شأن غنم لهما ، وأنهما حين دخلا عليه بتلك الطريقة الغريبة التى حكاها القرآن الكريم ، فزع منهما داود - عليه السلام - وظن أنهما يريدان الاعتداء عليه ، وأن الله - تعالى - يريد امتحانه وثباته أمام أمثال هذه الأحداث .فلما تبين لداود بعد ذلك أن الخصمين لا يريدان الاعتداء عليه ، وإنما يريدان التحاكم إليه فى مسألة معينة ، استغفر ربه من ذلك الظن السابق - أى ظن الاعتداء عليه فغفر الله - تعالى - له . .والذى يتدبر الآيات الكريمة يراها واضحة وضوحا جليا فى تأييد هذا المعنى .قال أبو حيان ما ملخصه - بعد أن ذكر جملة من الآراء - : والذى أذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين للمحراب كانوا من الإِنس ، دخلوا عليه من غير المدخل ، وفى غير وقت جلوسه للحكم وأنه فزع منهم ظانا أنهم يغتالونه ، إذ كان منفردا فى محرابه لعبادة ربه ، فلما اتضح له أنهم جاءوا فى حكومته ، وبرز منهم اثنان للتحاكم . . . وأن ما ظنه غير واقع ، استغفر من ذلك الظن ، حيث اختلف ولم يقع مظنونة ، وخر ساجدا منيبا إلى الله - تعالى - فغفر الله له ذلك الظن ، ولذلك أشار بقوله : ( فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ) ولم يتقدم سوى قوله - تعالى - : ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) ويعلم قطعا أن الأنبياء معصومون من الخطايا ، ولا يمكن وقوعهم فى شئ منها ، ضرورة أننا لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك لبطلت الشرائع ، ولم نثق بشئ مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم ، فما حكى الله - تعالى - فى كتابه . يمر على ما أراده - تعالى - ، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة ، طرحناه .2 - ومع أن ما ذكرناه سابقا ، وما نقلناه عن الإِمام أبى حيان ، هو المعنى الظاهر من الآيات ، وهو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه يتناسب مع مكانة داود - عليه السلام - ، ومع ثناء الله - تعالى - عليه وتكريمه له .أقول مع كل ذلك ، إلا أنا وجدنا كثيرا من المفسرين عند حديثهم عن قصة الخصوم الذين تسوروا على داود المحراب ، يذكرون قصصا فى نهاية النكارة ، وأقوالا فى غاية البطلان والفساد .فمثلا نرى ابن جرير وغيره يذكرون قصة مكذوبة ملخصها : " أن داود - عليه السلام - كان يصلى فى محرابه . . . ثم تطلع من نافذة المكان الذى كان يصلى فيه ، فرأى امرأة جميلة فأرسل إليها فجاءته ، فسألها عن زوجها فأخبرته بأن زوجها ، اسمه " أوريا " وأنه خرج مع الجيش الذى يحارب الأعداء . . فأمر داود - عليه السلام - قائد الجيش أن يجعله فى المقدمة لكى يكون عرضة للقتل .. وبعد قتله تزوج داود بتلك المرأة . .ونرى صاحب الكشاف بعد أن يذكر هذه القصة ، ثم يعلق عليها بقوله : " فهذا ونحوه مما يقبح أن يُحَدَّثَ به عن بعض المتسمين بالصلاح من أبناء المسلمين ، فضلا عن بعض أعلام الأنبياء . . " نراه يذكر معها قصصا أخرى ملخصها : أن داود - عليه السلام - لم يعمل على قتل " أوريا " وإنما سأله أن يتنازل له عن امرأته ، فانصاع لأمره وتنازل له عنها . . أو أنه خطبها بعد أن خطبها " أوريا " فآثر أهلها داود على " أوريا " .قال صاحب الكشاف : كان أهل زمان داود - عليه السلام - يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته ، فيتزوجها إذا أعجبته ، وكان لهم عادة فى المواساة بذلك قد اعتادوهها . . فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له " أوريا " فأحبها ، فسأله النزول عنها ، فاستحيا أن يرده ، ففعل ، فتزوجها ، وهى أم سليمان - عليه السلام - وقيل : خطبها " أوريا " ثم خطبها داود فآثر أهلها داود على أوريا . .والذى نراه أن هذه الأقوال وما يشبهها عارية عن الصحة ، وينكرها النقل والعقل ، ولا يليق بمؤمن أن يقبل شيئا منها . .ينكرها النقل : لأنها لم تثبت من طريق يعتد به ، بل الثابت أنها مكذوبة .قال ابن كثير : قد ذكر المفسرون ها هنا قصة ، أكثرها مأخوذ من الإِسرائيليات ، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبى حاتم حديثا لا يصح سنده ، لأنه من رواية يزيد الرقاشى ، عن أنس - ويزيد وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة . .وقال السيوطى : القصة التى يحكونها فى شأن المرأة وأنها أعجبته ، وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل ، أخرجها ابن أبى حاتم من حديث أنس مرفوعا ، وفى إسناده ابن لهيعة ، وحاله معروف - عن ابن صخر ، عن زيد الرقاشى ، وهو ضعيف . .وقال البقاعى : وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود - وقد أخبرنى بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك فى حق داود - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - من ذريته ، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه .إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير صحيحة من ناحية النقل ، لأن رواتها معروفون بالضعف . وبالنقل عن الإِسرائيليات .ويروى أن الإِمام عليا - رضى الله عنه - قال : " من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وهو حد الفرية على الأنبياء " .وهى غير صحيحة من ناحية العقل ، لأنه ليس من المعقول أن يمدح الله - تعالى - نبيه داود هذا المدح فى أول الآيات وفى آخرها كما سبق أن أشرنا ، ثم نرى بعد ذلك من يتهمه بأنه أعجب بامرأة ، ثم تزوجها بعد أن احتال لقتل زوجها ، بغير حق .أو طلب منه التنازل له عنها ، أو خطبها على خطبته .إن هذه الأفعال يتنزه عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء ، فكيف يفعلها واحد من أعلام الأنبياء . هو داود - عليه السلام - الذى مدحه الله - تعالى - بالقوة فى دينه . وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى الله - تعالى - ، وبأنه - سبحانه - آتاه الحكمة وفصل الخطاب . وبأن له عند ربه ( لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ ) .والخلاصة : أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات ، مما يتصل بزواج داود بتلك المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة . لأنه لم يقم عليه دليل أو ما يشبه الدليل . بل قام الدليل على عدم صحته إطلاقا . لأنه يتنافى مع عصمة الأنبياء . الذين صانهم الله - تعالى - من ارتكاب ما يخدش الشرف والمروءة قبل النبوة وبعدها .قال الإِمام ابن حزم ما ملخصه : " ما حكاه الله - تعالى - عن داود قول صادق صحيح . لا يدل على شئ مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود .وإنما كان ذلك الخصم قوما من بنى آدم بلا شك . مختصيمن فى نعاج من الغنم .ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء . فقد كذب الله - تعالى - ما لم يقل ، وزاد فى القرآن ما ليس فيه . . لأن الله - تعالى - يقول : ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم ) فقال لهو : لم يكونوا خصمين . ولا بغى بعهضم على بعض . ولا كان لأحدهما تسع وتسعون نعجة . ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له : ( أَكْفِلْنِيهَا . . ) .4 - هذا : وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات . منها : أن استغفار داود - عليه السلام - إنما كان سببه أنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر .قال الإِمام الرازى ما ملخصه : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الزالة التى جعلت داود يستغفر ربه - إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين ، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر ، فإنه لما قال له : ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ . . ) فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بينة لكون هذا الخصم مخالفا للصواب ، فعند هذا اشتغل داود بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا من باب ترك الأولى والأفضل .والذى نراه أن هذا القول بعيد عن الصواب ، ولا يتناسب مع منزلة داود - عليه السلام - الذى آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب ، وذلك لأن من أصول القضاء وأولياته ، أن لا يحكم القاضى بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم جميعا ، فكيف يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام آخر .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف سارع داود إلى تصديق أحد الخصمين ، حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه؟ .قلت : ما قال داود ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه ، ولكنه لم يحك فى القرآن لأنه معلوم ، ويروى أنه قال : أريد أخذها منه وأكمل نعانجى مائة فقال داود : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا . وأشار إلى طرف الأنف والجبهة . .ومنهم من يرى ، أن استغفار داود - عليه السلام - كان سببه : أن قوما من الأعداء أرادوا قتله ، فتسوروا عليه المحراب ، فلما دخلوا عليه لقصد قتله وجدوا عنده أقواما . فلم يستطيعوا تنفيذ ما قصدوه ، وتصنعوا هذه الخصومة فعلم داود قصدهم ، وعزم على الانتقام منهم ، ثم عفا عنهم ، واستغفر ربه مما كان قد عزم عليه ، لأنه كان يرى أن الأليق به العفو لا الانتقام .وهذا القول - وإن كان لا بأس به من حيث المعنى - إلا ان الرأى الذى سقناه سابقا ، والذى ذهب إليه الإِمام أبو حيان ، أرجح وأقرب إلى ما هو ظاهر من معنى الآيات .وملخصه : أن الخصومة حقيقية بين اثنتين من البشر ، واستغفار داود - عليه السلام - سببه أنه ظن أنهم جاءوا لاغتياله ولإِيذائه ، وأن هذا ابتلاء من الله - تعالى - ابتلاه به ، ثم تبين له بعد ذلك أنهم ما جاءوا للاعتداء عليه وإنما جاءوا ليقضى بينهم فى خصومة ، فاستغفر ربه من ذلك الظن . فغفر الله - تعالى - له .ولعلنا بهذا البيان نكون قد وفقنا للصواب ، فى تفسير هذه الآيات الكريمة ، التى ذكر بعض المفسرين عند تفسيرها أقوالا وقصصا لا يؤيدها عقل أو نقل ، ولا يليق بمسلم أن يصدقها ، لأنها تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الذين اختارهم الله - تعالى - لتبليغ دعوته ، وحمل رسالته . وإرشاد الناس إلى إخلاص العبادة له - سبحانه - وإلى مكارم الأخلاق ، وحميد الخصال .
وقوله ( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ ) يقول تعالى ذكره: وقلنا لداود: يا داود إنا استخلفناك في الأرض من بعد من كان قبلك من رسلنا حكما ببن أهلها.كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً ) ملَّكه في الأرض ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) يعني: بالعدل والإنصاف ( وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى ) يقول: ولا تؤثر هواك في قضائك بينهم على الحق والعدل فيه, فتجور عن الحقّ( فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: فيميل بك اتباعك هواك في قضائك على العدل والعمل بالحقّ عن طريق الله الذي جعله لأهل الإيمان فيه, فتكون من الهالكين بضلالك عن سبيل الله.وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) يقول تعالى ذكره: إن الذين يميلون عن سبيل الله, وذلك الحقّ الذي شرعه لعباده, وأمرهم بالعمل به, فيجورون عنه في الدنيا, لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله, يقول: بما تركوا القضاء بالعدل, والعمل بطاعة الله ( يَوْمِ الْحِسَابِ ) من صلة العذاب الشديد.وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك, قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا العوّام, عن عكرمة, في قوله ( عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) قال: هذا من التقديم والتأخير, يقول: لهم يوم الحساب عذاب شديد بما نسوا.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) قال: نُسوا: تركوا.
قوله تعالى : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) تدبر أمور العباد بأمرنا ، ( فاحكم بين الناس بالحق ) بالعدل ، ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) أي بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب . وقال الزجاج : بتركهم العمل لذلك اليوم .وقال عكرمة والسدي : في الآية تقديم وتأخير ، تقديره : لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا ، أي : تركوا القضاء بالعدل .
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)مقول قول محذوف معطوف على { فغفرنا له ذلك } [ ص : 25 ] أي صفَحنا عنه وذكرناه بنعمة المُلك ووعظناه ، فجمع له بهذا تنويهاً بشأنه وإرشاداً للواجب . وافتتاح الخطاب بالنداء لاسترعاء وَعْيه واهتمامه بما سيقال له .والخليفة : الذي يخلف غيره في عمللٍ ، أي يقوم مقامه فيه ، فإن كان مع وجود المخلوف عنه قيل : هو خليفة فُلان ، وإن كان بعدما مضى المخلوف قيل : هو خليفة مِن فلان . والمراد هنا : المعنى الأول بقرينة قوله : { فاحكم بين الناس بالحق } .فالمعنى : أنه خليفة الله في إنفاذ شرائعه للأمة المجعول لها خليفة مما يوحي به إليه ومما سبق من الشريعة التي أوحي إليه العمل بها . وخليفةٌ عن موسى عليه السلام وعن أحبار بني إسرائيل الأولين المدعوين بالقُضاة ، أو خليفة عمن تقدمه في الملك وهو شاول .و { الأرض } : أرض مملكته المعهودة ، أي جعلناك خليفة في أرض إسرائيل . ويجوز أن يجعل الأرض مراداً به جميع الأرض فإن داود كان في زمنه أعظم ملوك الأرض فهو متصرف في مملكته ويَخاف بأسَه ملوكُ الأرض فهو خليفة الله في الأرض إذ لا ينفلت شيء من قبضته ، وهذا قريب من الخلافة في قوله تعالى : { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } [ يونس : 14 ] وقوله : { ويجعلكم خلفاء الأرض } [ النمل : 62 ] .وهذا المعنى خلاف معنى قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] فإن الأرض هنالك هي هذه الكرة الأرضية . قال ابن عطية : ولا يقال خليفة الله إلا لرسوله صلى الله عليه وسلم وأما الخلفاء فكل واحد منهم خليفةُ الذي قبلَه ، ألاَ ترى أن الصحابة رضي الله عنهم حرّروا هذا المعنى فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه : يا خليفة رسول الله ، وبهذا كان يدعى بذلك مدة حياته ، فلما ولي عمر قالوا : يا خليفةَ خليفة رسول الله فطال ورأوْا أنه سيطول أكثر في المستقبل إذا ولي خليفة بعد عمر فدعوا عُمر أميرَ المؤمنين ، وقصر هذا على الخلفاء ، وما يجيء في الشعر من دعاء أحد الخلفاء خليفة الله فذلك تجوّز كما قال ابنُ قيسسِ الرقياتِ :خليفة الله في بريته ... جَفَّت بذاك الأقلام والكتبوفُرع على جعله خليفة أمرُه بأن يحكم بين الناس بالحق للدلالة على أن ذلك واجبه وأنه أحق الناس بالحكم بالعدل ، ذلك لأنه هو المرجع للمظلومين والذي تُرفع إليه مظالم الظلمة من الولاة فإذا كان عادلاً خشيهُ الولاة والأمراء لأنه ألف العدل وكره الظلم فلا يُقر ما يجري منه في رعيته كلما بلغه فيكون الناس في حذر من أن يصدر عنهم ما عسى أن يرفع إلى الخليفة فيقتص من الظالم ، وأمّا إن كان الخليفة يظلم في حكمه فإنه يألف الظلم فلا يُغضبه إذا رفعت إليه مظلمة شخص ولا يحرص على إنصاف المظلوم .وفي «الكشاف» : أن بعض خلفاء بني أمية قال لعمر بن عبد العزيز أو للزهري : هل سمعتَ ما بلغَنا؟ قال : وما هو؟ قال : بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا تُكتب له معصية ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ، ثم تلا هذه الآية . والمراد ب { النَّاسِ } ناس مملكته فالتعريف للعهد أو هو للاستغراق العرفي .والحق : هو ما يقتضيه العدل الشرعي من معاملة الناس بعضهم بعضاً وتصرفاتهم في خاصّتهم وعامّتهم ويتعين الحق بتعيين الشريعة . والباء في { بالحَقِّ } باء المجازية ، جعل الحق كالآلة التي يعمل بها العامل في قولك : قطعه بالسكين ، وضربه بالعصا .وقوله : { ولا تَتَّبِععِ الهوى } معطوف على التفريع ، ولعله المقصود من التفريع . وإنما تقدم عليه أمره بالحكم بالحق ليكون توطئة للنهي عن اتباع الهوى سَدًّا لذريعة الوقوع في خطأ الحق فإن داود ممن حكم بالحق فأمره به باعتبار المستقبل . والتعريف في { الهوى } تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، فالنهي يعمّ كل ما هو هوى ، سواء كان هوى المخاطب أو هوى غيره مثل هوى زوجه وولده وسيده ، وصديقه ، أو هوى الجمهور : { قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون } [ الأعراف : 138 ] .ومعنى الهوى : المحبة ، وأطلق على الشيء المحبوب مبالغة ، أي ولو كان هوى شديداً تعلقُ النفس به . والهوى : كناية عن الباطل والجور والظلم لِما هو متعارف من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى النفوس ، فإن العدل والإنصاف ثقيل على النفوس فلا تهواه غالباً ، ومن صارت له محبة الحق سجية فقد أوتي العلم والحكمة وأيّد بالحِفظ أو العصمة .والنهي عن اتباع الهوى تحذير له وإيقاظ ليحذّر من جراء الهوى ويتّهم هوى نفسه ويتعقبه فلا ينقاد إليه فيما يدعوه إليه إلا بعد التأمل والتثبت ، وقد قال سهل بن حُنيْف رضي الله عنه : «اتهموا الرَّأي» ، ذلك أن هوى النفس يكون في الأمور السهلة عليها الرائقة عندها ومعظم الكمالات صعبة على النفس لأنها ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج المَلكية ، ففي جميعها أو معظمها صرف للنفس عما لاصَقَها من الرغائب الجسمانية الراجع أكثرها إلى طبع الحيوانية لأنها إما مدعوة لِداعي الشهوة أو داعي الغضب فالاسترسال في اتباعها وقوع في الرذائل في الغالب ، ولهذا جُعل هنا الضلال عن سبيل الله مسبباً على اتباع الهوى ، وهو تسبب أغلبي عرفي ، فشبه الهوى بسائرٍ في طريق مهلكة على طريقة المكنية ورمز إليه بلازم ذلك وهو الإضلال عن طريق الرشاد المعبر عنه بسبيل الله ، فإن الذي يتبع سائراً غيرَ عَارف بطريق المنازل النافعة لا يلبث أن يجد نفسه وإياه في مهلكة أو مَقطعة طريق .واتّباع الهوى قد يكون اختياراً ، وقد يكون كرهاً . والنهي عن اتباعه يقتضي النهي عن جميع أنواعه؛ فأما الاتّباع الاختياري فالحذر منه ظاهر ، وأما الاتباع الاضطراري فالتخلص منه بالانسحاب عما جرّه إلى الإِكراه ، ولذلك اشترط العلماء في الخليفة شروطاً كلّها تحوم حول الحيلولة بينه وبين اتباع الهوى وما يوازيه من الوقوع في الباطل ، وهي : التكليف ، والحُرّية ، والعدالة ، والذكورة ، وأما شرط كونه من قريش عند الجمهور فلئلا يضعف أمام القبائل بغضاضة .وانتصب { فَيُضِلَّكَ } بعد فاء السببية في جواب النهي . ومعنى جواب النهي جواب المنهي عنه فهو السبب في الضلال وليس النهي سبباً في الضلال . وهذا بخلاف طريقة الجزم في جواب النهي .و { سبيل الله } : الأعمال التي تحصُل منها مرضاته وهي الأعمال التي أمر الله بها ووعد بالجزاء عليها ، شُبّهت بالطريق الموصل إلى الله ، أي إلى مرضاته . وجملة : { إنَّ الذين يضلون عن سبيل الله } إلى آخرها يظهر أنها مما خاطب الله به داود ، وهي عند أصحاب العدد آية واحدة من قوله : { ياداود إنَّا جعلناك خليفة في الأرض } إلى { يومَ الحِسَابِ } ، فهي في موقع العلة للنهي ، فكانت ( إنّ ) مغنية عن فاء التسبب والترتب ، فالشيء الذي يفضي إلى العذاب الشديد خليق بأن يُنهى عنه ، وإن كانت الجملة كلاماً منفصلاً عن خطاب داود كانت معترضة ومستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان خطر الضلال عن سبيل الله .والعموم الذي في قوله { الذين يضلون عن سبيل الله } يُكسب الجملة وصف التذييل أيضاً وكلا الاعتبارين موجب لعدم عطفها . وجيء بالموصول للإِيماء إلى أن الصلة علة لاستحقاق العذاب . واللام في { لهُم عَذَابٌ } للاختصاص ، والباء في { بِما نسُوا يومَ الحِسَابِ } سببية .و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب نسيانهم يوم الحساب ، وتتعلق الباء بالاستقرار الذي ناب عنه المجرور في قوله : { لَهُم عَذَابٌ } .والنسيان : مستعار للإِعراض الشديد لأنه يشبه نسيان المعرض عنه كما في قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] ، وهو مراتب أشدها إنكار البعث والجزاء ، قال تعالى : { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم } [ السجدة : 14 ] . ودونه مراتب كثيرة تكون على وفق مراتب العذاب لأنه إذا كان السبب ذا مراتب كانت المسببات تبعاً لذلك .والمراد ب { يَوْمَ الحسابِ } ما يقع فيه من الجزاء على الخير والشر ، فهو في المعنى على تقدير مضاف ، أي جزاء يوم الحساب على حدّ قوله تعالى : { ونسي ما قدمت يداه } [ الكهف : 57 ] ، أي لم يفكر في عاقبة ما يقدمه من الأعمال . وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب الشديد تنبيه على تلازمهما فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإِعراض عن مراقبة الجزاء . وترجمة داود تقدمت عند قوله تعالى : { ومن ذريته داود } في [ الأنعام : 84 ] وقوله : { وآتينا داود زبوراً } في [ النساء : 163 ] .
{ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ } تنفذ فيها القضايا الدينية والدنيوية، { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } أي: العدل، وهذا لا يتمكن منه، إلا بعلم بالواجب، وعلم بالواقع، وقدرة على تنفيذ الحق، { وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى } فتميل مع أحد، لقرابة أو صداقة أو محبة، أو بغض للآخر { فَيُضِلَّكَ } الهوى { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } ويخرجك عن الصراط المستقيم، { إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } خصوصا المتعمدين منهم، { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } فلو ذكروه ووقع خوفه في قلوبهم، لم يميلوا مع الهوى الفاتن.
قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب .فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : إنا جعلناك خليفة في الأرض أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين . وقد مضى في [ البقرة ] القول في الخليفة وأحكامه مستوفى ، والحمد لله .الثانية : قوله تعالى : فاحكم بين الناس بالحق أي بالعدل ، وهو أمر على الوجوب ، وقد ارتبط هذا بما قبله ، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك [ ص: 170 ] بعدل . فقيل له بعد هذا : فاحكم بين الناس بالعدل ولا تتبع الهوى أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله . فيضلك عن سبيل الله أي عن طريق الجنة . إن الذين يضلون عن سبيل الله أي يحيدون عنها ويتركونها لهم عذاب شديد في النار بما نسوا يوم الحساب أي بما تركوا من سلوك طريق الله ، فقوله : نسوا أي : تركوا الإيمان به ، أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين . ثم قيل : هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة . وقيل : بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته .الثالثة : الأصل في الأقضية قوله تعالى : ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقوله : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وقوله تعالى : لتحكم بين الناس بما أراك الله وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط الآية . وقد تقدم الكلام فيه .الرابعة : قال ابن عباس في قوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قال : إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى ، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلج على صاحبه ، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي ، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي . فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق ، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع ، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أوصداقة ، أو غيرهما . وقال ابن عباس : إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام ; لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون الحق لأحدهما . وقال عبد العزيز بن أبي رواد : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل ، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علما ، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك ، وإذا هو قصر عرف ذلك ، فقيل له : ادخل منزلك ، ثم مد يدك في جدارك ، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا ، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء ، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه ، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه ، وإن قصرت عن الحق قصر بك ، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق ، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا ، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط ، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب . فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء ، أقبل إليه رجلان يريدانه : فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه ، وكان أحدهما له صديقا وخدنا ، فتحرك قلبه عليه [ ص: 171 ] محبة أن يكون الحق له فيقضي له ، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه ، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم ، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف ، وإذا هو لا يبلغه ، فخر ساجدا وهو يقول : يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده ، فبينه لي . فقيل له : أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك ، حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به ، قد أردته وأحببته ، ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت كاره . وعن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ، ثم عادا فأقامهما ، ثم عادا ففصل بينهما ، فقيل له في ذلك ، فقال : تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه ، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك ، ثم عادا فوجدت بعض ذلك له ، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما . وقال الشعبي : كان بين عمر وأبي خصومة ، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت ، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته ، فقال عمر : هذا أول جورك ، أجلسني وإياه مجلسا واحدا ، فجلسا بين يديه .الخامسة : هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه ; لأن الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به . ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر ، قال : لو رأيت رجلا على حد من حدود الله ، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري . وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له : احكم لي على فلان بكذا ، فإنك تعلم ما لي عنده . فقال لها : إن أردت أن أشهد لك فنعم ، وأما الحكم فلا . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بيمين وشاهد ، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترى فرسا فجحده البائع ، فلم يحكم عليه بعلمه وقال : من يشهد لي ؟ فقام خزيمة فشهد فحكم . خرج الحديث أبو داود وغيره ، وقد مضى في [ البقرة ] .
A ruler always has two options before him—to decide cases according to his own whims or in consonance with principles of justice. The ruler who decides matters according to his own whims and desires, has in fact gone astray, and will ultimately have to suffer the scourge of God. But the ruler who decides cases by abiding by the principles of truth and justice, is the one who is on the right path. God will reward him immensely. The divine injunction which is applicable to a ruler is equally applicable to his subjects and must be followed by the common man in his respective spheres of authority.
Commentary
Not only that Allah Ta’ ala had made Sayyidna Dawud (علیہ السلام) a prophet, He had also placed a government and state at his command. Accordingly, in this verse, he has been entrusted with a basic guideline for the conduct of governance and politics. Three things have been said in this guideline
1. We have made you Our khalifah (caliph, deputy, successor, vicar, vicegerent) on the earth.
2. In this capacity, your basic duty is to decide matters in accordance with the truth.
3. And to accomplish this mission, abstention from following personal desires is a binding condition.
As for the sense of making someone a khalifah on the earth, it has been discussed in the commentary on Surah Al-Baqarah (please see Ma` ariful-Qur'an, English, Volume I, pages 158-171) and from it emerges the essential principle of Islamic political theory that "Sovereignty belongs to Allah Ta’ ala." All rulers of the earth are bound to operate in accordance with His injunctions alone. They cannot go out of it. Therefore, the ruler of Muslims, the consultative body or assembly might explain or codify Islamic law as such, but the reality is that they are not lawgivers, instead, are introducers of the law of Allah.
The basic function of an Islamic state is to establish truth
Secondly, it has been made very clear here that the basic function of an Islamic state is to establish truth. It is incumbent on the government that it should establish the rule of truth and justice in all its matters from administration to resolution of disputes.
Since Islam is a religion for all times to come, it has not fixed such administrative details as would have to be changed with changing circumstances. Instead of that, it has blessed its followers with the basic guidelines in the light of which administrative details can be settled according to the needs of every period of time. Therefore, no doubt, this much has been made clear here that the essential function of the government is to establish truth, but along with it, its administrative details have been left in the safe hands of sound thinking Muslims of every period.
The relationship of the Judiciary and the Executive
Accordingly, no such fixed injunction as would stand unalterable in every period of time has been given on the issue of whether the Judiciary remains separate from the Executive or remains part of it. If, in some period of time, full trust can be placed in the honesty and trustworthiness of the rulers, the duality of the judiciary and the executive branches of the government can be eliminated - and if, in a certain period, full trust cannot be placed in the honesty and trustworthiness of the rulers, the Judiciary can also be kept totally independent of the Executive.
Sayyidna Dawud (علیہ السلام) was a great prophet of Allah. Who could have claimed to be as honest and trustworthy as he was? Therefore, he was simultaneously made the head of both the Executive and the Judiciary who also had the responsibility of delivering a verdict in disputes. In addition to the noble prophets (علیہم السلام) ، the same practice continued among the rightly guided khulafa' of the Muslim community (al-khulafa' ar-rashidun) when the amirul-mu'minin (the leader of Muslims or head of the Muslim state) used to be the Qadi (judge) as well. This practice was discontinued by later Islamic governments when the amirul-mu'minin was made the head of the Executive, and the qadi-l-qudat (Chief Justice) that of the Judiciary.
The third guideline on which the heaviest stress has been laid in this verse simply says: Do not follow the desires of yourself and keep the day of Reckoning in sight all the time. The reason for such a stress is that this thing is the very foundation of any effort to establish the supremacy of truth. Only a Hakim (ruler) or Qadi (judge) who has the fear of Allah and the concern of Hereafter in his heart can establish the supremacy of truth and justice in the real sense of the term. Nothing short of this would work. You are welcome to make laws, the best you can. The ability of the desiring human self to conceal its stratagems and carve out an operational outlet through any law or system is virtually unbeatable. As long as this thing is there, the best of law and system cannot establish the rule of law, truth and justice. The history of the world and the current scenario of our time bear witness to this submission.
The first thing to watch around offices charged with responsibility is the character of the human being sitting there
Right from here we also learn that in order to place someone in a position of authority, such as an official of the government, or a judge of the judiciary (or someone in any other role of public or private responsibility), the first thing one has to look for is whether or not this person has the fear of Allah in his heart, the concern for 'Akhirah, the life to come on his mind and, of course, the state of his morals and character. If it is realized that he has nothing of the sort as the fear of Allah in his heart, instead, his desiring self sits there as the monarch of all it surveys, then, no matter how high his degrees in education, and no matter how superb his expertise and experience in the field, he is not deserving of any high office of responsibility in the sight of Islam.
((And it was said unto him): O David! Lo! We have set thee as a vicegerent in the earth) We appointed you a prophet king for the Children of Israel; (therefore judge aright between mankind) judge justly between people, (and follow not desire) that as you did regarding Bathseba, the wife of Uriah, who was also David's cousin (that it beguile thee from the way of Allah) from the obedience of Allah. (Lo! those who wander from the way of Allah) from the obedience of Allah (have an awful doom, forasmuch as they forgot the Day of Reckoning) because they forsake working for the Day of Reckoning.
�and do not follow [your] desire, lest it then lead you astray from the way of God�He said:That is, the darkness of desire which obscures the lights of the intuition of the self (dhihn al-nafs), the spirit (rūḥ), the understanding of the intellect (fahm al-ʿaql), and the discernment of the heart (fiṭnat al-qalb). Similarly, the Prophet said: �Truly, [when followed], desire (hawā) and lust (shahwa) overwhelm the intellect, knowledge,� and lucidity (bayān), due to the pre-eternal ordainment of God, Exalted is He. His words: