The Parable of the Life of this World
Allah tells us that water originates in the sky. This is like the Ayah:
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً
(and We send down pure water from the sky) (25:48). So, Allah sends down water from the sky, and it settles in the earth, then He causes it to flow wherever He wills, and He causes springs, great and small, to flow as needed. Allah says:
فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الاٌّرْضِ
(and causes it to penetrate the earth, as water springs,) Sa`id bin Jubayr and `Amir Ash-Sha`bi said that all the water on earth has its origins in the sky. Sa`id bin Jubayr said, its origins lie in the snow, meaning that snow piles up in the mountains, then settles at the bottom (of the mountains) and springs flow from the bottom of them.
ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ
(and afterward thereby produces crops of different colors) means, then from the water which comes down from the sky or flows from springs in the earth, He brings forth crops of different colors, i.e., different kinds of forms, tastes, scents, bencfits, etc.
ثُمَّ يَهِـيجُ
(and afterward they wither) means, after they have been ripe and fresh, they become old and you see them turn yellow when they have dried out.
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـماً
(then He makes them dry and broken pieces.) means, then they become brittle.
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لاٌّوْلِى الاٌّلْبَـبِ
(Verily, in this is a reminder for men of understanding.) means, those who are reminded by this and who learn the lesson from it, that this world is like this -- it is green and fresh and beautiful, then it will become old and ugly. The young man will become a weak, senile old man, and after all of that comes death. The blessed one is the one whose state after death will be good. Allah often likens the life of this world to the way He sends down water from the sky and crops and fruits grow thereby, then they become dry and brittle. This is like the Ayah:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاٌّرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا
(And put forward to them the example of the life of this world: it is like the water (rain) which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it, and becomes fresh and green. But (later) it becomes dry and broken pieces, which the winds scatter. And Allah is able to do everything) (18:45)
The People of Truth and the People of Misguidance are not Equal
أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ
(Is he whose breast Allah has opened to Islam, so that he is in light from his Lord) means, is this person equal to the one who is hard-hearted and far from the truth This is like the Ayah:
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ
(Is he who was dead and We gave him life and set for him a light (i.e. Belief) whereby he can walk amongst men -- like him who is in the darkness (i.e., disbelief) from which he can never come out) (6:122) Allah says:
فَوَيْلٌ لِّلْقَـسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ
(So, woe to those whose hearts are hardened against remembrance of Allah!) meaning, they do not become soft when Allah is mentioned, and they do not feel humility or fear, and they do not understand.
أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـلٍ مُّبِينٍ
(They are in plain error!).
Have you not seen realised that God sends down water from the heaven then conducts it as springs making it enter points of springs in the ground? Then with it He brings forth crops of diverse hues. Then they wither they become dried-out and you see them for example after having been green turning yellow. Then He turns them into chaff. Truly in that there is a reminder for people of pith possessors of intellect by which they may be reminded for it is an indication of God’s Oneness and His power.
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟ إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال تبارك وتعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض" قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في ألأرض تغيره فذلك قوله تعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده وكذا. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها وقوله تعالى "ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه" أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا مختلفا ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه "ثم يهيج" أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرا قد خالطه اليبس "ثم يجعله حطاما" أي ثم يعود يابسا يتحطم "إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب" أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزا شوهاء والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا وبعد ذلك كله الموت فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زروعا وثمارا ثم يكون بعد ذلك حطاما كما قال تعالى "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا".
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها . كما بين حال من شرح الله صدره للإِسلام فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ . . . ) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً . . . ) للتقرير .والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى باطن الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته على عيون ومسارب فى الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده .ثم بين - سبحانه - مظرهاه آخر من مظاهر قدرته فقال : ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ . . . ) .أى : هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع فى الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله ، فمنه ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - .والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيْج بمعنى اليُبْس والجفَاف . يقال : هاج النبات هَيْجاً وهِيَاجا ، إذا يبس واصفر . أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة . يقال : هاج الشئ يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف واليبس .أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - ( حُطَاماً ) أى : فتاتا متكسرا . يقال : حَطِمَ الشئ حطَما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ينابيع فى الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( لذكرى ) عظيمة ( لأُوْلِي الألباب ) .أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة .والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الإنهماك فى الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضراً . . . ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال .وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ).
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (21)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( أَلَمْ تَرَ ) يا محمد ( أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المطر ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) يقول: فأجراه عيونا في الأرض، واحدها ينبوع, وهو ما جاش من الأرض.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الشعبيّ, في قوله: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) قال: كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نـزل.قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الحسن بن مسلم بن بيان, قال: ثم أنبت بذلك الماء الذي أنـزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) يعني: أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز, ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: ثم ييبس ذلك الزرع من بعد خُضرته, يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض, وهاج الزرع.وقوله: ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر, وكذلك الزرع إذا يبس اصفرّ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) والحطام: فتات التبن والحشيش, يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به, فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء, وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض, وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه, كهيئته قبل فنائه, كالذي فعل بالأرض التي أنـزل عليها من بعد موتها الماء, فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته.
قوله عز وجل : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ) أدخل ذلك الماء ، ) ( ينابيع ) عيونا وركايا ) ( في الأرض ) قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، ( ثم يخرج به ) أي : بالماء ( زرعا مختلفا ألوانه ) أحمر وأصفر وأخضر ، ) ( ثم يهيج ) ييبس ) ( فتراه ) بعد خضرته ونضرته ، ( مصفرا ثم يجعله حطاما ) فتاتا متكسرا ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)استئناف ابتدائي انتُقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإِسلام ، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى : { فاعبد اللَّه مخلصاً له الدين } [ الزمر : 2 ] إلى هنا ، فهذا تمهيد لقوله : { أفَمَن شَرَحَ الله صَدرهُ للإسلامِ } إلى قوله : { ذلِكَ هُدَى الله يهْدِي به من يشاءُ } [ الزمر : 22 ، 23 ] فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء ، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله . وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها : فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب ، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس ، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره ، ونافع وضار ، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين . وأما قوله تعالى : { ثُمَّ يَجْعلُهُ حُطاماً } فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار . وفي تعقيب هذا بقوله : { أفَمَن شَرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ } إلى قوله : { وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 22 ، 23 ] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل .وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقيَّةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً فذلك مَثَل من فقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم ، ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به " ويجوز أن يكون المعنى أصالةً وإدماجاً على عكس ما بيّنا ، فيكونَ عَوْداً إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة ، فيكونَ قوله تعالى : { ألم ترَ أن الله أنزل من السماءِ ماءً } إلى قوله : { إن في ذلك لذكرى لأولي الألبابِ } متصلاً بقوله تعالى : { خلقكم من نفسسٍ واحدةٍ ثمَّ جعَلَ منها زَوجَهَا } [ الزمر : 6 ] المتصل بقوله تعالى : { خَلَق السماواتتِ والأرض بالحققِ يُكورُ الليل على النَّهار } [ الزمر : 5 ] ، ويكونَ ما بيناه من تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجاً في هذا الاستدلال . وعلى كلا الوجهين أُدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية .والكلام استفهام تقريري ، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به مخاطباً معيَّناً . والرؤية بصرية .وقوله : { أنزلَ مِن السماءِ ماءً } تقدم نظيره في قوله : { وهو الذي أنزل من السماء ماء } في سورة [ الأنعام : 99 ] .و { سلكه } أدخله ، أي جعله سالكاً ، أي داخلاً ، ففعل سلك هنا متعد وقد تقدم عند قوله تعالى :{ وسلك لكم فيها سبلاً } في سورة [ طه : 53 ] ، وذكرنا هنالك أن فعل سلك يكون قاصراً ومتعدّياً ، وهذا الإِدخال دليل ثان .و { يَنابيعَ } جمع ينبوع وهو العين من الماء ، تقدم في قوله تعالى : { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } في سورة [ الإِسراء : 90 ] . وانتصب { ينابيعَ } على الحال من ضمير { مَاءً } . وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم قدرة الله .وعطف ب { ثم } قوله : { ثُمَّ يُخرجُ بهِ زَرعاً } لإِفادة التراخي الرتبي بحرف { ثم } كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر . وهذا الإِخراج دليل رابع .والألوان : جمع لون ، واللون : كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء ، وتقدم في سورة فاطر [ 27 ، 28 ] . واختلاف ألوان الزرع بالمعنى الأول أن لكل نوع من الزرع لوناً ولنَوْرها ألواناً ولكل صنف من الزرع ألوان مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشُدّه ، وهذا الاختلاف مع اتّحاد الأرض التي تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف .ومعنى { يهيج } يغلظ ويرتفع . وحقيقة الهياج : ثورة الإنسان أو الحيوان ، ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال : هاجت ريِح ، ومنه هياج الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحَب والكَلأ وهذا الطور آية سادسة على الوحدانية .والحطام : المحطوم ، أي المكسور المفتوت ، ووزن فُعال ( بضم الفاء ) يدل على المفعول كالفُتات والدُقاق ، ومثله الفُعالة كالصُبابة والقُلامة والقُمامة . والمعنى : أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضاً وتساقُطه وكسر الريح إياه . وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله . وجميعها آيات على دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضاً من طور وجوده إلى طور اضمحلاله .وجملة { إنَّ في ذلك لذكرى لأُولِى الألباب } مبيّنة للاستفهام التقريري وفذلكة للأطوار المستفهم عنها ، فالإِشارة بذلك إلى المذكور من الإِنزال إلى آخر الأطوار .والمراد : ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل . ويجوز أن تكون الذكرى لما يذهل عنه العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها . فمن ذلك أنها تصلح مثالاً لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاماً ، وتخللت زراريعه الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء ، فكذلك يعود الإِنسان بعد فنائه كما أشار إليه قوله تعالى : { واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً } [ نوح : 17 ، 18 ] فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف ، ومن ذلك أنها تصلح مثلاً للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف ، والمقصود : تشبيه الحالة بالحالة فلا يُعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات .ومنها أنها مثل لأطوار الإِنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك ، والمقصود تشبيه الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية .و { أولي الألبَابِ } هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من الأدلة ، كما تقدم آنفاً في قوله : { إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب } [ الزمر : 9 ] ، وهم الذين استدلوا فآمنوا . وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من الأدلة بمنزلة مَن عدموا العقول .
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك. { ثُمَّ يَهِيجُ } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } متكسرا { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم.ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة.اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق ، والتمييز بين المؤمن والكافر ، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء . " أنزل من السماء " أي : من السحاب " ماء " أي : المطر " فسلكه ينابيع في الأرض " أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها ، كما قال : " فأسكناه في الأرض " . " ينابيع " جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض . النحاس : وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر [ عنترة ] :ينباع من ذفرى غضوب جسرةأن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا نبوعا خرج . والينبوع عين الماء والجمع الينابيع . وقد مضى في [ سبحان ] .ثم يخرج به أي : بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض زرعا هو للجنس أي : زروعا شتى لها ألوان مختلفة ، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا . قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة ، ثم تقسم منها العيون والركايا .ثم يهيج أي : ييبس . فتراه أي : بعد خضرته " مصفرا " قال المبرد قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى . قال : كذلك هاج النبت . قال : وكذلك قال غير الأصمعي . وقال الجوهري : هاج النبت هياجا أي : يبس . وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر ، وأهاجت الريح النبت أيبسته ، وأهيجنا الأرض أي : وجدناها هائجة النبات ، وهاج هائجه أي : ثار غضبه ، وهدأ هائجه أي : سكنت فورته .ثم يجعله حطاما أي فتاتا مكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس . والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة . وقيل : هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض ، أي : أنزل من [ ص: 220 ] السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه أي : دينا مختلفا ، بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع . وقيل : هو مثل ضربه الله للدنيا ، أي : كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها . إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .
The wonderful system of rains on the earth, the resulting growth of greenery and the subsequent preparations for harvesting, have countless meaningful lessons in them. But, these lessons are available only to those who devote themselves to deep thought. On the one hand, God has created the external world in a way that everything in it has become a sign of great realities, and, on the other, He has endowed man with the ability to read these signs and understand them. Those who keep their natural capabilities alive and, by utilising them, give deep consideration to the things of the world, will have their minds filled with the deep realisation (ma‘rifah) of God. Whereas those who do not keep these capabilities alive, will be unable to learn anything, even though surrounded by countless lessons. They will not be able to see, even after seeing, and will not be able to hear, even after hearing.
Commentary
The word: يَنَابِيعَ (yanabi in verse 21: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ (made it penetrate into the earth [ and gush forth ] in the form of springs) is the plural form of: یَنبُوع (yanbu) which means springs that gush out from the soil. The sense is that the act of sending down water from the sky is by itself a great blessing, but also crucial was the arrangement to conserve it underground. But for this arrangement to save this blessing of water, its users would have derived benefit from it only at the time of rains, or for a few days following it. Although, on water depends their life, and it is the kind of need one cannot stay free from, even for a day. Therefore, Allah Ta’ ala did not consider it sufficient to just send down this blessing, instead, made elaborate and very unique arrangements for its conservation. Some of it gets deposited in ditches, ponds, tanks and reservoirs. Then a huge supply is turned into ice and made to sit on mountain peaks and its ridges, an arrangement that takes care of the danger of water going bad. Then ice melts and water travels through veins in the mountains until it reaches the land and gushes out in the form of streams, all over, on its own, without any human input, and finally finds its way through the land in the form of rivulets and rivers. Rest of the water keeps flowing underground which can be retrieved by digging a well almost anywhere.
Details of this water supply system as they appear in the noble Qur'an have been given in the commentary of Surah Al-Mu'minan under the verse: (then We lodged it in the earth, and of course, We are able to take it away - Al-Mu'minun, 23:18). (Please see Ma ariful-Qur’ an, Volume VI, under 23:18, pages 311 to 313).
Later in verse 21, it was said: مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ (the crops of different colours). At the time the crops grow and ripen, colors keep changing from one to the other. Since these colors change, therefore, the word: مُّخْتَلِفًا (mukhtalifan), in terms of its grammatical analysis, has been used in the form of: حَال (ha state, circumstantial condition) which denotes change.
In the last sentence of verse 21, it was said: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (Surely, in that, there is a lesson for the people of understanding), that is, in this process - when water is sent down, is conserved, is made available to human beings to grow all sorts of crops and trees the colors of which change following which they turn yellow and dry making grains separate from chaff - there is a great lesson for people of understanding, because they provide the proof of the infinite power and wisdom of Allah Ta’ ala. These are visible signs that could lead human beings to discover the reality behind their own creation, and that in turn, could become the means through which one succeeds in recognizing his or her own creator and master.
(Hast thou not seen) have you not been informed, O Muhammad, in the Qur'an (how Allah hath sent down water) rain (from the sky and hath caused it to penetrate the earth as water springs) producing thereof rivers in the earth, (and afterward thereby produceth) through rain (crops of diverse hues; and afterward they wither) they change (and thou seest them turn yellow) after being green in colour; (then He maketh them chaff) dry chaff; such is the life of this world, it vanishes and never lasts. (Lo! Herein) in that which I mentioned concerning the vanishing of the life of this world (verily is a reminder) an admonition (for men of understanding) for those possessed of intellect among people.
The Parable of the Life of this World
Allah tells us that water originates in the sky. This is like the Ayah:
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً
(and We send down pure water from the sky) (25:48). So, Allah sends down water from the sky, and it settles in the earth, then He causes it to flow wherever He wills, and He causes springs, great and small, to flow as needed. Allah says:
فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الاٌّرْضِ
(and causes it to penetrate the earth, as water springs,) Sa`id bin Jubayr and `Amir Ash-Sha`bi said that all the water on earth has its origins in the sky. Sa`id bin Jubayr said, its origins lie in the snow, meaning that snow piles up in the mountains, then settles at the bottom (of the mountains) and springs flow from the bottom of them.
ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ
(and afterward thereby produces crops of different colors) means, then from the water which comes down from the sky or flows from springs in the earth, He brings forth crops of different colors, i.e., different kinds of forms, tastes, scents, bencfits, etc.
ثُمَّ يَهِـيجُ
(and afterward they wither) means, after they have been ripe and fresh, they become old and you see them turn yellow when they have dried out.
ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَـماً
(then He makes them dry and broken pieces.) means, then they become brittle.
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لاٌّوْلِى الاٌّلْبَـبِ
(Verily, in this is a reminder for men of understanding.) means, those who are reminded by this and who learn the lesson from it, that this world is like this -- it is green and fresh and beautiful, then it will become old and ugly. The young man will become a weak, senile old man, and after all of that comes death. The blessed one is the one whose state after death will be good. Allah often likens the life of this world to the way He sends down water from the sky and crops and fruits grow thereby, then they become dry and brittle. This is like the Ayah:
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَـهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاٌّرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا
(And put forward to them the example of the life of this world: it is like the water (rain) which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it, and becomes fresh and green. But (later) it becomes dry and broken pieces, which the winds scatter. And Allah is able to do everything) (18:45)
The People of Truth and the People of Misguidance are not Equal
أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ
(Is he whose breast Allah has opened to Islam, so that he is in light from his Lord) means, is this person equal to the one who is hard-hearted and far from the truth This is like the Ayah:
أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَـتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ
(Is he who was dead and We gave him life and set for him a light (i.e. Belief) whereby he can walk amongst men -- like him who is in the darkness (i.e., disbelief) from which he can never come out) (6:122) Allah says:
فَوَيْلٌ لِّلْقَـسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ اللَّهِ
(So, woe to those whose hearts are hardened against remembrance of Allah!) meaning, they do not become soft when Allah is mentioned, and they do not feel humility or fear, and they do not understand.
أُوْلَـئِكَ فِى ضَلَـلٍ مُّبِينٍ
(They are in plain error!).
Have you not seen realised that God sends down water from the heaven then conducts it as springs making it enter points of springs in the ground? Then with it He brings forth crops of diverse hues. Then they wither they become dried-out and you see them for example after having been green turning yellow. Then He turns them into chaff. Truly in that there is a reminder for people of pith possessors of intellect by which they may be reminded for it is an indication of God’s Oneness and His power.
ألم تر -أيها الرسول- أن الله أنزل من السحاب مطرًا فأدخله في الأرض، وجعله عيونًا نابعة ومياهًا جارية، ثم يُخْرج بهذا الماء زرعًا مختلفًا ألوانه وأنواعه، ثم ييبس بعد خضرته ونضارته، فتراه مصفرًا لونه، ثم يجعله حطامًا متكسِّرًا متفتتًا؟ إن في فِعْل الله ذلك لَذكرى وموعظة لأصحاب العقول السليمة.
يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال تبارك وتعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض" قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في ألأرض تغيره فذلك قوله تعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده وكذا. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها وقوله تعالى "ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه" أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا مختلفا ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه "ثم يهيج" أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرا قد خالطه اليبس "ثم يجعله حطاما" أي ثم يعود يابسا يتحطم "إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب" أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزا شوهاء والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا وبعد ذلك كله الموت فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زروعا وثمارا ثم يكون بعد ذلك حطاما كما قال تعالى "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا".
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها . كما بين حال من شرح الله صدره للإِسلام فقال - تعالى - :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ . . . ) .الاستفهام فى قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً . . . ) للتقرير .والينابيع : جمع ينبوع ، وهو المنبع أو المجرى الذى يكون فى باطن الأرض ، والذى يحمل الكثير من المياه الجارية أو المخزونة فى جوف الأرض .والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - أن الله - تعالى - أنزل من السحب المرتفعة فى جو السماء ، ماء كثيرا ، فأدخله بقدرته على عيون ومسارب فى الأرض ، هذه العيون والمسارب تارة تكون ظاهرة على وجه الأرض ، وتارة تكون فى باطنها ، وكل ذلك من أعظم الأدلة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده .ثم بين - سبحانه - مظرهاه آخر من مظاهر قدرته فقال : ( ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ . . . ) .أى : هذا الماء الذى أنزله - سبحانه - بقدرته من السماء ، قد سلكه ينابيع فى الأرض ، ثم يخرج بسبب هذا الماء زرعا مختلفا فى ألوانه وفى أشكاله ، فمنه ما هو أخضر ومنه ما هو أصفر ، ومنه ما ليس كذلك مما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته - عز وجل - .والفعل " يهيج " مأخوذ من الهيْج بمعنى اليُبْس والجفَاف . يقال : هاج النبات هَيْجاً وهِيَاجا ، إذا يبس واصفر . أو مأخوذ من الهيج بمعنى شدة الحركة . يقال : هاج الشئ يهيج ، إذا ثار لمشقة أو ضرر ، ثم يعقب ذلك الهيجان الجفاف واليبس .أى : ثم يصاب هذا الزرع المختلف الألوان بالجفاف والضمور ، فتراه مصفرا من بعد اخضراره ونضارته ، ثم يجعله - سبحانه - ( حُطَاماً ) أى : فتاتا متكسرا . يقال : حَطِمَ الشئ حطَما - من باب تعب - إذا تكسر وتفتت وتحطم .( إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الذى ذكرناه من إنزال الماء من السماء ، ومن سلكه ينابيع فى الأرض ، ومن إخراج النبات المختلف الألوان بسببه ( لذكرى ) عظيمة ( لأُوْلِي الألباب ) .أى : لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة .والمقصود من هذه الآية الكريمة ، التحذير من الإنهماك فى الحياة الدنيا ومتعها ، حيث شبهها - سبحانه - فى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها - بالزرع الذى يبدو مخضرا وناضراً . . . ثم يعقب ذلك الجفاف والذبول والاضمحلال .وفى هذا المعنى وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ( واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً ).
القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (21)يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( أَلَمْ تَرَ ) يا محمد ( أَنَّ اللَّهَ أَنـزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ) وهو المطر ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) يقول: فأجراه عيونا في الأرض، واحدها ينبوع, وهو ما جاش من الأرض.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الشعبيّ, في قوله: ( فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ) قال: كلّ ندى وماء في الأرض من السماء نـزل.قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن جابر, عن الحسن بن مسلم بن بيان, قال: ثم أنبت بذلك الماء الذي أنـزله من السماء فجعله في الأرض عيونا زرعا( مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ) يعني: أنواعا مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز, ونحو ذلك من الأنواع المختلفة ( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: ثم ييبس ذلك الزرع من بعد خُضرته, يقال للأرض إذا يبس ما فيها من الخضر وذوى: هاجت الأرض, وهاج الزرع.وقوله: ( فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ) يقول: فتراه من بعد خُضرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر, وكذلك الزرع إذا يبس اصفرّ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا ) والحطام: فتات التبن والحشيش, يقول: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يابسا فُتاتا متكسرا.وقوله: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ ) يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك كالذي وصف لذكرى وموعظة لأهل العقول والحجا يتذكرون به, فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء, وإنشاء ما أراد من الأجسام والأعراض, وإحياء من هلك من خلقه من بعد مماته وإعادته من بعد فنائه, كهيئته قبل فنائه, كالذي فعل بالأرض التي أنـزل عليها من بعد موتها الماء, فأنبت بها الزرع المختلف الألوان بقدرته.
قوله عز وجل : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ) أدخل ذلك الماء ، ) ( ينابيع ) عيونا وركايا ) ( في الأرض ) قال الشعبي : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، ( ثم يخرج به ) أي : بالماء ( زرعا مختلفا ألوانه ) أحمر وأصفر وأخضر ، ) ( ثم يهيج ) ييبس ) ( فتراه ) بعد خضرته ونضرته ، ( مصفرا ثم يجعله حطاما ) فتاتا متكسرا ، ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)استئناف ابتدائي انتُقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإِسلام ، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى : { فاعبد اللَّه مخلصاً له الدين } [ الزمر : 2 ] إلى هنا ، فهذا تمهيد لقوله : { أفَمَن شَرَحَ الله صَدرهُ للإسلامِ } إلى قوله : { ذلِكَ هُدَى الله يهْدِي به من يشاءُ } [ الزمر : 22 ، 23 ] فمُثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعدُ بنماء ذلك الاهتداء ، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله . وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها : فإِنزال الماء من السماء تشبيه لإِنزال القرآن لإِحياء القلوب ، وإسلاكُ الماء ينابيع في الأرض تشبيه لِتبليغ القرآن للناس ، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره ، ونافع وضار ، وهياج الزرع تشبيه لِتكاثر المؤمنين بين المشركين . وأما قوله تعالى : { ثُمَّ يَجْعلُهُ حُطاماً } فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواءِ الناس فيها من نافع وضار . وفي تعقيب هذا بقوله : { أفَمَن شَرَحَ الله صدرَهُ للإسلامِ } إلى قوله : { وَمَن يُضْلِل الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [ الزمر : 22 ، 23 ] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل .وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقيَّةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشُب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً فذلك مَثَل من فقُه في دين الله ونفعَه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم ، ومثَل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به " ويجوز أن يكون المعنى أصالةً وإدماجاً على عكس ما بيّنا ، فيكونَ عَوْداً إلى الاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية بدليل من مخلوقاته التي يشاهدها الناس مشاهدة متكررة ، فيكونَ قوله تعالى : { ألم ترَ أن الله أنزل من السماءِ ماءً } إلى قوله : { إن في ذلك لذكرى لأولي الألبابِ } متصلاً بقوله تعالى : { خلقكم من نفسسٍ واحدةٍ ثمَّ جعَلَ منها زَوجَهَا } [ الزمر : 6 ] المتصل بقوله تعالى : { خَلَق السماواتتِ والأرض بالحققِ يُكورُ الليل على النَّهار } [ الزمر : 5 ] ، ويكونَ ما بيناه من تمثيل حال نزول القرآن وانتفاع المؤمنين إدماجاً في هذا الاستدلال . وعلى كلا الوجهين أُدمج في أثناء الكلام إيماء إلى إمكان إحياء الناس حياة ثانية .والكلام استفهام تقريري ، والخطاب لكل من يصلح للخطاب فليس المراد به مخاطباً معيَّناً . والرؤية بصرية .وقوله : { أنزلَ مِن السماءِ ماءً } تقدم نظيره في قوله : { وهو الذي أنزل من السماء ماء } في سورة [ الأنعام : 99 ] .و { سلكه } أدخله ، أي جعله سالكاً ، أي داخلاً ، ففعل سلك هنا متعد وقد تقدم عند قوله تعالى :{ وسلك لكم فيها سبلاً } في سورة [ طه : 53 ] ، وذكرنا هنالك أن فعل سلك يكون قاصراً ومتعدّياً ، وهذا الإِدخال دليل ثان .و { يَنابيعَ } جمع ينبوع وهو العين من الماء ، تقدم في قوله تعالى : { حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } في سورة [ الإِسراء : 90 ] . وانتصب { ينابيعَ } على الحال من ضمير { مَاءً } . وتصيير الماء الداخل في الأرض ينابيع دليل ثالث على عظيم قدرة الله .وعطف ب { ثم } قوله : { ثُمَّ يُخرجُ بهِ زَرعاً } لإِفادة التراخي الرتبي بحرف { ثم } كشأنها في عطف الجمل لأن إخراج الزرع من الأرض بعد إقحالها أوقع في نفوس الناس لأنه أقرب لأبصارهم وأنفع لعيشهم وإذ هو المقصود من المطر . وهذا الإِخراج دليل رابع .والألوان : جمع لون ، واللون : كيفية لائحة على ظاهر الجسم في الضوء ، وتقدم في سورة فاطر [ 27 ، 28 ] . واختلاف ألوان الزرع بالمعنى الأول أن لكل نوع من الزرع لوناً ولنَوْرها ألواناً ولكل صنف من الزرع ألوان مختلفة في أطوار نباته وبلوغه أشُدّه ، وهذا الاختلاف مع اتّحاد الأرض التي تنبت فيها واتحاد الماء الذي نبت به آية خامسة على عظيم القدرة والانفراد بالتصرف .ومعنى { يهيج } يغلظ ويرتفع . وحقيقة الهياج : ثورة الإنسان أو الحيوان ، ويستعار الهياج لشدة الشيء من غير الحيوان يقال : هاجت ريِح ، ومنه هياج الزرع في الآية لأن الزرع تطول سوقه وسنابله فيتم جفافه فإذا تحرك بمرور الريح عليه صار له حفيف وخشخشة سواء في ذلك الحَب والكَلأ وهذا الطور آية سادسة على الوحدانية .والحطام : المحطوم ، أي المكسور المفتوت ، ووزن فُعال ( بضم الفاء ) يدل على المفعول كالفُتات والدُقاق ، ومثله الفُعالة كالصُبابة والقُلامة والقُمامة . والمعنى : أنه يبلغ من اليبس إلى حد أن يتحطم ويتكسر بحك بعضه بعضاً وتساقُطه وكسر الريح إياه . وهذا الطور آية سابعة على قدرة الله . وجميعها آيات على دقة صنعه وكيف أودع الأطوار الكثيرة في الشيء الواحد يخلف بعضها بعضاً من طور وجوده إلى طور اضمحلاله .وجملة { إنَّ في ذلك لذكرى لأُولِى الألباب } مبيّنة للاستفهام التقريري وفذلكة للأطوار المستفهم عنها ، فالإِشارة بذلك إلى المذكور من الإِنزال إلى آخر الأطوار .والمراد : ذكرى بالدلالة على ما يغفل عنه العاقل . ويجوز أن تكون الذكرى لما يذهل عنه العاقل مما تشتمل عليه هذه الأحوال من مبدئها إلى منتهاها . فمن ذلك أنها تصلح مثالاً لتقريب البعث فإن إنزال الماء على الأرض وإنباتها بسببه أمر يتجدد بعد أن صار ما عليها من النبات حطاماً ، وتخللت زراريعه الأرض فنبتت مرة أخرى بنزول الماء ، فكذلك يعود الإِنسان بعد فنائه كما أشار إليه قوله تعالى : { واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً } [ نوح : 17 ، 18 ] فتتضمن الآية إدماج تقريب البعث وإمكانه مع الاستدلال على انفراد الله تعالى بالتصرف ، ومن ذلك أنها تصلح مثلاً للحياة الدنيا كما في آية سورة يونس وفي سورة الكهف ، والمقصود : تشبيه الحالة بالحالة فلا يُعتبر التجوز في مفردات هذا المركب بأن يطلب لكل طور من أطوار الدنيا طور يشتبه به من أطوار النبات .ومنها أنها مثل لأطوار الإِنسان من طور النطف إلى الشباب إلى الشيخوخة ثم الهلاك ، والمقصود تشبيه الحالة بالحالة مع إمكان توزيع تشبيه كل طور من أطوار الحالة المشبهة بطور من أطوار الحالة المشبه بها وهو أكمل أنواع التمثيلية .و { أولي الألبَابِ } هم الذين ينتفعون بألبابهم فيهتدون بما نصب لهم من الأدلة ، كما تقدم آنفاً في قوله : { إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الألباب } [ الزمر : 9 ] ، وهم الذين استدلوا فآمنوا . وفي هذا تعريض بأن الذين لم يستفيدوا من الأدلة بمنزلة مَن عدموا العقول .
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك. { ثُمَّ يَهِيجُ } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } متكسرا { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم.ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة.اللّهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء أي إنه لا يخلف الميعاد في إحياء الخلق ، والتمييز بين المؤمن والكافر ، وهو قادر على ذلك كما أنه قادر على إنزال الماء من السماء . " أنزل من السماء " أي : من السحاب " ماء " أي : المطر " فسلكه ينابيع في الأرض " أي فأدخله في الأرض وأسكنه فيها ، كما قال : " فأسكناه في الأرض " . " ينابيع " جمع ينبوع وهو يفعول من نبع ينبع وينبع وينبع بالرفع والنصب والخفض . النحاس : وحكى لنا ابن كيسان في قول الشاعر [ عنترة ] :ينباع من ذفرى غضوب جسرةأن معناه ينبع فأشبع الفتحة فصارت ألفا نبوعا خرج . والينبوع عين الماء والجمع الينابيع . وقد مضى في [ سبحان ] .ثم يخرج به أي : بذلك الماء الخارج من ينابيع الأرض زرعا هو للجنس أي : زروعا شتى لها ألوان مختلفة ، حمرة وصفرة وزرقة وخضرة ونورا . قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض فمن السماء نزل ، إنما ينزل من السماء إلى الصخرة ، ثم تقسم منها العيون والركايا .ثم يهيج أي : ييبس . فتراه أي : بعد خضرته " مصفرا " قال المبرد قال الأصمعي : يقال هاجت الأرض تهيج إذا أدبر نبتها وولى . قال : كذلك هاج النبت . قال : وكذلك قال غير الأصمعي . وقال الجوهري : هاج النبت هياجا أي : يبس . وأرض هائجة يبس بقلها أو اصفر ، وأهاجت الريح النبت أيبسته ، وأهيجنا الأرض أي : وجدناها هائجة النبات ، وهاج هائجه أي : ثار غضبه ، وهدأ هائجه أي : سكنت فورته .ثم يجعله حطاما أي فتاتا مكسرا ، من تحطم العود إذا تفتت من اليبس . والمعنى أن من قدر على هذا قدر على الإعادة . وقيل : هو مثل ضربه الله للقرآن ولصدور من في الأرض ، أي : أنزل من [ ص: 220 ] السماء قرآنا فسلكه في قلوب المؤمنين ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه أي : دينا مختلفا ، بعضه أفضل من بعض ، فأما المؤمن فيزداد إيمانا ويقينا ، وأما الذي في قلبه مرض فإنه يهيج كما يهيج الزرع . وقيل : هو مثل ضربه الله للدنيا ، أي : كما يتغير النبت الأخضر فيصفر كذلك الدنيا بعد بهجتها . إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب .
The wonderful system of rains on the earth, the resulting growth of greenery and the subsequent preparations for harvesting, have countless meaningful lessons in them. But, these lessons are available only to those who devote themselves to deep thought. On the one hand, God has created the external world in a way that everything in it has become a sign of great realities, and, on the other, He has endowed man with the ability to read these signs and understand them. Those who keep their natural capabilities alive and, by utilising them, give deep consideration to the things of the world, will have their minds filled with the deep realisation (ma‘rifah) of God. Whereas those who do not keep these capabilities alive, will be unable to learn anything, even though surrounded by countless lessons. They will not be able to see, even after seeing, and will not be able to hear, even after hearing.
Commentary
The word: يَنَابِيعَ (yanabi in verse 21: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ (made it penetrate into the earth [ and gush forth ] in the form of springs) is the plural form of: یَنبُوع (yanbu) which means springs that gush out from the soil. The sense is that the act of sending down water from the sky is by itself a great blessing, but also crucial was the arrangement to conserve it underground. But for this arrangement to save this blessing of water, its users would have derived benefit from it only at the time of rains, or for a few days following it. Although, on water depends their life, and it is the kind of need one cannot stay free from, even for a day. Therefore, Allah Ta’ ala did not consider it sufficient to just send down this blessing, instead, made elaborate and very unique arrangements for its conservation. Some of it gets deposited in ditches, ponds, tanks and reservoirs. Then a huge supply is turned into ice and made to sit on mountain peaks and its ridges, an arrangement that takes care of the danger of water going bad. Then ice melts and water travels through veins in the mountains until it reaches the land and gushes out in the form of streams, all over, on its own, without any human input, and finally finds its way through the land in the form of rivulets and rivers. Rest of the water keeps flowing underground which can be retrieved by digging a well almost anywhere.
Details of this water supply system as they appear in the noble Qur'an have been given in the commentary of Surah Al-Mu'minan under the verse: (then We lodged it in the earth, and of course, We are able to take it away - Al-Mu'minun, 23:18). (Please see Ma ariful-Qur’ an, Volume VI, under 23:18, pages 311 to 313).
Later in verse 21, it was said: مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ (the crops of different colours). At the time the crops grow and ripen, colors keep changing from one to the other. Since these colors change, therefore, the word: مُّخْتَلِفًا (mukhtalifan), in terms of its grammatical analysis, has been used in the form of: حَال (ha state, circumstantial condition) which denotes change.
In the last sentence of verse 21, it was said: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (Surely, in that, there is a lesson for the people of understanding), that is, in this process - when water is sent down, is conserved, is made available to human beings to grow all sorts of crops and trees the colors of which change following which they turn yellow and dry making grains separate from chaff - there is a great lesson for people of understanding, because they provide the proof of the infinite power and wisdom of Allah Ta’ ala. These are visible signs that could lead human beings to discover the reality behind their own creation, and that in turn, could become the means through which one succeeds in recognizing his or her own creator and master.
(Hast thou not seen) have you not been informed, O Muhammad, in the Qur'an (how Allah hath sent down water) rain (from the sky and hath caused it to penetrate the earth as water springs) producing thereof rivers in the earth, (and afterward thereby produceth) through rain (crops of diverse hues; and afterward they wither) they change (and thou seest them turn yellow) after being green in colour; (then He maketh them chaff) dry chaff; such is the life of this world, it vanishes and never lasts. (Lo! Herein) in that which I mentioned concerning the vanishing of the life of this world (verily is a reminder) an admonition (for men of understanding) for those possessed of intellect among people.