How the Revelation comes down
This refers to how Allah sends revelation. Sometimes He casts something into the heart of the Prophet , and he has no doubt that it is from Allah, as it was reported in Sahih Ibn Hibban that the Messenger of Allah ﷺ said:
«إِنَّ رُوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتْى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب»
(Ar-Ruh Al-Qudus i.e., Jibril breathed into my heart that no soul will die until its allotted provision and time have expired, so have Taqwa of Allah and keep seeking in a good (and lawful) way.)
أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ
(or from behind a veil) -- as He spoke to Musa, peace be upon him. He asked to see Him after He had spoken to him, but this was not granted to him. In the Sahih, it recorded that the Messenger of Allah ﷺ said to Jabir bin `Abdullah, may Allah be pleased with him:
«مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا»
(Allah never speaks to anyone except from behind a veil, but He spoke to your father directly.) This is how it was stated in the Hadith. He Jabir's father was killed on the day of Uhud, but this refers to the realm of Al-Barzakh, whereas the Ayah speaks of this earthly realm.
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ
(or (that) He sends a Messenger to reveal what He wills by His leave.) as Jibril, peace be upon him, and other angels came down to the Prophets, peace be upon them.
إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ
(Verily, He is Most High, Most Wise.) He is Most High, All-Knowing, Most Wise.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا
(And thus We have sent to you Ruh of Our command.) means, the Qur'an.
مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـبُ وَلاَ الإِيمَـنُ
(You knew not what is the Book, nor what is Faith.) means, `in the details which were given to you in the Qur'an.'
وَلَـكِن جَعَلْنَـهُ
(But We have made it) means, the Qur'an,
نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا
(a light wherewith We guide whosoever of Our servants We will. ) This is like the Ayah:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
(Say: "It is for those who believe, a guide and a healing. And as for those who disbelieve, there is heaviness (deafness) in their ears, and it (the Qur'an) is blindness for them.") (41:44).
وَأَنَّكَ
(And verily, you) means, `O Muhammad,'
لَتَهْدِى إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ
(are indeed guiding to a straight path.) means, the correct behavior. Then Allah explains this further by saying:
صِرَطِ اللَّهِ
(The path of Allah) meaning, His Laws which He enjoins.
الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاٌّرْضِ
(to Whom belongs all that is in the heavens and all that is on the earth.) means, their Lord and Sovereign, the One Who is controlling and ruling them, Whose decree cannot be overturned.
أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الاٍّمُورُ
(Verily, all matters at the end go to Allah.) means, all matters come back to Him and He issues judgement concerning them. Glorified and exalted be He far above all that the evildoers and deniers say. This is the end of the Tafsir of Surat Ash-Shura
And it is not possible for any human that God should speak to him except that He should reveal to him by revelation in sleep or by inspiration or except from behind a veil where He makes the person able to hear His speech but without seeing Him — as was the case with Moses peace be upon him; or except that He should send a messenger an angel such as Gabriel and he the messenger then reveals to the person to whom he has been sent that is to say and then he speaks to him with His permission that is God’s whatever He God will. Truly He is Exalted above the attributes of created beings Wise in His actions.
وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه الله إلا وحيًا يوحيه الله إليه، أو يكلمه من وراء حجاب، كما كلَّم سبحانه موسى عليه السلام، أو يرسل رسولا كما ينزل جبريل عليه السلام إلى المرسل إليه، فيوحي بإذن ربه لا بمجرد هواه ما يشاء الله إيحاءه، إنه تعالى عليٌّ بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قد قهر كل شيء ودانت له المخلوقات، حكيم في تدبير أمور خلقه. وفي الآية إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظيم سلطانه.
هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل وهو أنه تبارك وتعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها أجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وقوله تعالى "أو من وراء حجاب" كما كلم موسى عليه الصلاة والسلام فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبدالله رضي الله عنهما "ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا" كذا جاء الحديث وكان قد قتل يوم أحد ولكن هذا في عالم البرزخ والآية إنما هي في الدار الدنيا وقوله عز وجل "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام "إنه علي حكيم" فهو علي عليم خبير حكيم.
ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - للمختارين من عباده فقال : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ . . ) .فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه :الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإِعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإِلقاء فى القلب يقظة أو مناما ، ويشمل الإِلهام والرؤيا المنامية .والوحى مصدر أوحى ، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإِلهية .والثانى : عن طريق الإِسماع من وراء حجاب ، أى حاجز ، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه ، كما حدث لموسى . عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل - ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى - : ( أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ) .والثالث : عن طريق إرسال ملك ، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له ، وهو المقصود بقوله - تعالى - ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ) .وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإِمام البخارى " عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث بن هشام ، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - " وهو أشد على - أى : أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض - فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكملنى فأعى ما يقول .قالت عائشة : ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا .والمعنى : وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحيا إليه ، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه .وقوله - تعالى - ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) تعليل لما قبله ، أى : إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيا يوحي الله إليه كيف شاء, أو إلهاما (1) وإما غيره ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه, كما كلم موسى نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا إما جبرائيل, وإما غيره ( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء, يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي, وغير ذلك من الرسالة والوحي.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله عز وجل: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا ) يوحي إليه ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) موسى كلمه الله من وراء حجاب,( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) قال: جبرائيل يأتي بالوحي.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) فيوحي, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فَيُوحِيَ ) بنصب الياء عطفا على ( يُرْسِلَ ), ونصبوا( يُرْسِلَ ) عطفا بها على موضع الوحي, ومعناه, لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. وقرأ ذلك نافع المدني" فَيُوحِي" بإرسال الياء بمعنى الرفع عطفا به على ( يُرْسِلَ ), وبرفع ( يُرْسِلُ ) على الابتداء.وقوله: ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) يقول تعالى ذكره إنه يعني نفسه جلّ ثناؤه: ذو علو على كل شيء وارتفاع عليه, واقتدار. حكيم: يقول: ذو حكمة في تدبيره خلقه.------------------------الهوامش:(1) كذا في الخط ، ولعله إما إلقاء أو إلهاما الخ .
قوله عز وجل : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) وذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ؟ فقال : لم ينظر موسى إلى الله - عز وجل - فأنزل الله تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " يوحي إليه في المنام أو بالإلهام ، ( أو من وراء حجاب ) يسمعه كلامه ولا يراه ، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام . ( أو يرسل رسولا ) إما جبريل أو غيره من الملائكة ، ( فيوحي بإذنه ما يشاء ) أي : يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء .قرأ نافع : " أو يرسل " برفع اللام على الابتداء ، " فيوحي " ساكنة الياء ، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا . ( إنه علي حكيم ) .
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)عطف على ما سبق من حكاية ترّهاتهم عطفَ القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شُبَه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى : { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } [ الشورى : 3 ] ، وقوله تعالى : { كَبُر على المشركين ما تدعُوهم إليه } [ الشورى : 13 ] ، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم ، ويزيده وضوحاً قوله عقبه { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [ الشورى : 52 ] . وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحياً من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلاً من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى : { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً } [ الفرقان : 7 ] وقال { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } إلى أن قال : { ولن نؤمن لِرُقيّكَ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } [ الإسراء : 90 93 ] .وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل ردّ العجز على الصدر . فبيَّن الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب ، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعاً مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي { وما كان لبشر أن يكلمه الله } أي لم يتهيّأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة .ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول ، بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلاّ بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم ، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلاّ بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله : { أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } فإن الرسول يكون مَلَكاً وهو الذي يبلّغ الوحي إلى الرسُل والأنبياء .وخطاب الله الرسل والأنبياءَ قد يكون لقصد إبلاغهم أمراً يصلحهم نحو قوله تعالى : { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } [ المزمل : 1 ، 2 ] ، وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة ، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان .والاستثناء في قوله : { إلا وحياً } استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دلّ عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو { ما كان لبشر أن يكلمه الله } .فانتصاب { وحياً } على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء ، والتقدير : إلا كلاماً وحياً أي موحًى به كما تقول : لا أكلمه إلاّ جهراً ، أو إلا إخفاتاً ، لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام .والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يَرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه المَلَكُ عن الله تعالى ، أو بعلم يُلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه .وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضُه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى ، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام ، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم ، فإطلاق فعل { يكلمه } على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه .وإسناد فعل { يكلمه } إلى الله إسناد مجازي عقلي . وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلاً .وأصل الوحي : الإشارة الخفيّة ، ومنه { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشياً } [ مريم : 11 ] . ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص: ... وأوحى إليَّ الله أنْ قد تآمَرُوابِإبْللِ أبي أوْفَى فقُمْتُ على رِجْلِ ... وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين . ومِن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله : { وأوحى ربُّك إلى النحل } [ النحل : 68 ] . فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت «فعَلمْتُ أنه يُوحَى إليه ثم سُرِّي عنه» فقرأ { غير أولي الضرر } [ النساء : 95 ] ، ولم يقل فنزل إليه جبريل .والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله : { أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } . والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروري ، وحجة للأمة لمكان العِصمة من وسوسة الشيطان ، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمرُ بن الخطاب " قال ابن وهب : محدَّثون : مُلْهَمُون .ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي ، وهي ليست بكلام يلقَى إليهم ، ففي الحديث " إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرّة ذاتتِ نخل فوقع في وَهْلِي أنها اليمامة أو هَجر فإذا هي طابة " .وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث " رأيتُ بَقَراً تُذبح ورأيتُ والله خير " في رواية رفع اسم الجلالة ، أي رأيت هذه الكلمة ، وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقرَ التي تذبح بما أصاب المسلمين يومَ أحد ، وأمّا «والله خير» فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير .ومن الإلهام مَرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوءة .وليس الإلهام بحجة في الدّين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوماً من وسوسة الشيطان . وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصّتهم ويدَّعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على «المفتاح» " إني قد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوَهَم من الأوهام " إلى أن قال " ما أورثني التجافي عن دار الغرور " . ومنه ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفساً لن تموت حتّى تستوفيَ أجلها ورزقَها " على أحد تفسيرين فيه ، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جَرَتْ على غير الألفاظ التي يُحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام .والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاماً في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله : { أو من وراء حجاب } .والمعنى : أو محجوباً المخاطَب بالفتح عن رؤية مصدر الكلام ، فالكلام كأنه من وراء حجاب ، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة ، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاهُ حيّة ثم عَوْدِها إلى حالتها الأولى ، وبخروج يده من جَيْبه بيضاء ، كما قال تعالى : { آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهَبْ إلى فرعون إنه طغى } [ طه : 22 ، 24 ] . ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله .واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي } [ الأعراف : 144 ] وليس الوحي إلى موسى منحصراً في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، فقد جاء في حديث الإسراء : أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى :« أتممتُ فريضتي وخففت عن عبادي » .وأشارت إليه سورة النجم ( 6 ، 12 ) بقوله تعالى : { فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفَتُمَارونه على ما يَرى } والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي ، وهو الظاهر لأن فضل محمد على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعاً .النوع الثالث : أن يرسل الله الملَك إلى النبي فيبلغ إليه كلاماً يسمعه النبي ويعيه ، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى ، قال تعالى في ذكر زكرياء { فنادته الملائكة وهو قائم يصلِّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } [ آل عمران : 39 ] ، وقال في إبراهيم { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا } [ الصافات : 104 ، 105 ] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله « كيف يأتيك الوحي؟ فقال : أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجَرَس وهو أشدُّه عليّ فيفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيت عنه أي عن جبريل ما قال ، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول » .فالرسول في قوله تعالى : { أو يرسل رسولاً } : هو الملَك جبريل أو غيره ، وقوله : { فيوحي بإذنه ما يشاء } سمّى هذا الكلام وحياً على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحَى عَلَّمه شديدُ القُوَى } [ النجم : 3 5 ] وهو غير المراد من قوله : { إلا وحياً } بقرينة التقسيم والمقابلة .ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولاً في قوله : { إلا وحياً } وجيء بما يشبه الجملة ثانياً وهو قوله : { من وراء الحجاب } ، وجيء بالجملة الفعلية ثالثاً بقوله : { يرسل رسولاً } . وقرأ نافع { أو يرسلُ } برفع { يرسلُ } على الخبرية ، والتقدير : أو هو مرسل رسولاً . وقرأ { فيوحي } بسكون الياء بعد كسرة الحاء . وقرأ الباقون { أو يرسل } بنصب الفعل على تقدير ( أنْ ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر ، فاحتاج إلى تقدير حرف السبك . وقرأوا { فيوحي } بفتحة على الياء عطفاً على { يرسل } .ومَا صْدَقُ { ما يشاء } كلام ، أي فيوحي كلاماً يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة ل ( كلاماً ) المستثنى المحذوف ، والرابط هو { ما يشاء } لأنه في معنى : كلاماً ، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو { الحاقة ما الحاقّة } [ الحاقة : 1 ، 2 ] . والتقدير : أوْ إلاَّ كلاماً موصوفاً بأن الله يرسل رسولاً فيوحي بإذنه كلاماً يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية .والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده . وذكرُ النوعين : الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع إليها إلى الله أو إسنادُه إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى : { حتى يسمَع كَلام الله } [ التوبة : 6 ] وقوله : { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي } [ الأعراف : 144 ] وقوله : { وكلّم الله موسى تكليماً } [ النساء : 164 ] يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده الله إيجاداً بخرق العادة ليكون بذلك دليلاً على أن مدلول ألفاظِه مراد لله تعالى ومقصود له كما سمّي الروح الذي تكوّن به عيسى روحَ الله لأنه تكوَّن على سبيل خرق العادة ، فالله خلقَ الكلام الذي يدلّ على مراده خلقاً غير جارٍ على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجاداً غيرَ متولّد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية .واعلم أن حقيقة الإلهية لا تقتضي لِذاتها أن يكون الله متكلماً كما تقتضي أنه واحد حيّ عالم قدير مُريد ، ومن حاول جَعل صفة الكلام من مقتضى الإلهية على تنظير الإله بالملك بناء على أن المُلك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد المَلِك منهم ، فقد جاء بحجة خَطابية ، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله هو وضع الشرائع الإلهية ، أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم ، من يوم نَهي آدمَ عن الأكل من الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلَّغ أهله أمر الله ونهيه . فتعين الإيمان بأن الله آمر ونَاهٍ وواعدٌ ومُوعِد ، ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه ، وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يُلقى إليهم ويفهمونه وهو غير متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف .ولمّا لم يَرد في الكتاب والسنة وصفُ الله بأنه متكلّم ولا إثبات صفةٍ له تسمَّى الكلام ، ولم تقتض ذلك حقيقة الإلهية ما كان ثمّة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل من الخَلَف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا : إن الله متكلم وإن له صفةً تسمَّى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمرُ المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن وأنكروا صفات المعاني تورّعاً وتخلّصاً من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع ، وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها ، خلافاً لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية ، وقد حكى فخر الدين في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم .وقصارى ما ورد في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه ، وذلك لا يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى ، فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح لأجل قوله تعالى : { ونفخت فيه من روحي } [ الحجر : 29 ] ، فالذي حدا مُثْبِتي صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصّوا هذا التعلق باسم خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر .هذا ، واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها ، فذهب السلف إلى أنها صفة قديمة كسائر صفات الله . فإذا سُئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام : أقديمة هي أم حادثة؟ قالوا : قديمة ، وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ولا أحسبهم إلاّ أنهم تحاشَوْا عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدّي ذلك دهماءَ الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله ، أو يؤدّي إلى إبطال أن القرآن كلام الله ، لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم : كلام الله ، دقيق جداً يحتاج مُدرِكُه إلى شحْذ ذهنه بقواعد العلوم ، والعامة على بَوْن من ذلك . واشتهر من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن . وكان فقهاء المالكية في زمن العُبيديين ملتزمين هذه الطريقة . وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة» : «وإن القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق فيبيدَ ولا صفةٍ لمخلوق فينفد» . وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة سوسة هذه العبارة : «القُرآنُ كلامُ الله وليس بمخلوق» وهي ماثلة إلى الآن .قال فخر الدين : واتفق أني قلت يوماً لبعض الحنابلة : لو تكلم الله بهذه الحروف؛ إمّا أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب ، والأول باطل لأن التكلّم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظمَ المركب على التعاقب والتوالي ، والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة ، فلما سمع مني هذا الكلام قال : «الواجبُ علينا أن نُقِرّ ونَمُرَّ» يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمُرّ على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال : فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل .ومن الغريب جداً ما يُعزى إلى محمد بن كَرَّام وأصحابه الكَرَّامية من القول بأن كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى ، وقالوا : لا يلزم أن كل صفة لله قديمة ، ونُسب مثل هذا إلى الحشوية ، وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام ، والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافتِه إليه وقالوا : إن اشتقاق الوصف لاَ يستلزم قيام المصدر بالموصوف ، وتلك طريقتهم في صفات المعاني كلها ، وزادوا فقالوا : معنى كونه متكلماً أنه خَالق الكلام .وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول : إنه كلام الله المركب من حروف وأصوات ، المتلوّ بألسنتنا ، المكتوب في مصاحفنا ، إنه حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من الحروف والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد . وتقريب ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دَال على مراد الله تعالى وأن مراد الله صفة لله .قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ : إن كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا ، محفوظ في قلوبنا ، مسموع بآذاننا ، مكتوب في مصاحفنا غيرُ حالَ في شيء من ذلك ، كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال في شيء من ذلك . والقراءةُ والقارىء مخلوقان ، كما أن العلم والمعرفة مخلوقان ، والمعلوم والمعروف قديمان اه . يعني أن الألفاظ المَقْروءة والمكتوبة دوالّ وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريداً لمدلولات تلك التراكيب هو وصف الله تعالى ليصحّ أن الله أراد من النّاس العمل بالمدلولات التي دلّت عليها تلك التراكيب . وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلوللِ كلاماً نفسيّاً وهو إرادة المعاني التي دلّ عليها الكلام اللفظي ، وقد استأنس لذلك بقول الأخطل: ... إن الكلامَ لَفي الفؤاد وإنّماجُعل اللّسان على الفؤاد دليلاً ... وأما أبو منصور الماتريدي فنَقل الفخر عنه كلاماً مزيجاً من كلام الأشعري وكلام المعتزلة ، والبعضُ نَقَل عنه مثلَ قول السلف . وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدّين أبَا حنيفة . وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة : الفقه الأكبر إن صحّ عزوُها إليه إذ كانت عبارةً يلوح عليها التضارب ولعله مقصود . وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق .وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول : إن ثبوت صفة الكلام لله هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى ، في الأزل وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله إنه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجوداً ، أو بإعدام شيء كان موجوداً ، أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع ، ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود ، لا يكرهه على ضد ذلك مُكره . فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه يأمر أو ينهَى أحداً لم يحُلْ حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين ، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى النّاس لم يكرهه مُكره على أن يأمرهم أو ينهاهم .وكما أن للإرادة تعلقاً صلاحياً أزليّاً وتعلّقاً تنجيزياً حادِثاً حين تتوجه الإرادة إلى إيجادٍ بواسطة القدرة .كذلك نجد لكلام الله تعلّقاً صلاحياً أزلياً وتعلّقاً تنجيزيّاً حينَ اقتضاء علم الله تَوجِيهَ أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده . فالكلام الذي ينطق به الرّسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو أثَر التعلق التنجيزي الحادث ، والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من النّاس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم . وفي «الرسالة الخاقانية» للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام الله تعلقاً تنجيزياً حادثاً ، وهذا من التحقيق بمكان .والتحقيق : أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك .وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علماً بمراد الله على كيفية لا نعلمها ، وعلماً بأن الله سخره إبلاغ مراده إلى النبي ، والمَلكُ يبلغ إلى النبي ما أُمر بتبليغه امتثالاً للأمر التسخيري ، بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن ، أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكرياء بقوله : { فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى } [ آل عمران : 39 ] . أو يخلقُ في سمع النبي كلاماً يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم ، فيوقن أنه من عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوّده بعد ذلك . وهذا مثل الكلام الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى : { أنْ يا موسى إنني أنا الله ربّ العالمين وأنْ ألْققِ عصاك } [ القصص : 30 ، 31 ] الآية ، فقرن خطابه الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليُوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله . أو يخلقُ في نفس النبي علماً قطعياً بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس المَلك في الحالة المذكورة أولاً .فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويَختص القرآن بمزية أن الله تعالى يخلق كلاماً يَعِيه المَلك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغير إلى محمد صلى الله عليه وسلموالقول في موقع جملة { إنه علي حكيم } كالقول في جملة { إنه عليم قدير } [ الشورى : 50 ] السابقة ، وإنما أوثر هنا صفة العلي الحكيم لمناسبتهما للغرض لأن العلوّ في صفة العليّ علوّ عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تَحْظَ من جانب القُدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة فاقتضى علوّه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء : استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن المناسبة بينهما . وأمّا وصف الحكيم فلأن معناه المُتقِن للصنع العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلاّ لحكمة إصلاحهم ونظام عالَمهم ، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقّي خطابه ، ووعيِه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقِّين .وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربّه } في سورة الأعراف ( 143 ) ، وعند قوله : { فأجِرْه حتىّ يسمعَ كلام الله } في سورة براءة ( 6 ) .
لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: { لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه.إما أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ وَحْيًا بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها.{ أَوْ } يكلمه منه شفاها، لكن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن.{ أَوْ } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، فـ { يُرْسِلَ رَسُولًا } كجبريل أو غيره من الملائكة.{ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إِنَّهُ } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع.
قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم .فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن موسى لن ينظر إليه فنزل قوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي . ( وحيا ) قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب . خذوا ما حل ودعوا ما حرم . أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا كإرساله جبريل عليه السلام . وقيل : إلا وحيا رؤيا يراها في منامه ، قاله محمد بن زهير . أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا قال زهير : هو جبريل عليه السلام . فيوحي بإذنه ما يشاء وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا . وهكذا كانت حال جبريل - عليه السلام - إذا نزل بالوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : نزل جبريل - عليه السلام - على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام . فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام . وقيل : إلا وحيا بإرسال جبريل أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا إلى الناس كافة . وقرأ الزهري وشيبة ونافع ( أو يرسل رسولا فيوحي ) برفع الفعلين . الباقون بنصبهما . فالرفع على الاستئناف ، [ ص: 51 ] أي : وهو يرسل . وقيل : ( يرسل ) بالرفع في موضع الحال ، والتقدير إلا موحيا أو مرسلا . ومن نصب عطفوه على محل الوحي ; لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل . ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة . ويكون في موضع الحال ، التقدير أو بأن يرسل رسولا . ولا يجوز أن يعطف ( أو يرسل ) بالنصب على ( أن يكلمه ) لفساد المعنى ; لأنه يصير : ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا ، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم .الثانية : احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث ، لأن المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه ، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب . قال ابن المنذر : واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا ، فقال الثوري : الرسول ليس بكلام . وقال الشافعي : لا يبين أن يحنث . وقال النخعي : والحكم في الكتاب يحنث . وقال مالك : يحنث في الكتاب والرسول . وقال مرة : الرسول أسهل من الكتاب . وقال أبو عبيد : الكلام سوى الخط والإشارة . وقال أبو ثور : لا يحنث في الكتاب . قال ابن المنذر : لا يحنث في الكتاب والرسول .قلت : وهو قول مالك . قال أبو عمر : ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا ، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك . وإن أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث .قلت : يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة ، للآية ، وهو قول مالك وابن الماجشون . وقد مضى في أول ( سورة مريم ) هذا المعنى عن علمائنا مستوفى ، والحمد لله .
In the present world, no human being can directly talk to God. Man’s humble position is the hindrance to such dialogue. Therefore the revelation of God’s words to the prophets was made in an indirect manner. There are many methods of indirect revelation. Examples of these are found in the lives of the various prophets. When a scholar writes a book or a thinker delivers his discourse, he has a scholastic background which may account or offer an explanation for his later successful academic or intellectual achievement. But the case of the prophet is entirely different. A prophet’s life after attaining prophethood is entirely different from what it was before that event. The present work of a common man appears to be a continuation of or stems from his past life. But, in the case of a prophet, his utterances after the attainment of prophethood are so distinct from those of the earlier period, prior to prophethood, that they cannot be accounted for or explained on the basis of his past. This is a clear indication that a prophet’s words are, in reality, divine in origin and not an ordinary human discourse. What is special about the Prophet Muhammad is that the Quran (the divine message) conveyed by him and his own personal utterances have both been preserved and still exist in their original form. If one who knows Arabic makes a comparative study of both, he will find an obvious difference between these two. The language of the Hadith (sayings of the Prophet) is clearly that of Muhammad ibn ‘Abdullah, while the language of the Quran is clearly that of God.
Commentary
The first of the above verses (51) was revealed in response to a hostile Jewish demand. As mentioned by Baghawl, Qurtubi and others, the Jews asked the Holy Prophet ﷺ ، "How can we believe in you while you neither see Allah Ta’ ala, nor do you speak to Him face to face, as Sayyidna Musa (علیہ السلام) used to see and converse with Allah Ta’ ala?"
The Holy Prophet ﷺ told the Jews that it is wrong to say that Sayyidna Musa (علیہ السلام) has seen Allah Ta’ ala. Then this verse was revealed to announce that it is not possible for any human being to converse with Allah Ta'ala face to face in this world. Sayyidna Musa (علیہ السلام) also did not hear Allah Ta'ala face to face, but only heard the voice from behind a curtain.
This verse also tells us that there are only three ways in which Allah Ta'ala speaks to a human being. One is ` wahy' which is infusion of something in the heart. It can happen while one is awake, and it can also happen during sleep in the form of a dream as stated in many ahadith that the Holy Prophet ﷺ said, اُلقِیَ فی روعی (This has been infused in my heart. And the dreams of the prophets (علیہم السلام) are also a form of wahy, because Shaitan cannot find his way in them. In case of dreams, the words do not usually come from Allah Ta’ ala; only the subject matter is infused in the mind which is then rendered by the prophets in their own words.
The second way in which Allah may address a person, as mentioned in the above verses, is that Allah speaks from behind a curtain, as happened to Sayyidna Musa (علیہ السلام) on Mount Tur, where he heard the speech of Allah Ta’ ala, but did not see Him. Therefore he asked Allah Ta'ala to show Himself. The reply was in negative, as mentioned by the Holy Qur'an in surah A'raf (7:143).
And this curtain which prevents man from seeing Allah Ta'ala is not something which can hide Allah Ta’ ala, because nothing can hide His All-Pervasive Light. Rather, it is the weakness of man's vision that becomes a curtain against seeing Allah. That is why when his vision would be strengthened in Paradise, every dweller of Heaven will be favoured with ability to see Allah Ta’ ala, as per the creed of Ahl-us-Sunnah wal-Jama` ah in accordance with the explanations of correct ahadith.
This rule that no one can converse face to face with Allah Ta’ ala, without any curtain in-between, pertains to this world. The specific mention of ` human being' in this verse is because the intention here is to address mankind. Otherwise, apparently Allah Ta'ala does not speak face to face even with the angels, as stated by Sayyidna Jibra'i1 (علیہ السلام) in a narration of Tirmidhi, "I had become very close, and yet there were seventy-thousand more curtains." And if the face to face conversation of the Holy Prophet ﷺ with Allah Ta'ala during the Night of Ascension (Lailat-ul-mi` raj) is proved, as stated by certain learned persons, it would not negate this rule, because that conversation did not take place in this world, but in the Heavens. (Allah knows best).
The third method is mentioned in the verse as أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا "that He sends a messenger" (42:51). The messenger could be Jibra'il (علیہ السلام) or any other angel who may carry Allah Ta’ ala's message, and read it out to the prophet. And this has been the most common way. The whole of Glorious Qur'an has been revealed in this fashion through angels. It should be noted that the word ` wahy' has been explained above to mean infusion in mind or heart only, but this word is often used for all kinds of Divine discourses also, as narrated in a lengthy hadith of Bukhari where the message sent through an angel has also been termed as one kind of ` wahy'. And there are two forms in which the angel carries the message. Sometimes he appears in his original form, and sometimes in the human form. (Allah knows best).
(And it was not (vouchsafed)) it was not permissible (to any mortal that Allah should speak to him) directly without a veil (unless (it be) by revelation) in dream (or from behind a veil) as when He spoke with Moses (pbuh) (or (that) He sendeth a messenger) i.e. Gabriel, such as when He sent him to the Prophet Muhammad (pbuh) (to reveal what He will) of commands and prohibitions (by His leave) by His command. (Lo! He is Exalted) more exalted than all created beings, (Wise) in His command and decree.
How the Revelation comes down
This refers to how Allah sends revelation. Sometimes He casts something into the heart of the Prophet , and he has no doubt that it is from Allah, as it was reported in Sahih Ibn Hibban that the Messenger of Allah ﷺ said:
«إِنَّ رُوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتْى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَب»
(Ar-Ruh Al-Qudus i.e., Jibril breathed into my heart that no soul will die until its allotted provision and time have expired, so have Taqwa of Allah and keep seeking in a good (and lawful) way.)
أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ
(or from behind a veil) -- as He spoke to Musa, peace be upon him. He asked to see Him after He had spoken to him, but this was not granted to him. In the Sahih, it recorded that the Messenger of Allah ﷺ said to Jabir bin `Abdullah, may Allah be pleased with him:
«مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا»
(Allah never speaks to anyone except from behind a veil, but He spoke to your father directly.) This is how it was stated in the Hadith. He Jabir's father was killed on the day of Uhud, but this refers to the realm of Al-Barzakh, whereas the Ayah speaks of this earthly realm.
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ
(or (that) He sends a Messenger to reveal what He wills by His leave.) as Jibril, peace be upon him, and other angels came down to the Prophets, peace be upon them.
إِنَّهُ عَلِىٌّ حَكِيمٌ
(Verily, He is Most High, Most Wise.) He is Most High, All-Knowing, Most Wise.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا
(And thus We have sent to you Ruh of Our command.) means, the Qur'an.
مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكِتَـبُ وَلاَ الإِيمَـنُ
(You knew not what is the Book, nor what is Faith.) means, `in the details which were given to you in the Qur'an.'
وَلَـكِن جَعَلْنَـهُ
(But We have made it) means, the Qur'an,
نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا
(a light wherewith We guide whosoever of Our servants We will. ) This is like the Ayah:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِى ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
(Say: "It is for those who believe, a guide and a healing. And as for those who disbelieve, there is heaviness (deafness) in their ears, and it (the Qur'an) is blindness for them.") (41:44).
وَأَنَّكَ
(And verily, you) means, `O Muhammad,'
لَتَهْدِى إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ
(are indeed guiding to a straight path.) means, the correct behavior. Then Allah explains this further by saying:
صِرَطِ اللَّهِ
(The path of Allah) meaning, His Laws which He enjoins.
الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَـوَتِ وَمَا فِى الاٌّرْضِ
(to Whom belongs all that is in the heavens and all that is on the earth.) means, their Lord and Sovereign, the One Who is controlling and ruling them, Whose decree cannot be overturned.
أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الاٍّمُورُ
(Verily, all matters at the end go to Allah.) means, all matters come back to Him and He issues judgement concerning them. Glorified and exalted be He far above all that the evildoers and deniers say. This is the end of the Tafsir of Surat Ash-Shura
And it is not possible for any human that God should speak to him except that He should reveal to him by revelation in sleep or by inspiration or except from behind a veil where He makes the person able to hear His speech but without seeing Him — as was the case with Moses peace be upon him; or except that He should send a messenger an angel such as Gabriel and he the messenger then reveals to the person to whom he has been sent that is to say and then he speaks to him with His permission that is God’s whatever He God will. Truly He is Exalted above the attributes of created beings Wise in His actions.
وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه الله إلا وحيًا يوحيه الله إليه، أو يكلمه من وراء حجاب، كما كلَّم سبحانه موسى عليه السلام، أو يرسل رسولا كما ينزل جبريل عليه السلام إلى المرسل إليه، فيوحي بإذن ربه لا بمجرد هواه ما يشاء الله إيحاءه، إنه تعالى عليٌّ بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، قد قهر كل شيء ودانت له المخلوقات، حكيم في تدبير أمور خلقه. وفي الآية إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظيم سلطانه.
هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل وهو أنه تبارك وتعالى تارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها أجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وقوله تعالى "أو من وراء حجاب" كما كلم موسى عليه الصلاة والسلام فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبدالله رضي الله عنهما "ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا" كذا جاء الحديث وكان قد قتل يوم أحد ولكن هذا في عالم البرزخ والآية إنما هي في الدار الدنيا وقوله عز وجل "أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء" كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام "إنه علي حكيم" فهو علي عليم خبير حكيم.
ثم بين - سبحانه - الطرق التى بها يقع التكليم منه - تعالى - للمختارين من عباده فقال : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ . . ) .فهذه الآية الكريمة قد دلت على أن تكليم الله - تعالى - للبشر وقع على ثلاثة أوجه :الأول : عن طريق الوحى ، وهو الإِعلام فى خفاء وسرعة عن طريق الإِلقاء فى القلب يقظة أو مناما ، ويشمل الإِلهام والرؤيا المنامية .والوحى مصدر أوحى ، وقد غلب استعماله فيما يلقى للمصطفين الأخيار من الكلمات الإِلهية .والثانى : عن طريق الإِسماع من وراء حجاب ، أى حاجز ، بأن يسمع النبى كلاما دون أن يرى من يكلمه ، كما حدث لموسى . عليه السلام - عندما كلمه ربه - عز وجل - ، وهذا الطريق هو المقصود بقوله - تعالى - : ( أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ) .والثالث : عن طريق إرسال ملك ، وظيفته أن يبلغ الرسول ما أمره الله بتبليغه له ، وهو المقصود بقوله - تعالى - ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ) .وهذا الطريق الثالث قد وضحه الحديث الذى رواه الإِمام البخارى " عن عائشة - رضى الله عنها - أن الحارث بن هشام ، سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحى؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس - " وهو أشد على - أى : أحيانا يأتينى مشابها صوته وقوع الحديد بعضه على بعض - فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكملنى فأعى ما يقول .قالت عائشة : ولقد رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد ، فيصم عنه ، وإن جبينه ليتفصد عرقا .والمعنى : وما صح وما استقام لبشر أن يكلمه الله - تعالى - فى من حال الأحوال إلا موحيا إليه ، أو مسمعا أياه ما يريد إسماعه له من وراء حجاب أو يرسل إليه ملكا ليبلغه ما يريده - سبحانه - منه .وقوله - تعالى - ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) تعليل لما قبله ، أى : إنه - سبحانه - متعال عن صفات النقص ، حكيم فى كل أقواله وأفعاله .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه إلا وحيا يوحي الله إليه كيف شاء, أو إلهاما (1) وإما غيره ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) يقول: أو يكلمه بحيث يسمع كلامه ولا يراه, كما كلم موسى نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا إما جبرائيل, وإما غيره ( فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) يقول: فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن ربه ما يشاء, يعني: ما يشاء ربه أن يوحيه إليه من أمر ونهي, وغير ذلك من الرسالة والوحي.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله عز وجل: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا ) يوحي إليه ( أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ) موسى كلمه الله من وراء حجاب,( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ) قال: جبرائيل يأتي بالوحي.واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ) فيوحي, فقرأته عامة قرّاء الأمصار ( فَيُوحِيَ ) بنصب الياء عطفا على ( يُرْسِلَ ), ونصبوا( يُرْسِلَ ) عطفا بها على موضع الوحي, ومعناه, لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء. وقرأ ذلك نافع المدني" فَيُوحِي" بإرسال الياء بمعنى الرفع عطفا به على ( يُرْسِلَ ), وبرفع ( يُرْسِلُ ) على الابتداء.وقوله: ( إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) يقول تعالى ذكره إنه يعني نفسه جلّ ثناؤه: ذو علو على كل شيء وارتفاع عليه, واقتدار. حكيم: يقول: ذو حكمة في تدبيره خلقه.------------------------الهوامش:(1) كذا في الخط ، ولعله إما إلقاء أو إلهاما الخ .
قوله عز وجل : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ) وذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ؟ فقال : لم ينظر موسى إلى الله - عز وجل - فأنزل الله تعالى : " وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " يوحي إليه في المنام أو بالإلهام ، ( أو من وراء حجاب ) يسمعه كلامه ولا يراه ، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام . ( أو يرسل رسولا ) إما جبريل أو غيره من الملائكة ، ( فيوحي بإذنه ما يشاء ) أي : يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء .قرأ نافع : " أو يرسل " برفع اللام على الابتداء ، " فيوحي " ساكنة الياء ، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفا على محل الوحي لأن معناه : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا . ( إنه علي حكيم ) .
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)عطف على ما سبق من حكاية ترّهاتهم عطفَ القصة على القصة وهو عود إلى إبطال شُبَه المشركين التي أشار إليها قوله تعالى : { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم } [ الشورى : 3 ] ، وقوله تعالى : { كَبُر على المشركين ما تدعُوهم إليه } [ الشورى : 13 ] ، وقد أشرنا إلى تفصيل ذلك فيما تقدم ، ويزيده وضوحاً قوله عقبه { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [ الشورى : 52 ] . وهذه الآية تبطل الشبهة الثانية فيما عددناه من شبهاتهم في كون القرآن وحياً من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم إذ زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان مرسلاً من الله لكانت معه ملائكة تصدق قوله أو لأنزل عليه كتاب جاهز من السماء يشاهدون نزوله قال تعالى : { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه مَلَك فيكون معه نذيراً } [ الفرقان : 7 ] وقال { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } إلى أن قال : { ولن نؤمن لِرُقيّكَ حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } [ الإسراء : 90 93 ] .وإذ قد كان أهم غرض هذه السورة إثبات كون القرآن وحيا من الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحي من قبله للرسل كان العود إلى ذلك من قبيل ردّ العجز على الصدر . فبيَّن الله للمكذبين أن سنة الله في خطاب رسله لا تعدو ثلاثة أنحاء من الخطاب ، منها ما جاء به القرآن فلم يكن ذلك بدعاً مما جاءت به الرسل الأولون وما كان الله ليخاطب رسله على الأنحاء التي اقترحها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم فجيء بصيغة حصر مفتتحة بصيغة الجحود المفيدة مبالغة النفي وهي { وما كان لبشر أن يكلمه الله } أي لم يتهيّأ لأحد من الرسل أن يأتيه خطاب من الله بنوع من هذه الثلاثة .ودل ذلك على انتفاء أن يكون إبلاغ مراد الله تعالى لأمم الرسل بغير أحد هذه الأنواع الثلاثة أعني خصوص نوع إرسال رسول ، بدلالة فحوى الخطاب فإنه إذا كان الرسل لا يخاطبهم الله إلاّ بأحد هذه الأنحاء الثلاثة فالأمم أولى بأن لا يخاطبوا بغير ذلك من نحو ما سأله المشركون من رؤية الله يخاطبهم ، أو مجيء الملائكة إليهم بل لا يتوجه إليهم خطاب الله إلاّ بواسطة رسول منهم يتلقى كلام الله بنحو من الأنحاء الثلاثة وهو مما يدخل في قوله : { أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } فإن الرسول يكون مَلَكاً وهو الذي يبلّغ الوحي إلى الرسُل والأنبياء .وخطاب الله الرسل والأنبياءَ قد يكون لقصد إبلاغهم أمراً يصلحهم نحو قوله تعالى : { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } [ المزمل : 1 ، 2 ] ، وقد يكون لإبلاغهم شرائع للأمم مثل معظم القرآن والتوراة ، أو إبلاغهم مواعظ لهم مثل الزبور ومجلة لقمان .والاستثناء في قوله : { إلا وحياً } استثناء من عموم أنواع المتكلم التي دلّ عليها الفعل الواقع في سياق النفي وهو { ما كان لبشر أن يكلمه الله } .فانتصاب { وحياً } على الصفة لمصدر محذوف دل عليه الاستثناء ، والتقدير : إلا كلاماً وحياً أي موحًى به كما تقول : لا أكلمه إلاّ جهراً ، أو إلا إخفاتاً ، لأن الجهر والإخفات صفتان للكلام .والمراد بالتكلم بلوغ مراد الله إلى النبي سواء كان ذلك البلوغ بكلام يسمعه ولا يَرى مصدره أو بكلام يبلغه إليه المَلَكُ عن الله تعالى ، أو بعلم يُلقى في نفس النبي يوقن بأنه مراد الله بعلم ضروري يجعله الله في نفسه .وإطلاق الكلام على هذه الثلاثة الأنواع : بعضُه حقيقة مثل ما يسمعه النبي كما سمع موسى ، وبعضه مجاز قريب من الحقيقة وهو ما يبلغه إلى النبي فإنه رسالة بكلام ، وبعضه مجاز محض وهو ما يلقى في قلب النبي مع العلم ، فإطلاق فعل { يكلمه } على جميعها من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه على طريقة استعمال المشترك في معانيه .وإسناد فعل { يكلمه } إلى الله إسناد مجازي عقلي . وبهذا الاعتبار صار استثناء الكلام الموصوف بأنه وحي استثناء متصلاً .وأصل الوحي : الإشارة الخفيّة ، ومنه { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرةً وعشياً } [ مريم : 11 ] . ويطلق على ما يجده المرء في نفسه دفعة كحصول معنى الكلام في نفس السامع قال عبيد بن الأبرص: ... وأوحى إليَّ الله أنْ قد تآمَرُوابِإبْللِ أبي أوْفَى فقُمْتُ على رِجْلِ ... وهذا الإطلاق هو المراد هنا بقرينة المقابلة بالنوعين الآخرين . ومِن هنا أطلق الوحي على ما فطر الله عليه الحيوان من الإلهام المتقن الدقيق كقوله : { وأوحى ربُّك إلى النحل } [ النحل : 68 ] . فالوحي بهذا المعنى نوع من أنواع إلقاء كلام الله إلى الأنبياء وهو النوع الأول في العدّ ، فأطلق الوحي على الكلام الذي يسمعه النبي بكيفية غير معتادة وهذا الإطلاق من مصطلح القرآن وهو الغالب في إطلاقات الكتاب والسنة ومنه قول زيد بن ثابت «فعَلمْتُ أنه يُوحَى إليه ثم سُرِّي عنه» فقرأ { غير أولي الضرر } [ النساء : 95 ] ، ولم يقل فنزل إليه جبريل .والوحي بهذا المعنى غير الوحي الذي سيجيء في قوله : { أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } . والمراد بالوحي هنا : إيقاع مراد الله في نفس النبي يحصل له به العلم بأنه من عند الله فهو حجة للنبيء لمكان العلم الضروري ، وحجة للأمة لمكان العِصمة من وسوسة الشيطان ، وقد يحصل لغير الأنبياء ولكنه غير مطرد ولا منضبط مع أنه واقع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعُمرُ بن الخطاب " قال ابن وهب : محدَّثون : مُلْهَمُون .ومن هذا الوحي مرائي الأنبياء فإنها وحي ، وهي ليست بكلام يلقَى إليهم ، ففي الحديث " إني رأيت دار هجرتكم وهي في حرّة ذاتتِ نخل فوقع في وَهْلِي أنها اليمامة أو هَجر فإذا هي طابة " .وقد تشتمل الرؤيا على إلهام وكلام مثل حديث " رأيتُ بَقَراً تُذبح ورأيتُ والله خير " في رواية رفع اسم الجلالة ، أي رأيت هذه الكلمة ، وقد أول النبي صلى الله عليه وسلم رؤياه البقرَ التي تذبح بما أصاب المسلمين يومَ أحد ، وأمّا «والله خير» فهو ما أتى الله به بعد ذلك من الخير .ومن الإلهام مَرائي الصالحين فإنها جزء من ستة وأربعين جُزءاً من النبوءة .وليس الإلهام بحجة في الدّين لأن غير المعصوم لا يوثق بصحة خواطره إذ ليس معصوماً من وسوسة الشيطان . وبعض أهل التصوف وحكماء الإشراق يأخذون به في خاصّتهم ويدَّعون أن أمارات تميز لهم بين صادق الخواطر وكاذبها ومنه قول قطب الدين الشيرازي في ديباجة شرحه على «المفتاح» " إني قد ألقي إليَّ على سبيل الإنذار من حضرة الملك الجبار بلسان الإلهام لا كوَهَم من الأوهام " إلى أن قال " ما أورثني التجافي عن دار الغرور " . ومنه ما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي أنَّ نفساً لن تموت حتّى تستوفيَ أجلها ورزقَها " على أحد تفسيرين فيه ، ولا ريب في أنه المراد هنا لأن ألفاظ هذا الحديث جَرَتْ على غير الألفاظ التي يُحكى بها نزول الوحي بواسطة كلام جبريل عليه السلام .والنوع الثاني : أن يكون الكلام من وراء حجاب يسمعه سامعه ولا يرى مصدره بأن يخلق الله كلاماً في شيء محجوب عن سامعه وهو ما وصف الله هنا بقوله : { أو من وراء حجاب } .والمعنى : أو محجوباً المخاطَب بالفتح عن رؤية مصدر الكلام ، فالكلام كأنه من وراء حجاب ، وهذا مثل تكليم الله تعالى موسى في البقعة المباركة من الشجرة ، ويحصل علم المخاطب بأن ذلك الكلام من عند الله أول مرة بآية يريه الله إياها يعلم أنها لا تكون إلا بتسخير الله كما علم موسى ذلك بانقلاب عصاهُ حيّة ثم عَوْدِها إلى حالتها الأولى ، وبخروج يده من جَيْبه بيضاء ، كما قال تعالى : { آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى اذهَبْ إلى فرعون إنه طغى } [ طه : 22 ، 24 ] . ثم يصير بعد ذلك عادة يعرف بها كلام الله .واختص بهذا النوع من الكلام في الرسل السابقين موسى عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى : { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي } [ الأعراف : 144 ] وليس الوحي إلى موسى منحصراً في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ، فقد جاء في حديث الإسراء : أن الله فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف الله منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى :« أتممتُ فريضتي وخففت عن عبادي » .وأشارت إليه سورة النجم ( 6 ، 12 ) بقوله تعالى : { فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلَّى فكان قابَ قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفَتُمَارونه على ما يَرى } والقول بأنه سمع كلام الله ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي ، وهو الظاهر لأن فضل محمد على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه الله من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعاً .النوع الثالث : أن يرسل الله الملَك إلى النبي فيبلغ إليه كلاماً يسمعه النبي ويعيه ، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام الله تعالى ، قال تعالى في ذكر زكرياء { فنادته الملائكة وهو قائم يصلِّي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى } [ آل عمران : 39 ] ، وقال في إبراهيم { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدّقتَ الرؤيا } [ الصافات : 104 ، 105 ] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى الله عليه وسلم للحارث بن هشام وقد سأل رسول الله « كيف يأتيك الوحي؟ فقال : أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجَرَس وهو أشدُّه عليّ فيفْصِمُ عنِّي وقد وَعَيت عنه أي عن جبريل ما قال ، وأحياناً يتمثّل لي الملَك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول » .فالرسول في قوله تعالى : { أو يرسل رسولاً } : هو الملَك جبريل أو غيره ، وقوله : { فيوحي بإذنه ما يشاء } سمّى هذا الكلام وحياً على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحَى عَلَّمه شديدُ القُوَى } [ النجم : 3 5 ] وهو غير المراد من قوله : { إلا وحياً } بقرينة التقسيم والمقابلة .ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم الله الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولاً في قوله : { إلا وحياً } وجيء بما يشبه الجملة ثانياً وهو قوله : { من وراء الحجاب } ، وجيء بالجملة الفعلية ثالثاً بقوله : { يرسل رسولاً } . وقرأ نافع { أو يرسلُ } برفع { يرسلُ } على الخبرية ، والتقدير : أو هو مرسل رسولاً . وقرأ { فيوحي } بسكون الياء بعد كسرة الحاء . وقرأ الباقون { أو يرسل } بنصب الفعل على تقدير ( أنْ ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر ، فاحتاج إلى تقدير حرف السبك . وقرأوا { فيوحي } بفتحة على الياء عطفاً على { يرسل } .ومَا صْدَقُ { ما يشاء } كلام ، أي فيوحي كلاماً يشاؤه الله فكانت هذه الجملة في معنى الصفة ل ( كلاماً ) المستثنى المحذوف ، والرابط هو { ما يشاء } لأنه في معنى : كلاماً ، فهو كربط الجملة بإعادة لفظ ما هي له أو بمرادفه نحو { الحاقة ما الحاقّة } [ الحاقة : 1 ، 2 ] . والتقدير : أوْ إلاَّ كلاماً موصوفاً بأن الله يرسل رسولاً فيوحي بإذنه كلاماً يشاؤه فإن الإرسال نوع من الكلام المراد في هذه الآية .والآية صريحة في أن هذه الأنواع الثلاثة أنواع لكلام الله الذي يخاطب به عباده . وذكرُ النوعين : الأول والثالث صريح في أن إضافة الكلام المنوع إليها إلى الله أو إسنادُه إليه حيثما وقع في ألفاظ الشريعة نحو قوله تعالى : { حتى يسمَع كَلام الله } [ التوبة : 6 ] وقوله : { قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي } [ الأعراف : 144 ] وقوله : { وكلّم الله موسى تكليماً } [ النساء : 164 ] يدل على أنه كلام له خصوصية هي أنه أوجده الله إيجاداً بخرق العادة ليكون بذلك دليلاً على أن مدلول ألفاظِه مراد لله تعالى ومقصود له كما سمّي الروح الذي تكوّن به عيسى روحَ الله لأنه تكوَّن على سبيل خرق العادة ، فالله خلقَ الكلام الذي يدلّ على مراده خلقاً غير جارٍ على سنة الله في تكوين الكلام ليعلم الناس أن الله أراد إعلامهم بأنه أراد مدلولات ذلك الكلام بآية أنه خرق فيه عادة إيجاد الكلام فكان إيجاداً غيرَ متولّد من علل وأسباب عادية فهو كإيجاد السماوات والأرض وإيجاد آدم في أنه غير متولد من علل وأسباب فطرية .واعلم أن حقيقة الإلهية لا تقتضي لِذاتها أن يكون الله متكلماً كما تقتضي أنه واحد حيّ عالم قدير مُريد ، ومن حاول جَعل صفة الكلام من مقتضى الإلهية على تنظير الإله بالملك بناء على أن المُلك يقتضي مخاطبة الرعايا بما يريد المَلِك منهم ، فقد جاء بحجة خَطابية ، بل الحق أن الذي اقتضى إثبات كلام الله هو وضع الشرائع الإلهية ، أي تعلق إرادة الله بإرشاد الناس إلى اجتناب ما يخل باستقامة شؤونهم بأمرهم ونهيهم وموعظتهم ووعدهم ووعيدهم ، من يوم نَهي آدمَ عن الأكل من الشجرة وتوعده بالشقاء إن أكل منها ثم من إرسال الرسل إلى الناس وتبليغهم إياهم أمر الله ونهيه بوضع الشرائع وذلك من عهد نوح بلا شك أو من عهد آدم إن قلنا إن آدم بلَّغ أهله أمر الله ونهيه . فتعين الإيمان بأن الله آمر ونَاهٍ وواعدٌ ومُوعِد ، ومخبر بواسطة رسله وأنبيائه ، وأن مراده ذلك أبلغه إلى الأنبياء بكلام يُلقى إليهم ويفهمونه وهو غير متعارف لهم قبل النبوءة وهو متفاوت الأنواع في مشابهة الكلام المتعارف .ولمّا لم يَرد في الكتاب والسنة وصفُ الله بأنه متكلّم ولا إثبات صفةٍ له تسمَّى الكلام ، ولم تقتض ذلك حقيقة الإلهية ما كان ثمّة داع إلى إثبات ذلك عند أهل التأويل من الخَلَف من أشعرية وماتريدية إذ قالوا : إن الله متكلم وإن له صفةً تسمَّى الكلام وبخاصة المعتزلة إذ قالوا إنه متكلم ونفوا صفة الكلام وأمرُ المعتزلة أعجب إذ أثبتوا الصفات المعنوية لأجل القواطع من آيات القرآن وأنكروا صفات المعاني تورّعاً وتخلّصاً من مشابهة القول بتعدد القدماء بلا داع ، وقد كان لهم في عدم إثبات صفة المتكلم مندوحة لانتفاء الداعي إلى إثباتها ، خلافاً لما دعا إلى إثبات غيرها من الصفات المعنوية ، وقد حكى فخر الدين في تفسير هذه السورة إجماع الأمة على أن الله تعالى متكلم .وقصارى ما ورد في القرآن إسناد فعل الكلام إلى الله أو إضافة مصدره إلى اسمه ، وذلك لا يوجب أن يشتق منه صفة لله تعالى ، فإنهم لم يقولوا لله صفة نافخ الأرواح لأجل قوله تعالى : { ونفخت فيه من روحي } [ الحجر : 29 ] ، فالذي حدا مُثْبِتي صفة الكلام لله هو قوة تعلق هذا الوصف بصفة العلم فخصّوا هذا التعلق باسم خاص وجعلوه صفة مستقلة مثل ما فعلوا في صفة السمع والبصر .هذا ، واعلم أن مثبتي صفة الكلام قد اختلفوا في حقيقتها ، فذهب السلف إلى أنها صفة قديمة كسائر صفات الله . فإذا سُئلوا عن الألفاظ التي هي الكلام : أقديمة هي أم حادثة؟ قالوا : قديمة ، وتعجب منهم فخر الدين الرازي ونبزهم ولا أحسبهم إلاّ أنهم تحاشَوْا عن التصريح بأنها حادثة لئلا يؤدّي ذلك دهماءَ الأمة إلى اعتقاد حدوث صفات الله ، أو يؤدّي إلى إبطال أن القرآن كلام الله ، لأن تبيان حقيقة معنى الإضافة في قولهم : كلام الله ، دقيق جداً يحتاج مُدرِكُه إلى شحْذ ذهنه بقواعد العلوم ، والعامة على بَوْن من ذلك . واشتهر من أهل هذه الطريقة أحمد بن حنبل رحمه الله زمن فتنة خلق القرآن . وكان فقهاء المالكية في زمن العُبيديين ملتزمين هذه الطريقة . وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة» : «وإن القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق فيبيدَ ولا صفةٍ لمخلوق فينفد» . وقد نقشوا على إسطوانة من أساطين الجامع بمدينة سوسة هذه العبارة : «القُرآنُ كلامُ الله وليس بمخلوق» وهي ماثلة إلى الآن .قال فخر الدين : واتفق أني قلت يوماً لبعض الحنابلة : لو تكلم الله بهذه الحروف؛ إمّا أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب ، والأول باطل لأن التكلّم بها دفعة واحدة لا يفيد هذا النظمَ المركب على التعاقب والتوالي ، والثاني باطل لأنه لو تكلم الله بها على التوالي كانت محدثة ، فلما سمع مني هذا الكلام قال : «الواجبُ علينا أن نُقِرّ ونَمُرَّ» يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمُرّ على هذا الكلام على وفق ما سمعناه قال : فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل .ومن الغريب جداً ما يُعزى إلى محمد بن كَرَّام وأصحابه الكَرَّامية من القول بأن كلام الله حروف وأصوات قائمة بذاته تعالى ، وقالوا : لا يلزم أن كل صفة لله قديمة ، ونُسب مثل هذا إلى الحشوية ، وأما المعتزلة فأثبتوا لله أنه متكلم ومنعوا أن تكون له صفة تسمى الكلام ، والذي دعاهم إلى ذلك هو الجمع بين ما شاع في القرآن والسنة وعند السلف من إسناد الكلام إلى الله وإضافتِه إليه وقالوا : إن اشتقاق الوصف لاَ يستلزم قيام المصدر بالموصوف ، وتلك طريقتهم في صفات المعاني كلها ، وزادوا فقالوا : معنى كونه متكلماً أنه خَالق الكلام .وأما الأشعري وأصحابه فلم يختلفوا في أن الكلام الذي نقول : إنه كلام الله المركب من حروف وأصوات ، المتلوّ بألسنتنا ، المكتوب في مصاحفنا ، إنه حادث وليس هو صفة الله تعالى وإنما صفة الله مدلول ذلك الكلام المركب من الحروف والأصوات من المعاني من أمر ونهي ووعد ووعيد . وتقريب ذلك عندي أن الكلام الحادث الذي خلقه الله دَال على مراد الله تعالى وأن مراد الله صفة لله .قال أبو بكر الباقلاني عن الشيخ : إن كلام الله الأزلي مقروء بألسنتنا ، محفوظ في قلوبنا ، مسموع بآذاننا ، مكتوب في مصاحفنا غيرُ حالَ في شيء من ذلك ، كما أن الله معلوم بقلوبنا مذكور بألسنتنا معبود في محاريبنا وهو غير حال في شيء من ذلك . والقراءةُ والقارىء مخلوقان ، كما أن العلم والمعرفة مخلوقان ، والمعلوم والمعروف قديمان اه . يعني أن الألفاظ المَقْروءة والمكتوبة دوالّ وهي مخلوقة والمدلول وهو كون الله مريداً لمدلولات تلك التراكيب هو وصف الله تعالى ليصحّ أن الله أراد من النّاس العمل بالمدلولات التي دلّت عليها تلك التراكيب . وقد اصطلح الأشعري على تسمية ذلك المدلوللِ كلاماً نفسيّاً وهو إرادة المعاني التي دلّ عليها الكلام اللفظي ، وقد استأنس لذلك بقول الأخطل: ... إن الكلامَ لَفي الفؤاد وإنّماجُعل اللّسان على الفؤاد دليلاً ... وأما أبو منصور الماتريدي فنَقل الفخر عنه كلاماً مزيجاً من كلام الأشعري وكلام المعتزلة ، والبعضُ نَقَل عنه مثلَ قول السلف . وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدّين أبَا حنيفة . وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة : الفقه الأكبر إن صحّ عزوُها إليه إذ كانت عبارةً يلوح عليها التضارب ولعله مقصود . وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق .وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول : إن ثبوت صفة الكلام لله هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى ، في الأزل وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة لله إنه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجوداً ، أو بإعدام شيء كان موجوداً ، أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع ، ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود ، لا يكرهه على ضد ذلك مُكره . فكذلك ثبوت الكلام لله معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه يأمر أو ينهَى أحداً لم يحُلْ حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين ، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى النّاس لم يكرهه مُكره على أن يأمرهم أو ينهاهم .وكما أن للإرادة تعلقاً صلاحياً أزليّاً وتعلّقاً تنجيزياً حادِثاً حين تتوجه الإرادة إلى إيجادٍ بواسطة القدرة .كذلك نجد لكلام الله تعلّقاً صلاحياً أزلياً وتعلّقاً تنجيزيّاً حينَ اقتضاء علم الله تَوجِيهَ أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده . فالكلام الذي ينطق به الرّسول وينسبه إلى الله تعالى هو حادث وهو أثَر التعلق التنجيزي الحادث ، والكلام الذي نعتقد أن الله أراده وأراد من النّاس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم . وفي «الرسالة الخاقانية» للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام الله تعلقاً تنجيزياً حادثاً ، وهذا من التحقيق بمكان .والتحقيق : أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك .وخلاصة معنى الآية أن الله قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علماً بمراد الله على كيفية لا نعلمها ، وعلماً بأن الله سخره إبلاغ مراده إلى النبي ، والمَلكُ يبلغ إلى النبي ما أُمر بتبليغه امتثالاً للأمر التسخيري ، بألفاظ معينة ألقاها الله في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن ، أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى الله عن زكرياء بقوله : { فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلِّي في المحراب أنَّ الله يبشرك بيحيى } [ آل عمران : 39 ] . أو يخلقُ في سمع النبي كلاماً يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم ، فيوقن أنه من عند الله بدلالة المعجزة أول مرة وبدلالة تعوّده بعد ذلك . وهذا مثل الكلام الذي كلم الله به موسى ألا ترى إلى قوله تعالى : { أنْ يا موسى إنني أنا الله ربّ العالمين وأنْ ألْققِ عصاك } [ القصص : 30 ، 31 ] الآية ، فقرن خطابه الخارق للعادة بالمعجزة الخارقة للعادة ليُوقن موسى أن ذلك كلام من عند الله . أو يخلقُ في نفس النبي علماً قطعياً بأن الله أراد منه كذا كما يخلق في نفس المَلك في الحالة المذكورة أولاً .فعلى هذه الكيفيات يأتي الوحي للأنبياء ويَختص القرآن بمزية أن الله تعالى يخلق كلاماً يَعِيه المَلك ويؤمر بإبلاغه بنصه دون تغير إلى محمد صلى الله عليه وسلموالقول في موقع جملة { إنه علي حكيم } كالقول في جملة { إنه عليم قدير } [ الشورى : 50 ] السابقة ، وإنما أوثر هنا صفة العلي الحكيم لمناسبتهما للغرض لأن العلوّ في صفة العليّ علوّ عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تَحْظَ من جانب القُدس بالتصفية فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة فاقتضى علوّه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض لأن ذلك كما يقول الحكماء : استفادة القابل من المبدإ تتوقف عن المناسبة بينهما . وأمّا وصف الحكيم فلأن معناه المُتقِن للصنع العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلاّ لحكمة إصلاحهم ونظام عالَمهم ، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقّي خطابه ، ووعيِه دون اختلال فيه ولا خروج عن طاقة المتلقِّين .وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربّه } في سورة الأعراف ( 143 ) ، وعند قوله : { فأجِرْه حتىّ يسمعَ كلام الله } في سورة براءة ( 6 ) .
لما قال المكذبون لرسل الله، الكافرون بالله: { لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } من كبرهم وتجبرهم، رد الله عليهم بهذه الآية الكريمة، وأن تكليمه تعالى لا يكون إلا لخواص خلقه، للأنبياء والمرسلين، وصفوته من العالمين، وأنه يكون على أحد هذه الأوجه.إما أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ وَحْيًا بأن يلقي الوحي في قلب الرسول، من غير إرسال ملك، ولا مخاطبة منه شفاها.{ أَوْ } يكلمه منه شفاها، لكن { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } كما حصل لموسى بن عمران، كليم الرحمن.{ أَوْ } يكلمه الله بواسطة الرسول الملكي، فـ { يُرْسِلَ رَسُولًا } كجبريل أو غيره من الملائكة.{ فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ } أي: بإذن ربه، لا بمجرد هواه، { إِنَّهُ } تعالى علي الذات، علي الأوصاف، عظيمها، علي الأفعال، قد قهر كل شيء، ودانت له المخلوقات. حكيم في وضعه كل شيء في موضعه، من المخلوقات والشرائع.
قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم .فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا سبب ذلك أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه ، فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن موسى لن ينظر إليه فنزل قوله : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ، ذكره النقاش والواحدي والثعلبي . ( وحيا ) قال مجاهد : نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاما ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب . خذوا ما حل ودعوا ما حرم . أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا كإرساله جبريل عليه السلام . وقيل : إلا وحيا رؤيا يراها في منامه ، قاله محمد بن زهير . أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا قال زهير : هو جبريل عليه السلام . فيوحي بإذنه ما يشاء وهذا الوحي من الرسل خطاب منهم للأنبياء يسمعونه نطقا ويرونه عيانا . وهكذا كانت حال جبريل - عليه السلام - إذا نزل بالوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : نزل جبريل - عليه السلام - على كل نبي فلم يره منهم إلا محمد وعيسى وموسى وزكريا عليهم السلام . فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما في المنام . وقيل : إلا وحيا بإرسال جبريل أو من وراء حجاب كما كلم موسى . أو يرسل رسولا إلى الناس كافة . وقرأ الزهري وشيبة ونافع ( أو يرسل رسولا فيوحي ) برفع الفعلين . الباقون بنصبهما . فالرفع على الاستئناف ، [ ص: 51 ] أي : وهو يرسل . وقيل : ( يرسل ) بالرفع في موضع الحال ، والتقدير إلا موحيا أو مرسلا . ومن نصب عطفوه على محل الوحي ; لأن معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي أو يرسل . ويجوز أن يكون النصب على تقدير حذف الجار من أن المضمرة . ويكون في موضع الحال ، التقدير أو بأن يرسل رسولا . ولا يجوز أن يعطف ( أو يرسل ) بالنصب على ( أن يكلمه ) لفساد المعنى ; لأنه يصير : ما كان لبشر أن يرسله أو أن يرسل إليه رسولا ، وهو قد أرسل الرسل من البشر وأرسل إليهم .الثانية : احتج بهذه الآية من رأى فيمن حلف ألا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا أنه حانث ، لأن المرسل قد سمي فيها مكلما للمرسل إليه ، إلا أن ينوي الحالف المواجهة بالخطاب . قال ابن المنذر : واختلفوا في الرجل يحلف ألا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا أو أرسل إليه رسولا ، فقال الثوري : الرسول ليس بكلام . وقال الشافعي : لا يبين أن يحنث . وقال النخعي : والحكم في الكتاب يحنث . وقال مالك : يحنث في الكتاب والرسول . وقال مرة : الرسول أسهل من الكتاب . وقال أبو عبيد : الكلام سوى الخط والإشارة . وقال أبو ثور : لا يحنث في الكتاب . قال ابن المنذر : لا يحنث في الكتاب والرسول .قلت : وهو قول مالك . قال أبو عمر : ومن حلف ألا يكلم رجلا فسلم عليه عامدا أو ساهيا ، أو سلم على جماعة هو فيهم فقد حنث في ذلك كله عند مالك . وإن أرسل إليه رسولا أو سلم عليه في الصلاة لم يحنث .قلت : يحنث في الرسول إلا أن ينوي المشافهة ، للآية ، وهو قول مالك وابن الماجشون . وقد مضى في أول ( سورة مريم ) هذا المعنى عن علمائنا مستوفى ، والحمد لله .
In the present world, no human being can directly talk to God. Man’s humble position is the hindrance to such dialogue. Therefore the revelation of God’s words to the prophets was made in an indirect manner. There are many methods of indirect revelation. Examples of these are found in the lives of the various prophets. When a scholar writes a book or a thinker delivers his discourse, he has a scholastic background which may account or offer an explanation for his later successful academic or intellectual achievement. But the case of the prophet is entirely different. A prophet’s life after attaining prophethood is entirely different from what it was before that event. The present work of a common man appears to be a continuation of or stems from his past life. But, in the case of a prophet, his utterances after the attainment of prophethood are so distinct from those of the earlier period, prior to prophethood, that they cannot be accounted for or explained on the basis of his past. This is a clear indication that a prophet’s words are, in reality, divine in origin and not an ordinary human discourse. What is special about the Prophet Muhammad is that the Quran (the divine message) conveyed by him and his own personal utterances have both been preserved and still exist in their original form. If one who knows Arabic makes a comparative study of both, he will find an obvious difference between these two. The language of the Hadith (sayings of the Prophet) is clearly that of Muhammad ibn ‘Abdullah, while the language of the Quran is clearly that of God.
Commentary
The first of the above verses (51) was revealed in response to a hostile Jewish demand. As mentioned by Baghawl, Qurtubi and others, the Jews asked the Holy Prophet ﷺ ، "How can we believe in you while you neither see Allah Ta’ ala, nor do you speak to Him face to face, as Sayyidna Musa (علیہ السلام) used to see and converse with Allah Ta’ ala?"
The Holy Prophet ﷺ told the Jews that it is wrong to say that Sayyidna Musa (علیہ السلام) has seen Allah Ta’ ala. Then this verse was revealed to announce that it is not possible for any human being to converse with Allah Ta'ala face to face in this world. Sayyidna Musa (علیہ السلام) also did not hear Allah Ta'ala face to face, but only heard the voice from behind a curtain.
This verse also tells us that there are only three ways in which Allah Ta'ala speaks to a human being. One is ` wahy' which is infusion of something in the heart. It can happen while one is awake, and it can also happen during sleep in the form of a dream as stated in many ahadith that the Holy Prophet ﷺ said, اُلقِیَ فی روعی (This has been infused in my heart. And the dreams of the prophets (علیہم السلام) are also a form of wahy, because Shaitan cannot find his way in them. In case of dreams, the words do not usually come from Allah Ta’ ala; only the subject matter is infused in the mind which is then rendered by the prophets in their own words.
The second way in which Allah may address a person, as mentioned in the above verses, is that Allah speaks from behind a curtain, as happened to Sayyidna Musa (علیہ السلام) on Mount Tur, where he heard the speech of Allah Ta’ ala, but did not see Him. Therefore he asked Allah Ta'ala to show Himself. The reply was in negative, as mentioned by the Holy Qur'an in surah A'raf (7:143).
And this curtain which prevents man from seeing Allah Ta'ala is not something which can hide Allah Ta’ ala, because nothing can hide His All-Pervasive Light. Rather, it is the weakness of man's vision that becomes a curtain against seeing Allah. That is why when his vision would be strengthened in Paradise, every dweller of Heaven will be favoured with ability to see Allah Ta’ ala, as per the creed of Ahl-us-Sunnah wal-Jama` ah in accordance with the explanations of correct ahadith.
This rule that no one can converse face to face with Allah Ta’ ala, without any curtain in-between, pertains to this world. The specific mention of ` human being' in this verse is because the intention here is to address mankind. Otherwise, apparently Allah Ta'ala does not speak face to face even with the angels, as stated by Sayyidna Jibra'i1 (علیہ السلام) in a narration of Tirmidhi, "I had become very close, and yet there were seventy-thousand more curtains." And if the face to face conversation of the Holy Prophet ﷺ with Allah Ta'ala during the Night of Ascension (Lailat-ul-mi` raj) is proved, as stated by certain learned persons, it would not negate this rule, because that conversation did not take place in this world, but in the Heavens. (Allah knows best).
The third method is mentioned in the verse as أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا "that He sends a messenger" (42:51). The messenger could be Jibra'il (علیہ السلام) or any other angel who may carry Allah Ta’ ala's message, and read it out to the prophet. And this has been the most common way. The whole of Glorious Qur'an has been revealed in this fashion through angels. It should be noted that the word ` wahy' has been explained above to mean infusion in mind or heart only, but this word is often used for all kinds of Divine discourses also, as narrated in a lengthy hadith of Bukhari where the message sent through an angel has also been termed as one kind of ` wahy'. And there are two forms in which the angel carries the message. Sometimes he appears in his original form, and sometimes in the human form. (Allah knows best).
(And it was not (vouchsafed)) it was not permissible (to any mortal that Allah should speak to him) directly without a veil (unless (it be) by revelation) in dream (or from behind a veil) as when He spoke with Moses (pbuh) (or (that) He sendeth a messenger) i.e. Gabriel, such as when He sent him to the Prophet Muhammad (pbuh) (to reveal what He will) of commands and prohibitions (by His leave) by His command. (Lo! He is Exalted) more exalted than all created beings, (Wise) in His command and decree.