This Ayah includes ten separate and independent ideas, each of which is a ruling on its own.
They (the scholars) said that there is nothing else like it in the Qur'an, apart from Ayat Al-Kursi 2:255, which also includes ten ideas.
فَلِذَلِكَ فَادْعُ
(So unto this then invite (people),) means, `so call people to this which We have revealed to you and which We enjoined upon all the Prophets before you,' the Prophets of major ways of Shari`ah that were followed, such as the Messengers of strong will, and others.
وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ
(and stand firm as you are commanded, ) means, `adhere firmly, you and those who follow you, to the worship of Allah as He has commanded you.'
وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ
(and follow not their desires) means, the desires of the idolators, in the falsehoods that they have invented and fabricated by worshipping idols.
وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَـبٍ
(but say: "I believe in whatsoever Allah has sent down of the Book...") means, `I believe in all the Books that have been revealed from heaven to the Prophets; we do not differentiate between any of them.'
وَأُمِرْتُ لاًّعْدِلَ بَيْنَكُمُ
(and I am commanded to do justice among you.) means, when judging according to the commands of Allah.
اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ
(Allah is our Lord and your Lord.) means, `He is the One Who is to be worshipped, and there is no true God but He. We affirm this willingly, and even though you do not do so willingly, everyone in the universe prostrates to Him obediently and willingly.'
لَنَآ أَعْمَـلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـلُكُمْ
(For us our deeds and for you your deeds.) means, `we have nothing to do with you. ' This is like the Ayah:
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
(And if they demy you, say: "For me are my deeds and for you are your deeds! You are innocent of what I do, and I am innocent of what you do!") (10:41)
لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ
(There is no dispute between us and you.) Mujahid said, "This means, no argument." As-Suddi said, "This was before Ayah of the sword was revealed." This fits the context, because this Ayah was revealed in Makkah, and Ayah of the sword 22:39-40 was revealed after the Hijrah.
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
(Allah will assemble us (all),) means, on the Day of Resurrection. This is like the Ayah:
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
(Say: "Our Lord will assemble us all together, then He will judge between us with truth. And He is the Just Judge, the All-Knower of the true state of affairs.") (34:26).
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
(and to Him is the final return.) means, the final return on the Day of Reckoning.
So to that then to that affirmation of God’s Oneness summon O Muhammad (s) people and be upright in summoning them to this just as you have been commanded and do not follow them in their desires to abandon it. And say ‘I believe in whatever Book God has revealed. And I have been commanded to be just between you in passing judgement. God is our Lord and your Lord. Our deeds concern us and your deeds concern you and so each one of us will be requited according to his own deeds. There is no argument no dispute between us and you — this was revealed before the command to struggle against them. God will bring us together at the time of the Return to decide definitively between us and to Him is the final destination’ the ultimate return.
فإلى ذلك الدين القيِّم الذي شرعه الله للأنبياء ووصَّاهم به، فادع -أيها الرسول- عباد الله، واستقم كما أمرك الله، ولا تتبع أهواء الذين شكُّوا في الحق وانحرفوا عن الدين، وقل: صدَّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، وأمرني ربي أن أعدل بينكم في الحكم، الله ربنا وربكم، لنا ثواب أعمالنا الصالحة، ولكم جزاء أعمالكم السيئة، لا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم بعدما تبين الحق، الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه المرجع والمآب، فيجازي كلا بما يستحق.
اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسها قالوا ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنها أيضا عشر فصول كهذه. وقوله "فلذلك فادع" أي فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله عز وجل "واستقم كما أمرت" أي واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله عز وجل وقوله تعالى "ولا تتبع أهواءهم" يعني المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا "وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب" أي صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله "وأمرت لأعدل بينكم" أي في الحكم كما أمرني الله وقوله جلت عظمته "الله ربنا وربكم" أي هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختيارا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا فله يسجد من في العالمين طوعا وإجبارا. وقوله تبارك وتعالى "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" أي نحن برآء منكم كما قال سبحانه وتعالى "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" وقوله تعالى "لا حجة بيننا وبينكم" قال مجاهد أي لا خصومة قال السدي وذلك قبل نزول آية السيف وهذا متجه لأن هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة. وقوله عز وجل "الله يجمع بيننا" أي يوم القيامة كقوله "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وقوله جل وعلا "وإليه المصير" أي المرجع والمآب يوم الحساب.
ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته فقال : ( فَلِذَلِكَ فادع ) .واسم الإِشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر بإقامة الدين ، أى : فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين .( واستقم كَمَآ أُمِرْتَ ) أى : واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على نهجه . والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه .( وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ) أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا .( وَقُلْ ) لهم بكل ثبات وقوة ( آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ ) أى : آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية ، فالمراد بالكتاب : جنسه .( وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) أى : وأمرنى ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلىّ ، فإن العدل شريعة الله تعالى .( الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أى : الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا ولكم ، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى .( لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أى : لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة ، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها ، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا .( لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) أى : لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم ، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم .( الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ) أى . الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شَرَع لكم, ووصّى به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, فادع عباد الله, واستقم على العمل به, ولا تزغ عنه, واثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة. وقيل: فلذلك فادع, والمعنى: فإلى ذلك, فوضعت اللام موضع إلى, كما قيل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك, في قوله: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) إلى معنى هذا, ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم. والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه, غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام, لأنه في سياق خبر الله جلّ ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإقامته, ولم يأت من الكلام ما يدلّ على انصرافه عنه إلى غيره.وقوله: ( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكُّوا في الحقّ الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم, فتشك فيه, كالذي شكوا فيه.يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدّقت بما أنـزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب, توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم, لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب, وتصديقكم ببعض.وقوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب, فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه.كالذي حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) قال: أمر نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعدل, فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض, به يأخذ للمظلوم من الظالم, وللضعيف من الشديد, وبالعدل يصدّق الله الصادق, ويكذّب الكاذب, وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه.ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كن فيه أعجبني جدا: القصد في الفاقة والغنى, والعدل في الرضا والغضب, والخشية في السر والعلانية; وثلاث من كن فيه أهلكه: شح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه. وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر, وقلب شاكر, وبدن صابر, وزوجة مؤمنة.واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي, وأمرت كي أعدل; وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل, والأمر واقع على ما بعده, وليست اللام التي في لأعدل بشرط; قال: ( وَأُمِرْتُ ) تقع على " أن " وعلى " كي" واللام أمرت أن أعبد, وكي أعبد, ولأعبد. قال: وكذلك كلّ من طالب الاستقبال, ففيه هذه الأوجه الثلاثة.والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل, لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم.وقوله: ( اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) يقول: الله مالكنا ومالكم معشر الأحزاب ما أهل الكتابين التوراة والإنجيل.يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال, ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.وقوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. كما:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; والحارث, قال: ثنا الحسن, قال ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله عز وجل: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم, وقرأ: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .... إلى آخر الآية.وقوله: ( اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ) يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة, فيقضي بيننا بالحقّ فيما اختلفنا فيه.( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا.
( فلذلك فادع ) أي : فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان ، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ، ( واستقم كما أمرت ) اثبت على الدين الذي أمرت به ، ( ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : آمنت بكتب الله كلها ، ( وأمرت لأعدل بينكم ) أن أعدل بينكم . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام . وقيل : لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء ، ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) يعني : إلهنا واحد ، وإن اختلفت أعمالنا ، فكل يجازى بعمله ، ( لا حجة ) لا خصومة ، ( بيننا وبينكم ) نسختها آية القتال ، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة ، ( الله يجمع بيننا ) في المعاد لفصل القضاء ، ( وإليه المصير ) .
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)الفاء للتفريع على قوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } [ الشورى : 13 ] إلى آخره ، المفسر بقوله : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [ الشورى : 13 ] المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله : { كبر على المشركين إلى من ينيب } [ الشورى : 13 ] .واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكونَ الإشارة بذلك إلى المذكور ، أي جميع ما تقدم من الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة ، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك ، أي فلأجل جميع ما ذكر فادعُ واستقِم ، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادْع .ولم يذكر مفعول ( ادْع ) لدلالة ما تقدم عليه ، أي ادع المشركين والذين أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا . وتقديم ( لذلك ) على متعلقه وهو فعل ( ادع ) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر بالدوام على الدعوة . ويجوز أن تكون اللام في قوله : { فلذلك } لامَ التقوية وتكون مع مجرورها مفعول ( ادعُ ) . والإشارة إلى { الدّين من قوله : { شرع لكم من الدين } [ الشورى : 13 ] أي فادع لذلك الدّين .وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بالدّين .وفعل الأمر في قوله : فادع } مستعمل في الدّوام على الدّعوة كقوله : { يا أيها الذّين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } [ النساء : 136 ] ، بقرينة قوله : { كما أُمرت } ، وفي هذا إبطال لشبهتهم في الجهة الثالثة المتقدمة عند قوله تعالى : { كَبُر على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى : 13 ] .والفاء في قوله : { فادع } يجوز أن تكون مؤكدة لفاء التفريع التي قبلها ، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الجزاء لما في تقديم المجرور من مشابهة معنى الشرط كما في قوله تعالى : { فبذلك فليفرحوا } [ يونس : 58 ] .والاستقامة : الاعتدال ، والسين والتاء فيها للمبالغة مثل : أجاب واستجاب . والمراد هنا الاعتدال المجازي وهو اعتدال الأمور النفسانية من التقوى ومكارم الأخلاق ، وإنّما أُمر بالاستقامة ، أي الدوام عليها ، للإشارة إلى أن كمال الدعوة إلى الحق لا يحصل إلا إذا كان الداعي مستقيماً في نفسه .والكاف في { كما أمرت } لتشبيه معنى المماثلة ، أي دعوة واستقامة مثل الذي أمرت به ، أي على وفاقه ، أي وافية بما أمرت به . وهذه الكاف مما يسمى كاف التعليل كقوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } [ البقرة : 198 ] ، وليس التعليل من معاني الكاف في التحقيق ولكنه حاصلُ معنًى يعرض في استعمال الكاف إذا أريد تشبيه عاملها بمدخولها على معنى المطابقة والموافقة .والاتِّباع يطلق مجازاً على المجاراة والموافقة ، وعلى المحاكاة والمماثلة في العمل ، والمراد هنا كِلا الإطلاقين ليرجع النهي إلى النهي عن مخالفة الأمرين المأمور بهما في قوله { فادع واستقم } .وضمير { أهواءهم } للذين ذكروا من قبل من المشركين والذين أوتوا الكتاب ، والمقصود : نهي المسلمين عن ذلك من باب { لَئن أشركتَ ليحبَطَنَّ عَمَلُك } [ الزمر : 65 ] ألا ترى إلى قوله : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك }في سورة هود ( 112 ) .ويجوز أن يكون معنى { ولاَ تتبع أهواءَهم } لا تجارِهم في معاملتهم ، أي لا يحملك طعنهم في دعوتك على عدم ذكر فضائل رُسلهم وهدي كتبهم عدا ما بدَّلوه منها فأعْلِن بأنك مؤمن بكتبهم ، ولذلك عطف على قوله : { ولا تتبع أهواءهم } قولُه : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } الآية ، فموقع واو العطف فيه بمنزلة موقع فاء التفريع . ويكون المعنى كقوله تعالى : { ولا يَجْرِمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } في سورة المائدة ( 8 ) .والأهواء : جمع هوى وهو المحبة ، وغلب على محبة ما لاَ نفع فيه ، أي ادعهم إلى الحق وإن كرهوه ، واستقم أنت ومن معك وإن عادَاكم أهل الكتاب فهم يحبون أن تتبعوا ملتهم ، وهذا من معنى قوله : { ولن ترضَى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قُل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } [ البقرة : 120 ] .وقوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } بعد قوله : { فادع } أمرٌ بمخالفة اليهود إذ قالوا : { نؤمن ببعضٍ } [ النساء : 150 ] يعنون التوراة ، { ونكفر ببعضٍ } [ النساء : 150 ] يعنون الإنجيل والقرآن ، فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالإيمان بالكتب الثلاثة الموحى بها من الله كما قال تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كلّه } [ آل عمران : 119 ] . فالمعنى : وقل لمن يهمه هذا القول وهم اليهود . وإنما أمر بأن يقول ذلك إعلاناً به وإبلاغاً لأسماع اليهود ، فلا يقابِل إنكارَهم حقّيَّةَ كتابه بإنكاره حقّيّةَ كتابهم وفي هذا إظهار لِما تشتمل عليه دعوته من الإنصاف .و { من كتاب } بيان لما أنزل الله ، فالتنكير في { كتاب } للنوعية ، أي بأي كتاب أنزله الله وليس يومئذٍ كتاب معروف غير التوراة والإنجيل والقرآن .وضمير { بينكم } خِطاب للذين أمر بأن يُوجه هذا القول إليهم وهم اليهود ، أي أمرت أن أقيم بينَكم العدل بأن أدعوكم إلى الحق ولا أظلمكم لأجل عداواتكم ولكني أنفذ أمر الله فيكم ولا أنتمي إلى اليهود ولا إلى النصارى . ومعنى { بينكم } أنني أقيم العدل بينكم فلا ترون بينكم جوراً مني ، ف ( بين ) هنا ظرف متحد غير موزَّع فهو بمعنى وسَط الجَمع وخلالَه ، بخلاف ( بين ) في قول القائل : قضَى بين الخصمين أو قسم المال بين العفاة . فليس المعنى : لأعدل بين فرقكم إذ لا يقتضيه السياق .وفي هذه الآية مع كونها نازلة في مكة في زمن ضعف المسلمين إعجاز بالغيب يدل على أن الرّسول صلى الله عليه وسلم سيكون له الحكم على يهود بلاد العرب مثل أهل خيبر وتيماءَ وقُريظة والنضِير وبني قَيْنُقَاع ، وقد عَدَل فيهم وأقرهم على أمرهم حتى ظاهروا عليه الأحزاب كما تقدم في سورة الأحزاب .واللام في قوله : { لأعدل } لامٌ يكثر وقوعها بعد أفعال مادتَيْ الأمر والإرَادة ، نحو قوله تعالى : { يُريد الله ليبيّنَ لكم } [ النساء : 26 ] ، وتقدم الكلام عليها وبعضهم يجعلها زائدة .وجملة { الله ربنا وربكم } من المأمور بأن يقوله . فهي كلها جملة مستأنفة عن جُملة { آمنت بما أنزل الله من كتاب } مقررةٌ لمضمونها لأن المقصود من جملة { الله ربنا وربكم } بِحذَافِرها هو قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } فهي مقررة لمضمون { آمنت بما أنزل الله من كتاب } ، وإنما ابتدئت بجملتي { الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } تمهيداً للغرض المقصود وهو لا حجة بيننا وبينكم ، فلذلك كانت الجمل كلّها مفصولة عن جملة { آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم } .والمقصود من قوله : { الله ربنا وربكم } أننا متفقون على توحيد الله تعالى كقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً } [ آل عمران : 64 ] الآية ، أي فالله الشهيد علينا وعليكم إذ كذبتم كتاباً أنزل من عنده ، فالخبر مستعمل في التسجيل والإلزام .وجملة { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } دعوةُ إنصاف ، أي أن الله يجازي كُلاً بعمله . وهذا خبر مستعمل في التهديد والتنبيه على الخطأ . وجملة { لا حجة بيننا وبينكم } هي الغرض المقصود بعد قوله { وأُمرت لأعدل بينكم } أي أعدل بينكم ولا أخاصمكم على إنكاركم صدقي .والحجة : الدليل الذي يدلّ المسوق إليه على صدق دعوى القائم به وإنما تكون الحجة بين مختلِفين في دعوى . ونفيُ الحجة نفي جنس يجوز أن يكون كناية عن نفي المجادلة التي من شأنها وقوع الاحتجاج كناية عن عدم التصدّي لخصومتهم فيكون المعنى الامساكُ عن مجادلتهم لأن الحق ظهر وهم مكابرون فيه وهذا تعريض بأن الجدال معهم ليس بذي جدوَى . ويجوز أن يكون المنفي جنسَ الحجة المفيدةِ ، بمعونة القرينة مثل : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . والمعنى : أن الاستمرار على الاحتجاج عليهم بعد ما أظهر لهم من الأدلة يكون من العبث ، وهذا تعريض بأنهم مُكَابرون . وأيّاً مّا كان فليس هذا النفي مستعملاً في النهي عن التصدّي للاحتجاج عليهم فقد حاجّهم القرآن في آيات كثيرة نزلت بعدَ هذه وحاجّهم النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الرجم وقد قال الله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } [ العنكبوت : 46 ] فالاستثناء صريح في مشروعية مجادلتهم .و ( بين ) المكررة في قوله : { بيننا وبينكم } ظرف موزع على جماعاتتِ أو أفرادِ ضمير المتكلم المشارَككِ . وضمير المخاطبين ، كما يقال : قَسم بينهم ، وهذا مخالف ل ( بين ) المتقدم آنفاً .والمراد بالجمع في قوله : { الله يجمع بيننا } الحشر لفصل القضاء ، فيومئذٍ يتبين المحق من المبطل ، وهذا كلام منصف . ولما كان مثل هذا الكلام لا يصدر إلا من الواثق بحقه كان خطابُهم به مستعملاً في المتاركة والمحاجزة ، أي سأترك جدالكم ومحاجّتكم لقلة جدواها فيكم وأفوض أمري إلى الله يقضي بيننا يوم يجمعنا ، فهذا تعريض بأن القضاء سيكون له عليهم . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { الله يجمع بيننا } للتقوّي ، أي تحقيق وقوع هذا الجمع وإلا فإن المخاطبين وهم اليهود يثبتون البعث .و ( بَين ) هنا ظرف موزَّع مثلُ الذي في قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } .وجملة { وإليه المصير } عطف على جملة { يجمع بيننا } . والتعريف في { المصير } للاستغراق ، أي مصير النّاس كلّهم ، فبذلك كانت الجملة تذييلاً بما فيها من العموم ، أي مصيرنا ومصيركم ومصير الخلق كلهم .وهذه الجمل الأربع تقتضي المحاجزة بين المؤمنين وبين اليهود وهي محاجزة في المقاولة ومتاركة في المقاتلة في ذلك الوقت حتى أذن الله في قتالهم لما ظاهروا الأحزاب .وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخاً لهذه الآية .
{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، { وَاسْتَقِمْ } بنفسك { كَمَا أُمِرْتَ } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك.ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له.{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: "ولا تتبع دينهم"" لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا.{ وَقُلْ } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته.وأما مجرد التوراة والإنجيل، وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا بالإيمان بهم.وقوله: { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } من خير وشر { لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وإنما المراد ما ذكرنا.{ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب."
قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير .قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى ، أو لقريش قيل له : فلذلك فادع أي : فتبينت شكهم فادع إلى الله ، أي : إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به . فاللام بمعنى إلى ، كقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها أي : إليها . ( وذلك ) بمعنى هذا . وقد تقدم أول ( البقرة ) والمعنى فلهذا القرآن فادع . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع . وقيل : إن اللام على بابها ، والمعنى : فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم . قال ابن عباس : أي : إلى القرآن فادع الخلق . ( واستقم ) خطاب له عليه السلام . قال قتادة : أي : استقم على أمر الله . وقال سفيان : أي : استقم على القرآن . وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة .ولا تتبع أهواءهم أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك . وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم أي أن أعدل ، كقوله تعالى : وأمرت أن أسلم لرب العالمين [ ص: 14 ] وقيل : هي لام كي ، أي : لكي أعدل . قال ابن عباس وأبو العالية : لأسوي بينكم في الدين فأؤمن بكل كتاب وبكل رسول . وقال غيرهما : لأعدل في جميع الأحوال . وقيل : هذا العدل هو العدل في الأحكام . وقيل : في التبليغ . الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم قال ابن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود ، أي : لنا ديننا ولكم دينكم . قال : نسخت بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية . قال مجاهد : ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم . وقيل : ليس بمنسوخ ، لأن البراهين قد ظهرت ، والحجج قد قامت ، فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدال . قال النحاس : ويجوز أن يكون معنى : لا حجة بيننا وبينكم على ذلك القول : لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ، ثم نسخ هذا . كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة : لا تصل إلى الكعبة ، ثم حول الناس بعد ، لجاز أن يقال نسخ ذلك . الله يجمع بيننا يريد يوم القيامة . وإليه المصير أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه ، ويجازي كلا بما كان عليه . وقيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة ، وقد سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش ، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته .
Here the ‘Book’ means the original religion which was revealed through the prophets and ‘desire’ (ahwa’) refers to the fabrications which human beings on their own added to the original religion of Truth. The Prophet was instructed to be firm on the original religion. Even on the grounds of dawah considerations, he was forbidden to make any concessions to man-made religions. He was told that his duty was to uphold justice, i.e. to take decisions about religious differences and show what was right and what was wrong; which part was from God and which was later added to religion by way of human interpolation. ‘There is no contention between us and you’ means that, in spite of your quarrelling with us, we will not start quarrelling with you. In other words, even if you introduce negative tactics, we will unilaterally adhere to our positive approach. The responsibility of a dayee is simply to convey the message of Truth. All other matters are left to God. Harassing those who have accepted the Truth and embroiling them in unnecessary wrangling is the most oppressive and unworthy practice. Those who do so run the risk of incurring the wrath of God and facing severe punishment in the Hereafter.
فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
"So, (0 prophet,) towards that (faith) invite (people), and be steadfast as you are commanded, and do not follow their desires, and say, "I believe in whatever book Allah has sent down. And I have been ordered to do justice among you. Allah is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you, your deeds. There is no argumentation between us and you. Allah will bring us together, and to Him is the final return." (42:15)
Hafiz Ibn Kathir has stated that this verse comprises ten sentences, and each sentence carries a specific order. As such, ten types of precepts are stated in this one verse. No other verse in the entire Qur'an has this peculiarity, except 'Ayat-ul-kursiyy which comprises ten types of precepts as well.
The first order فَلِذٰلِکَ فَادعُ (So, 0 Prophet, towards that faith invite people) means: ` Although your call towards ` tauhid' (Oneness of Allah) sits very heavy on the polytheists, it is no cause for you to give up your invitational call, and you should continue with it.
The second order وَاستَقِم کَمَآ اُمِرتَ (and be steadfast as you are commanded) says, ` You yourself ought to stand firm in the religion towards which you are inviting other people. This firmness has to be in accordance with the command of Allah, that is, to be on the moderate side in your beliefs, deeds, morals, habits and social behavior - there should not be even the slightest inclination towards the extremes of ifrat (overdoing something) or tafrit (falling short in something). Obviously such a firmness is not easy. That is why when some noble companions pointed out to the Holy Prophet ﷺ that some of hairs have turned grey, he said, "Surah Hud has turned me old." This very order (of standing firm as commanded) has been given in Surah Hud also in the same very words. (The meaning of standing firm, the difficulties in observing it and its importance are discussed in detail in the commentary on Surah Hud on page 673 of volume 4 of Ma'ariful Qur'an).
The third command وَلَا تَتَّبِع اَھوَآَء ھُم (do not follow their desires - ) directs the Holy Prophet ﷺ not to be concerned about the opposition of any opponent in his duty of propagation.
The fourth command قُل اٰمَنتُ بِمَآ اَنزَلَ اللہُ مَن کِتابً (and say "I believe in whatever book Allah has sent down" ) is to announce that the Holy Prophet ﷺ believes not only in the Book that has been revealed to him, but he believes in all the former divine books.
The fifth command اُمِرتُ لِاَعدِلَ بَینَکُم (I have been ordered to do justice among you) apparently relates to doing justice in the matters of dispute brought to him. But some exegetes have taken the meaning of adl' to be ` equality' and thus have taken the sentence to mean that he should treat all the commands of religion equally by believing in all the prophets (علیہم السلام) ، in all the Books and by obeying all the Divine laws without any exception.
The sixth sentence اَللہُ رَبُّنَا is ` Allah is our Lord and you Lord.' which means that all of us are nourished by Allah.
The seventh sentence لَنَآ اعمالُنَا وَ لَکُم اَعمَالُکُم (For us are our deeds and for you, your deeds) states that our deeds would be for us only and you would neither gain nor lose due to our deeds, and your deeds would be for you only and we would neither gain nor lose due to your deeds. Some exegetes have stated that this verse was revealed in Makkah before the command for jihad with non-Muslims was revealed; the verses conveying the command for jihad have cancelled this command, because the essence of jihad is to subjugate those people by fighting who do not accept the advice and exhortation - not to let them remain in the state of kufr. And some exegetes have stated that this command has not been cancelled; what it means is that since the truth has been proved through logical arguments, its non-acceptance can only be due to enmity and obstinacy, and as such, everybody is responsible for his own deeds. (Qurtubi)
The eighth command لَا حُجَّۃ بَینَنَا و بینَکُم (there is no argumentations between us and you -) is that since the disbelievers do not accept the truth, despite its having been proved, which demonstrates their enmity, therefore, further discussion is useless and now there would be no more arguments between the Holy Prophet ﷺ and the disbelievers.
The ninth sentence اَللہُ یَجمَع بیننَا (Allah will bring us together -) states that on the Day of Judgment, Allah Almighty would gather all of us together and would requite every deed.
The tenth declaration وَاِلَیہِ المَصِیر (and to Him is the final return -) is that all of us would return to Him.
(Unto this, then, summon (O Muhammad)) summon unto belief in Allah's divine Oneness and to the Scripture of your Lord. (And be thou upright) in your profession of Allah's divine Oneness (as thou art commanded) in the Qur'an, (and follow not their lusts) and follow not the Qiblah and religion of the Jews, (but say: I believe in whatever Scripture Allah hath sent down) of Scriptures to the prophets, (and I am commanded) in the Qur'an (to be just among you) through faith in Allah's divine Oneness. (Allah is our Lord and your Lord) He will judge between us on the Day of Judgement. (Unto us our works) unto us is the worship of Allah and the religion of Islam (and unto you your works) and against you is the worship of idols and Satan's religion; (no argument between us and you) regarding religion. (Allah will bring us together) on the Day of Judgement, (and unto Him is the journeying) and unto Him is the destination of both believers and disbelievers.
This Ayah includes ten separate and independent ideas, each of which is a ruling on its own.
They (the scholars) said that there is nothing else like it in the Qur'an, apart from Ayat Al-Kursi 2:255, which also includes ten ideas.
فَلِذَلِكَ فَادْعُ
(So unto this then invite (people),) means, `so call people to this which We have revealed to you and which We enjoined upon all the Prophets before you,' the Prophets of major ways of Shari`ah that were followed, such as the Messengers of strong will, and others.
وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ
(and stand firm as you are commanded, ) means, `adhere firmly, you and those who follow you, to the worship of Allah as He has commanded you.'
وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ
(and follow not their desires) means, the desires of the idolators, in the falsehoods that they have invented and fabricated by worshipping idols.
وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَـبٍ
(but say: "I believe in whatsoever Allah has sent down of the Book...") means, `I believe in all the Books that have been revealed from heaven to the Prophets; we do not differentiate between any of them.'
وَأُمِرْتُ لاًّعْدِلَ بَيْنَكُمُ
(and I am commanded to do justice among you.) means, when judging according to the commands of Allah.
اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ
(Allah is our Lord and your Lord.) means, `He is the One Who is to be worshipped, and there is no true God but He. We affirm this willingly, and even though you do not do so willingly, everyone in the universe prostrates to Him obediently and willingly.'
لَنَآ أَعْمَـلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـلُكُمْ
(For us our deeds and for you your deeds.) means, `we have nothing to do with you. ' This is like the Ayah:
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
(And if they demy you, say: "For me are my deeds and for you are your deeds! You are innocent of what I do, and I am innocent of what you do!") (10:41)
لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ
(There is no dispute between us and you.) Mujahid said, "This means, no argument." As-Suddi said, "This was before Ayah of the sword was revealed." This fits the context, because this Ayah was revealed in Makkah, and Ayah of the sword 22:39-40 was revealed after the Hijrah.
اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا
(Allah will assemble us (all),) means, on the Day of Resurrection. This is like the Ayah:
قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ
(Say: "Our Lord will assemble us all together, then He will judge between us with truth. And He is the Just Judge, the All-Knower of the true state of affairs.") (34:26).
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
(and to Him is the final return.) means, the final return on the Day of Reckoning.
So to that then to that affirmation of God’s Oneness summon O Muhammad (s) people and be upright in summoning them to this just as you have been commanded and do not follow them in their desires to abandon it. And say ‘I believe in whatever Book God has revealed. And I have been commanded to be just between you in passing judgement. God is our Lord and your Lord. Our deeds concern us and your deeds concern you and so each one of us will be requited according to his own deeds. There is no argument no dispute between us and you — this was revealed before the command to struggle against them. God will bring us together at the time of the Return to decide definitively between us and to Him is the final destination’ the ultimate return.
فإلى ذلك الدين القيِّم الذي شرعه الله للأنبياء ووصَّاهم به، فادع -أيها الرسول- عباد الله، واستقم كما أمرك الله، ولا تتبع أهواء الذين شكُّوا في الحق وانحرفوا عن الدين، وقل: صدَّقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، وأمرني ربي أن أعدل بينكم في الحكم، الله ربنا وربكم، لنا ثواب أعمالنا الصالحة، ولكم جزاء أعمالكم السيئة، لا خصومة ولا جدال بيننا وبينكم بعدما تبين الحق، الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه المرجع والمآب، فيجازي كلا بما يستحق.
اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسها قالوا ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنها أيضا عشر فصول كهذه. وقوله "فلذلك فادع" أي فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله عز وجل "واستقم كما أمرت" أي واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله عز وجل وقوله تعالى "ولا تتبع أهواءهم" يعني المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا "وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب" أي صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله "وأمرت لأعدل بينكم" أي في الحكم كما أمرني الله وقوله جلت عظمته "الله ربنا وربكم" أي هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختيارا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا فله يسجد من في العالمين طوعا وإجبارا. وقوله تبارك وتعالى "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم" أي نحن برآء منكم كما قال سبحانه وتعالى "وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" وقوله تعالى "لا حجة بيننا وبينكم" قال مجاهد أي لا خصومة قال السدي وذلك قبل نزول آية السيف وهذا متجه لأن هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة. وقوله عز وجل "الله يجمع بيننا" أي يوم القيامة كقوله "قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم" وقوله جل وعلا "وإليه المصير" أي المرجع والمآب يوم الحساب.
ثم حض - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على المضى فى دعوته فقال : ( فَلِذَلِكَ فادع ) .واسم الإِشارة يعود إلى ما سبق الحديث عنه من ذم التفرق ، ومن الأمر بإقامة الدين ، أى : فلأجل ما أمرناك به من دعوة الناس إلى إقامة الدين وإلى النهى عن الاختلاف والتفرق ، من أجل ذلك فادع الناس إلى الحق الذى بعثناك به ، وإلى جمعهم على كلمة التوحيد ، التى تجعلهم يعيشون حياتهم آمنين مطمئنين .( واستقم كَمَآ أُمِرْتَ ) أى : واستقم على الصراط الذى كلفناك بالسير على نهجه . والزم المنهج القويم الذى أمرناك بالتزامه .( وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ) أى : ولا تتبع شيئا من أهواء هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا .( وَقُلْ ) لهم بكل ثبات وقوة ( آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ ) أى : آمنت بكل ما أنزله - تعالى - من كتب سماوية ، فالمراد بالكتاب : جنسه .( وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) أى : وأمرنى ربى أن أعدل بينكم فى الحكم عند رفع قضاياكم إلىّ ، فإن العدل شريعة الله تعالى .( الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) أى : الله - تعالى - وحده هو الخالق لنا ولكم ، وهو المنعم علينا وعليكم بالنعم التى لا تحصى .( لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ) أى : لنا أعمالنا التى سيحاسبنا الله عليها يوم القيامة ، ولكم أنتم أعمالكم التى ستحاسبون عليها ، فنحن لا نسأل عن أعمالكم وأنتم لا تسألون عن أعمالنا .( لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) أى : لا احتجاج ولا خصومة بيننا وبينكم ، لأن الحق قد ظهر ، فلم يبق للجدال أو الخصام حاجة بيننا وبينكم .( الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير ) أى . الله - تعالى - يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ، وإليه وحده ، مصيرنا ومصيركم ، وسيجازى كل فريق منا ومنكم بما يستحقه من جزاء .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على عشر جمل ، هذه الجمل الكريمة قد جاءت بأسمى ألوان الدعوة إلى الله - تعالى - بالحكمة والموعظة الحسنة .
القول في تأويل قوله تعالى : فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنـزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)يقول تعالى ذكره: فإلى ذلك الدين الذي شَرَع لكم, ووصّى به نوحا, وأوحاه إليك يا محمد, فادع عباد الله, واستقم على العمل به, ولا تزغ عنه, واثبت عليه كما أمرك ربك بالاستقامة. وقيل: فلذلك فادع, والمعنى: فإلى ذلك, فوضعت اللام موضع إلى, كما قيل: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا وقد بيَّنا ذلك في غير موضع من كتابنا هذا.وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك, في قوله: ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ ) إلى معنى هذا, ويقول: معنى الكلام: فإلى هذا القرآن فادع واستقم. والذي قال من هذا القول قريب المعنى مما قلناه, غير أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويل الكلام, لأنه في سياق خبر الله جلّ ثناؤه عما شرع لكم من الدين لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بإقامته, ولم يأت من الكلام ما يدلّ على انصرافه عنه إلى غيره.وقوله: ( وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) يقول تعالى ذكره: ولا تتبع يا محمد أهواء الذين شكُّوا في الحقّ الذي شرعه الله لكم من الذين أورثوا الكتاب من بعد القرون الماضية قبلهم, فتشك فيه, كالذي شكوا فيه.يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: صدّقت بما أنـزل الله من كتاب كائنا ما كان ذلك الكتاب, توراة كان أو إنجيلا أو زبورا أو صحف إبراهيم, لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب, وتصديقكم ببعض.وقوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب, فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه.كالذي حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) قال: أمر نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعدل, فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض, به يأخذ للمظلوم من الظالم, وللضعيف من الشديد, وبالعدل يصدّق الله الصادق, ويكذّب الكاذب, وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه.ذكر لنا أن نبي الله داود عليه السلام: كان يقول: ثلاث من كن فيه أعجبني جدا: القصد في الفاقة والغنى, والعدل في الرضا والغضب, والخشية في السر والعلانية; وثلاث من كن فيه أهلكه: شح مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه. وأربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: لسان ذاكر, وقلب شاكر, وبدن صابر, وزوجة مؤمنة.واختلف أهل العربية في معنى اللام التي في قوله: ( وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ) فقال بعض نحويي البصرة: معناها: كي, وأمرت كي أعدل; وقال غيره: معنى الكلام: وأمرت بالعدل, والأمر واقع على ما بعده, وليست اللام التي في لأعدل بشرط; قال: ( وَأُمِرْتُ ) تقع على " أن " وعلى " كي" واللام أمرت أن أعبد, وكي أعبد, ولأعبد. قال: وكذلك كلّ من طالب الاستقبال, ففيه هذه الأوجه الثلاثة.والصواب من القول في ذلك عندي أن الأمر عامل في معنى لأعدل, لأن معناه: وأمرت بالعدل بينكم.وقوله: ( اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ) يقول: الله مالكنا ومالكم معشر الأحزاب ما أهل الكتابين التوراة والإنجيل.يقول: لنا ثواب ما اكتسبناه من الأعمال, ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.وقوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) يقول: لا خصومة بيننا وبينكم. كما:حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; والحارث, قال: ثنا الحسن, قال ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم ) قال: لا خصومة.حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله عز وجل: ( لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ) لا خصومة بيننا وبينكم, وقرأ: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .... إلى آخر الآية.وقوله: ( اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ) يقول: الله يجمع بيننا يوم القيامة, فيقضي بيننا بالحقّ فيما اختلفنا فيه.( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) يقول: وإليه المعاد والمرجع بعد مماتنا.
( فلذلك فادع ) أي : فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان ، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ، ( واستقم كما أمرت ) اثبت على الدين الذي أمرت به ، ( ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب ) أي : آمنت بكتب الله كلها ، ( وأمرت لأعدل بينكم ) أن أعدل بينكم . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام . وقيل : لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء ، ( الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) يعني : إلهنا واحد ، وإن اختلفت أعمالنا ، فكل يجازى بعمله ، ( لا حجة ) لا خصومة ، ( بيننا وبينكم ) نسختها آية القتال ، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة ، ( الله يجمع بيننا ) في المعاد لفصل القضاء ، ( وإليه المصير ) .
فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)الفاء للتفريع على قوله : { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً } [ الشورى : 13 ] إلى آخره ، المفسر بقوله : { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } [ الشورى : 13 ] المخلل بعضه بجمل معترضة من قوله : { كبر على المشركين إلى من ينيب } [ الشورى : 13 ] .واللام يجوز أن تكون للتعليل وتكونَ الإشارة بذلك إلى المذكور ، أي جميع ما تقدم من الأمر بإقامة الدّين والنهي عن التفرق فيه وتلقي المشركين للدعوة بالتجهم وتلقي المؤمنين لها بالقبول والإنابة ، وتلقي أهل الكتاب لها بالشك ، أي فلأجل جميع ما ذكر فادعُ واستقِم ، أي لأجل جميع ما تقدم من حصول الاهتداء لمن هداهم الله ومن تبرم المشركين ومن شك أهل الكتاب فادْع .ولم يذكر مفعول ( ادْع ) لدلالة ما تقدم عليه ، أي ادع المشركين والذين أوتوا الكتاب والذين اهتدوا وأنابوا . وتقديم ( لذلك ) على متعلقه وهو فعل ( ادع ) للاهتمام بما احتوى عليه اسم الإشارة إذ هو مجموع أسباب للأمر بالدوام على الدعوة . ويجوز أن تكون اللام في قوله : { فلذلك } لامَ التقوية وتكون مع مجرورها مفعول ( ادعُ ) . والإشارة إلى { الدّين من قوله : { شرع لكم من الدين } [ الشورى : 13 ] أي فادع لذلك الدّين .وتقديم المجرور على متعلَّقه للاهتمام بالدّين .وفعل الأمر في قوله : فادع } مستعمل في الدّوام على الدّعوة كقوله : { يا أيها الذّين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } [ النساء : 136 ] ، بقرينة قوله : { كما أُمرت } ، وفي هذا إبطال لشبهتهم في الجهة الثالثة المتقدمة عند قوله تعالى : { كَبُر على المشركين ما تدعوهم إليه } [ الشورى : 13 ] .والفاء في قوله : { فادع } يجوز أن تكون مؤكدة لفاء التفريع التي قبلها ، ويجوز أن تكون مضمنة معنى الجزاء لما في تقديم المجرور من مشابهة معنى الشرط كما في قوله تعالى : { فبذلك فليفرحوا } [ يونس : 58 ] .والاستقامة : الاعتدال ، والسين والتاء فيها للمبالغة مثل : أجاب واستجاب . والمراد هنا الاعتدال المجازي وهو اعتدال الأمور النفسانية من التقوى ومكارم الأخلاق ، وإنّما أُمر بالاستقامة ، أي الدوام عليها ، للإشارة إلى أن كمال الدعوة إلى الحق لا يحصل إلا إذا كان الداعي مستقيماً في نفسه .والكاف في { كما أمرت } لتشبيه معنى المماثلة ، أي دعوة واستقامة مثل الذي أمرت به ، أي على وفاقه ، أي وافية بما أمرت به . وهذه الكاف مما يسمى كاف التعليل كقوله تعالى : { واذكروه كما هداكم } [ البقرة : 198 ] ، وليس التعليل من معاني الكاف في التحقيق ولكنه حاصلُ معنًى يعرض في استعمال الكاف إذا أريد تشبيه عاملها بمدخولها على معنى المطابقة والموافقة .والاتِّباع يطلق مجازاً على المجاراة والموافقة ، وعلى المحاكاة والمماثلة في العمل ، والمراد هنا كِلا الإطلاقين ليرجع النهي إلى النهي عن مخالفة الأمرين المأمور بهما في قوله { فادع واستقم } .وضمير { أهواءهم } للذين ذكروا من قبل من المشركين والذين أوتوا الكتاب ، والمقصود : نهي المسلمين عن ذلك من باب { لَئن أشركتَ ليحبَطَنَّ عَمَلُك } [ الزمر : 65 ] ألا ترى إلى قوله : { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك }في سورة هود ( 112 ) .ويجوز أن يكون معنى { ولاَ تتبع أهواءَهم } لا تجارِهم في معاملتهم ، أي لا يحملك طعنهم في دعوتك على عدم ذكر فضائل رُسلهم وهدي كتبهم عدا ما بدَّلوه منها فأعْلِن بأنك مؤمن بكتبهم ، ولذلك عطف على قوله : { ولا تتبع أهواءهم } قولُه : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } الآية ، فموقع واو العطف فيه بمنزلة موقع فاء التفريع . ويكون المعنى كقوله تعالى : { ولا يَجْرِمنَّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } في سورة المائدة ( 8 ) .والأهواء : جمع هوى وهو المحبة ، وغلب على محبة ما لاَ نفع فيه ، أي ادعهم إلى الحق وإن كرهوه ، واستقم أنت ومن معك وإن عادَاكم أهل الكتاب فهم يحبون أن تتبعوا ملتهم ، وهذا من معنى قوله : { ولن ترضَى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قُل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } [ البقرة : 120 ] .وقوله : { وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } بعد قوله : { فادع } أمرٌ بمخالفة اليهود إذ قالوا : { نؤمن ببعضٍ } [ النساء : 150 ] يعنون التوراة ، { ونكفر ببعضٍ } [ النساء : 150 ] يعنون الإنجيل والقرآن ، فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالإيمان بالكتب الثلاثة الموحى بها من الله كما قال تعالى : { وتؤمنون بالكتاب كلّه } [ آل عمران : 119 ] . فالمعنى : وقل لمن يهمه هذا القول وهم اليهود . وإنما أمر بأن يقول ذلك إعلاناً به وإبلاغاً لأسماع اليهود ، فلا يقابِل إنكارَهم حقّيَّةَ كتابه بإنكاره حقّيّةَ كتابهم وفي هذا إظهار لِما تشتمل عليه دعوته من الإنصاف .و { من كتاب } بيان لما أنزل الله ، فالتنكير في { كتاب } للنوعية ، أي بأي كتاب أنزله الله وليس يومئذٍ كتاب معروف غير التوراة والإنجيل والقرآن .وضمير { بينكم } خِطاب للذين أمر بأن يُوجه هذا القول إليهم وهم اليهود ، أي أمرت أن أقيم بينَكم العدل بأن أدعوكم إلى الحق ولا أظلمكم لأجل عداواتكم ولكني أنفذ أمر الله فيكم ولا أنتمي إلى اليهود ولا إلى النصارى . ومعنى { بينكم } أنني أقيم العدل بينكم فلا ترون بينكم جوراً مني ، ف ( بين ) هنا ظرف متحد غير موزَّع فهو بمعنى وسَط الجَمع وخلالَه ، بخلاف ( بين ) في قول القائل : قضَى بين الخصمين أو قسم المال بين العفاة . فليس المعنى : لأعدل بين فرقكم إذ لا يقتضيه السياق .وفي هذه الآية مع كونها نازلة في مكة في زمن ضعف المسلمين إعجاز بالغيب يدل على أن الرّسول صلى الله عليه وسلم سيكون له الحكم على يهود بلاد العرب مثل أهل خيبر وتيماءَ وقُريظة والنضِير وبني قَيْنُقَاع ، وقد عَدَل فيهم وأقرهم على أمرهم حتى ظاهروا عليه الأحزاب كما تقدم في سورة الأحزاب .واللام في قوله : { لأعدل } لامٌ يكثر وقوعها بعد أفعال مادتَيْ الأمر والإرَادة ، نحو قوله تعالى : { يُريد الله ليبيّنَ لكم } [ النساء : 26 ] ، وتقدم الكلام عليها وبعضهم يجعلها زائدة .وجملة { الله ربنا وربكم } من المأمور بأن يقوله . فهي كلها جملة مستأنفة عن جُملة { آمنت بما أنزل الله من كتاب } مقررةٌ لمضمونها لأن المقصود من جملة { الله ربنا وربكم } بِحذَافِرها هو قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } فهي مقررة لمضمون { آمنت بما أنزل الله من كتاب } ، وإنما ابتدئت بجملتي { الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } تمهيداً للغرض المقصود وهو لا حجة بيننا وبينكم ، فلذلك كانت الجمل كلّها مفصولة عن جملة { آمنت بما أنزل الله من كتاب وأُمرت لأعدل بينكم } .والمقصود من قوله : { الله ربنا وربكم } أننا متفقون على توحيد الله تعالى كقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً } [ آل عمران : 64 ] الآية ، أي فالله الشهيد علينا وعليكم إذ كذبتم كتاباً أنزل من عنده ، فالخبر مستعمل في التسجيل والإلزام .وجملة { لنا أعمالنا ولكم أعمالكم } دعوةُ إنصاف ، أي أن الله يجازي كُلاً بعمله . وهذا خبر مستعمل في التهديد والتنبيه على الخطأ . وجملة { لا حجة بيننا وبينكم } هي الغرض المقصود بعد قوله { وأُمرت لأعدل بينكم } أي أعدل بينكم ولا أخاصمكم على إنكاركم صدقي .والحجة : الدليل الذي يدلّ المسوق إليه على صدق دعوى القائم به وإنما تكون الحجة بين مختلِفين في دعوى . ونفيُ الحجة نفي جنس يجوز أن يكون كناية عن نفي المجادلة التي من شأنها وقوع الاحتجاج كناية عن عدم التصدّي لخصومتهم فيكون المعنى الامساكُ عن مجادلتهم لأن الحق ظهر وهم مكابرون فيه وهذا تعريض بأن الجدال معهم ليس بذي جدوَى . ويجوز أن يكون المنفي جنسَ الحجة المفيدةِ ، بمعونة القرينة مثل : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . والمعنى : أن الاستمرار على الاحتجاج عليهم بعد ما أظهر لهم من الأدلة يكون من العبث ، وهذا تعريض بأنهم مُكَابرون . وأيّاً مّا كان فليس هذا النفي مستعملاً في النهي عن التصدّي للاحتجاج عليهم فقد حاجّهم القرآن في آيات كثيرة نزلت بعدَ هذه وحاجّهم النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الرجم وقد قال الله تعالى : { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } [ العنكبوت : 46 ] فالاستثناء صريح في مشروعية مجادلتهم .و ( بين ) المكررة في قوله : { بيننا وبينكم } ظرف موزع على جماعاتتِ أو أفرادِ ضمير المتكلم المشارَككِ . وضمير المخاطبين ، كما يقال : قَسم بينهم ، وهذا مخالف ل ( بين ) المتقدم آنفاً .والمراد بالجمع في قوله : { الله يجمع بيننا } الحشر لفصل القضاء ، فيومئذٍ يتبين المحق من المبطل ، وهذا كلام منصف . ولما كان مثل هذا الكلام لا يصدر إلا من الواثق بحقه كان خطابُهم به مستعملاً في المتاركة والمحاجزة ، أي سأترك جدالكم ومحاجّتكم لقلة جدواها فيكم وأفوض أمري إلى الله يقضي بيننا يوم يجمعنا ، فهذا تعريض بأن القضاء سيكون له عليهم . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { الله يجمع بيننا } للتقوّي ، أي تحقيق وقوع هذا الجمع وإلا فإن المخاطبين وهم اليهود يثبتون البعث .و ( بَين ) هنا ظرف موزَّع مثلُ الذي في قوله : { لا حجة بيننا وبينكم } .وجملة { وإليه المصير } عطف على جملة { يجمع بيننا } . والتعريف في { المصير } للاستغراق ، أي مصير النّاس كلّهم ، فبذلك كانت الجملة تذييلاً بما فيها من العموم ، أي مصيرنا ومصيركم ومصير الخلق كلهم .وهذه الجمل الأربع تقتضي المحاجزة بين المؤمنين وبين اليهود وهي محاجزة في المقاولة ومتاركة في المقاتلة في ذلك الوقت حتى أذن الله في قتالهم لما ظاهروا الأحزاب .وليس في صيغ هذه الجمل ما يقتضي دوام المتاركة إذ ليس فيها ما يقتضي عموم الأزمنة فليس الأمر بقتال بعضهم بعد يوم الأحزاب ناسخاً لهذه الآية .
{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ } أي: فللدين القويم والصراط المستقيم، الذي أنزل الله به كتبه وأرسل رسله، فادع إليه أمتك وحضهم عليه، وجاهد عليه، من لم يقبله، { وَاسْتَقِمْ } بنفسك { كَمَا أُمِرْتَ } أي: استقامة موافقة لأمر الله، لا تفريط ولا إفراط، بل امتثالا لأوامر الله واجتنابا لنواهيه، على وجه الاستمرار على ذلك، فأمره بتكميل نفسه بلزوم الاستقامة، وبتكميل غيره بالدعوة إلى ذلك.ومن المعلوم أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إذا لم يرد تخصيص له.{ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } أي: أهواء المنحرفين عن الدين، من الكفرة والمنافقين إما باتباعهم على بعض دينهم، أو بترك الدعوة إلى الله، أو بترك الاستقامة، فإنك إن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، ولم يقل: "ولا تتبع دينهم"" لأن حقيقة دينهم الذي شرعه الله لهم، هو دين الرسل كلهم، ولكنهم لم يتبعوه، بل اتبعوا أهواءهم، واتخذوا دينهم لهوا ولعبا.{ وَقُلْ } لهم عند جدالهم ومناظرتهم: { آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي: لتكن مناظرتك لهم مبنية على هذا الأصل العظيم، الدال على شرف الإسلام وجلالته وهيمنته على سائر الأديان، وأن الدين الذي يزعم أهل الكتاب أنهم عليه جزء من الإسلام، وفي هذا إرشاد إلى أن أهل الكتاب إن ناظروا مناظرة مبنية على الإيمان ببعض الكتب، أو ببعض الرسل دون غيره، فلا يسلم لهم ذلك، لأن الكتاب الذي يدعون إليه، والرسول الذي ينتسبون إليه، من شرطه أن يكون مصدقا بهذا القرآن وبمن جاء به، فكتابنا ورسولنا لم يأمرنا إلا بالإيمان بموسى وعيسى والتوراة والإنجيل، التي أخبر بها وصدق بها، وأخبر أنها مصدقة له ومقرة بصحته.وأما مجرد التوراة والإنجيل، وموسى وعيسى، الذين لم يوصفوا لنا، ولم يوافقوا لكتابنا، فلم يأمرنا بالإيمان بهم.وقوله: { وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } أي: في الحكم فيما اختلفتم فيه، فلا تمنعني عداوتكم وبغضكم، يا أهل الكتاب من العدل بينكم، ومن العدل في الحكم، بين أهل الأقوال المختلفة، من أهل الكتاب وغيرهم، أن يقبل ما معهم من الحق، ويرد ما معهم من الباطل، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي: هو رب الجميع، لستم بأحق به منا. { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } من خير وشر { لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } أي: بعد ما تبينت الحقائق، واتضح الحق من الباطل، والهدى من الضلال، لم يبق للجدال والمنازعة محل، لأن المقصود من الجدال، إنما هو بيان الحق من الباطل، ليهتدي الراشد، ولتقوم الحجة على الغاوي، وليس المراد بهذا أن أهل الكتاب لا يجادلون، كيف والله يقول: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وإنما المراد ما ذكرنا.{ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } يوم القيامة، فيجزي كلا بعمله، ويتبين حينئذ الصادق من الكاذب."
قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير .قوله تعالى : فلذلك فادع واستقم لما أجاز أن يكون الشك لليهود والنصارى ، أو لقريش قيل له : فلذلك فادع أي : فتبينت شكهم فادع إلى الله ، أي : إلى ذلك الدين الذي شرعه الله للأنبياء ووصاهم به . فاللام بمعنى إلى ، كقوله تعالى : بأن ربك أوحى لها أي : إليها . ( وذلك ) بمعنى هذا . وقد تقدم أول ( البقرة ) والمعنى فلهذا القرآن فادع . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع . وقيل : إن اللام على بابها ، والمعنى : فمن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع واستقم . قال ابن عباس : أي : إلى القرآن فادع الخلق . ( واستقم ) خطاب له عليه السلام . قال قتادة : أي : استقم على أمر الله . وقال سفيان : أي : استقم على القرآن . وقال الضحاك : استقم على تبليغ الرسالة .ولا تتبع أهواءهم أي لا تنظر إلى خلاف من خالفك . وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم أي أن أعدل ، كقوله تعالى : وأمرت أن أسلم لرب العالمين [ ص: 14 ] وقيل : هي لام كي ، أي : لكي أعدل . قال ابن عباس وأبو العالية : لأسوي بينكم في الدين فأؤمن بكل كتاب وبكل رسول . وقال غيرهما : لأعدل في جميع الأحوال . وقيل : هذا العدل هو العدل في الأحكام . وقيل : في التبليغ . الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم قال ابن عباس ومجاهد : الخطاب لليهود ، أي : لنا ديننا ولكم دينكم . قال : نسخت بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية . قال مجاهد : ومعنى لا حجة بيننا وبينكم لا خصومة بيننا وبينكم . وقيل : ليس بمنسوخ ، لأن البراهين قد ظهرت ، والحجج قد قامت ، فلم يبق إلا العناد ، وبعد العناد لا حجة ولا جدال . قال النحاس : ويجوز أن يكون معنى : لا حجة بيننا وبينكم على ذلك القول : لم يؤمر أن يحتج عليكم ويقاتلكم ، ثم نسخ هذا . كما أن قائلا لو قال من قبل أن تحول القبلة : لا تصل إلى الكعبة ، ثم حول الناس بعد ، لجاز أن يقال نسخ ذلك . الله يجمع بيننا يريد يوم القيامة . وإليه المصير أي فهو يحكم بيننا إذا صرنا إليه ، ويجازي كلا بما كان عليه . وقيل : إن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة ، وقد سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع عن دعوته ودينه إلى دين قريش ، على أن يعطيه الوليد نصف ماله ويزوجه شيبة بابنته .
Here the ‘Book’ means the original religion which was revealed through the prophets and ‘desire’ (ahwa’) refers to the fabrications which human beings on their own added to the original religion of Truth. The Prophet was instructed to be firm on the original religion. Even on the grounds of dawah considerations, he was forbidden to make any concessions to man-made religions. He was told that his duty was to uphold justice, i.e. to take decisions about religious differences and show what was right and what was wrong; which part was from God and which was later added to religion by way of human interpolation. ‘There is no contention between us and you’ means that, in spite of your quarrelling with us, we will not start quarrelling with you. In other words, even if you introduce negative tactics, we will unilaterally adhere to our positive approach. The responsibility of a dayee is simply to convey the message of Truth. All other matters are left to God. Harassing those who have accepted the Truth and embroiling them in unnecessary wrangling is the most oppressive and unworthy practice. Those who do so run the risk of incurring the wrath of God and facing severe punishment in the Hereafter.
فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِن كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّـهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
"So, (0 prophet,) towards that (faith) invite (people), and be steadfast as you are commanded, and do not follow their desires, and say, "I believe in whatever book Allah has sent down. And I have been ordered to do justice among you. Allah is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you, your deeds. There is no argumentation between us and you. Allah will bring us together, and to Him is the final return." (42:15)
Hafiz Ibn Kathir has stated that this verse comprises ten sentences, and each sentence carries a specific order. As such, ten types of precepts are stated in this one verse. No other verse in the entire Qur'an has this peculiarity, except 'Ayat-ul-kursiyy which comprises ten types of precepts as well.
The first order فَلِذٰلِکَ فَادعُ (So, 0 Prophet, towards that faith invite people) means: ` Although your call towards ` tauhid' (Oneness of Allah) sits very heavy on the polytheists, it is no cause for you to give up your invitational call, and you should continue with it.
The second order وَاستَقِم کَمَآ اُمِرتَ (and be steadfast as you are commanded) says, ` You yourself ought to stand firm in the religion towards which you are inviting other people. This firmness has to be in accordance with the command of Allah, that is, to be on the moderate side in your beliefs, deeds, morals, habits and social behavior - there should not be even the slightest inclination towards the extremes of ifrat (overdoing something) or tafrit (falling short in something). Obviously such a firmness is not easy. That is why when some noble companions pointed out to the Holy Prophet ﷺ that some of hairs have turned grey, he said, "Surah Hud has turned me old." This very order (of standing firm as commanded) has been given in Surah Hud also in the same very words. (The meaning of standing firm, the difficulties in observing it and its importance are discussed in detail in the commentary on Surah Hud on page 673 of volume 4 of Ma'ariful Qur'an).
The third command وَلَا تَتَّبِع اَھوَآَء ھُم (do not follow their desires - ) directs the Holy Prophet ﷺ not to be concerned about the opposition of any opponent in his duty of propagation.
The fourth command قُل اٰمَنتُ بِمَآ اَنزَلَ اللہُ مَن کِتابً (and say "I believe in whatever book Allah has sent down" ) is to announce that the Holy Prophet ﷺ believes not only in the Book that has been revealed to him, but he believes in all the former divine books.
The fifth command اُمِرتُ لِاَعدِلَ بَینَکُم (I have been ordered to do justice among you) apparently relates to doing justice in the matters of dispute brought to him. But some exegetes have taken the meaning of adl' to be ` equality' and thus have taken the sentence to mean that he should treat all the commands of religion equally by believing in all the prophets (علیہم السلام) ، in all the Books and by obeying all the Divine laws without any exception.
The sixth sentence اَللہُ رَبُّنَا is ` Allah is our Lord and you Lord.' which means that all of us are nourished by Allah.
The seventh sentence لَنَآ اعمالُنَا وَ لَکُم اَعمَالُکُم (For us are our deeds and for you, your deeds) states that our deeds would be for us only and you would neither gain nor lose due to our deeds, and your deeds would be for you only and we would neither gain nor lose due to your deeds. Some exegetes have stated that this verse was revealed in Makkah before the command for jihad with non-Muslims was revealed; the verses conveying the command for jihad have cancelled this command, because the essence of jihad is to subjugate those people by fighting who do not accept the advice and exhortation - not to let them remain in the state of kufr. And some exegetes have stated that this command has not been cancelled; what it means is that since the truth has been proved through logical arguments, its non-acceptance can only be due to enmity and obstinacy, and as such, everybody is responsible for his own deeds. (Qurtubi)
The eighth command لَا حُجَّۃ بَینَنَا و بینَکُم (there is no argumentations between us and you -) is that since the disbelievers do not accept the truth, despite its having been proved, which demonstrates their enmity, therefore, further discussion is useless and now there would be no more arguments between the Holy Prophet ﷺ and the disbelievers.
The ninth sentence اَللہُ یَجمَع بیننَا (Allah will bring us together -) states that on the Day of Judgment, Allah Almighty would gather all of us together and would requite every deed.
The tenth declaration وَاِلَیہِ المَصِیر (and to Him is the final return -) is that all of us would return to Him.
(Unto this, then, summon (O Muhammad)) summon unto belief in Allah's divine Oneness and to the Scripture of your Lord. (And be thou upright) in your profession of Allah's divine Oneness (as thou art commanded) in the Qur'an, (and follow not their lusts) and follow not the Qiblah and religion of the Jews, (but say: I believe in whatever Scripture Allah hath sent down) of Scriptures to the prophets, (and I am commanded) in the Qur'an (to be just among you) through faith in Allah's divine Oneness. (Allah is our Lord and your Lord) He will judge between us on the Day of Judgement. (Unto us our works) unto us is the worship of Allah and the religion of Islam (and unto you your works) and against you is the worship of idols and Satan's religion; (no argument between us and you) regarding religion. (Allah will bring us together) on the Day of Judgement, (and unto Him is the journeying) and unto Him is the destination of both believers and disbelievers.