How the Disbelievers have agreed in this World to deny the Truth,and how They will dispute with One Another on the Day ofResurrection
Allah tells us about the excessive wrongdoing and stubbornness of the disbelievers, and their insistence on not believing in the Holy Qur'an and what it tells them about the Resurrection. Allah says:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـذَا الْقُرْءَانِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
(And those who disbelieve say: "We believe not in this Qur'an nor in that which was before it.") Allah threatens them and warns them of the humiliating position they will be in before Him, arguing and disputing with one another:
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ
(how they will cast the (blaming) word one to another! Those who were deemed weak) this refers to the followers --
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ
to those who were arrogant -- this refers to the leaders and masters --
لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
(Had it not been for you, we should certainly have been believers!) meaning, `if you had not stopped us, we would have followed the Messengers and believed in what they brought.' Their leaders and masters, those who were arrogant, will say to them:
أَنَحْنُ صَدَدنَـكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ
(Did we keep you back from guidance after it had come to you) meaning, `we did nothing more to you than to call you, and you followed us without any evidence or proof, and you went against the evidence and proof which the Messengers brought because of your own desires; it was your own choice.' They will say:
بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَوَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ
("...Nay, but you were criminals." Those who were deemed weak will say to those who were arrogant: "Nay, but it was your plotting by night and day...") meaning, `you used to plot against us night and day, tempting us with promises and false hopes, and telling us that we were truly guided and that we were following something, but all of that was falsehood and manifest lies.' Qatadah and Ibn Zayd said:
بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ
(Nay, but it was your plotting by night and day,) means, "You plotted by night and day." Malik narrated something similar from Zayd bin Aslam.
إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً
(when you ordered us to disbelieve in Allah and set up rivals to Him!) means, `to set up gods as equal to Him, and you created doubts and confusion in our minds, and you fabricated far-fetched ideas with which to lead us astray.'
وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ
(And each of them (parties) will conceal their own regrets, when they behold the torment.) means, both the leaders and the followers will feel regret for what they did previously.
وَجَعَلْنَا الاٌّغْلَـلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
(And We shall put iron collars round the necks of those who disbelieved.) This is a chain which will tie their hands to their necks.
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(Are they requited aught except what they used to do) means, they will be punished according to their deeds: the leaders will be punished according to what they did, and the followers will be punished according to what they did.
قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ
(He will say: "For each one there is double (torment), but you know not.") (7:38). Ibn Abi Hatim recorded that Abu Hurayrah, may Allah be pleased with him, said, "The Messenger of Allah ﷺ said:
«إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّا سِيقَ إِلَيْهَا أَهْلُهَا تَلَقَّاهُمْ لَهَبُهَا، ثُمَّ لَفَحَتْهُمْ لَفْحَةً فَلَمْ يَبْقَ لَحْمٌ إِلَّا سَقَطَ عَلَى الْعُرْقُوب»
(When the people of Hell are driven towards it, it will meet them with its flames, then the Fire will burn their faces and the flesh will all fall to their hamstrings.)"
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـفِرُونَ - وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَلاً وَأَوْلَـداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ - وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلِحاً فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الْغُرُفَـتِ ءَامِنُونَ - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَـتِنَا مُعَـجِزِينَ أُوْلَـئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
And those who were oppressed will say to those who were arrogant ‘Nay but it was your scheming night and day in other words such were your schemes against us during both of these times when you used to command us to disbelieve in God and set up partners with Him’. And they that is the two parties will conceal their remorse for not having believed in Him when they see the chastisement in other words each person will hide it his remorse from the next for fear of being reviled; and We will place fetters around the necks of the disbelievers while they are in the Fire. Shall they be requited except the requital for what they used to do? in the world.
وقال المستضعفون لرؤسائهم في الضلال: بل تدبيركم الشر لنا في الليل والنهار هو الذي أوقعنا في التهلكة، فكنتم تطلبون منا أن نكفر بالله، ونجعل له شركاء في العبادة، وأسرَّ كُلٌّ من الفريقين الحسرة حين رأوا العذاب الذي أُعدَّ لهم، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، لا يعاقَبون بهذا العقاب إلا بسبب كفرهم بالله وعملهم السيئات في الدنيا. وفي الآية تحذير شديد من متابعة دعاة الضلال وأئمة الطغيان.
"بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهـار " أى بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا وتغرونا وتمنونا وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين قال قتادة وابن زيد " بل مكر الليل والنهار "يقول بل مكركم بالليل والنهـار وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم مكركم بالليل والنهار " إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا " أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب " أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه " وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا " وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم " هل يجزون إلا ما كانوا يعملون " أي إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم " قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ".قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب " وحدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا الطيب أو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب قال فحدثته أبا سليمان يعني الداراني رحمة الله عليه فبكى ثم قال ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه فجعل القيد في رجليه والغل في يديه والسلسلة فى عنقه ثم أدخل النار وأدخل المغار ؟ اللهم سلم.
ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن للمرة الثانية ردهم عليهم فقال : ( وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا ) فى الرد عليهم بسحرة وألم : ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) أى قالوا لهم أنتم لستم صاقين فى قولكم لنا : إنكم لم تصدرونا عن اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمرنا لنا بأن نكفر بالله - تعالى - ونجعل له أندادا ، أى شركاء فى العبادة والطاعة . كل ذلك هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق الذى جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم .والمكر : هو الاحتيال والخديعة . يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا . وهو هنا فاعل محذوف والتقدير : بل الذى صدنا عن الإِيمان مكركم بنا فى الليل والنهار ، فحذف المضاف إليه واقيم مقامه الظرف اتساعا .وقوله : ( إِذْ تَأْمُرُونَنَآ . . ) ظرف للمكر . أى : بل مركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق والهدى .قال الجمل : وقوله ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) يجوز رفع ( مَكْرُ ) من ثلاثة أوجه : أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم فى هذين الوقتين ، الثانى أن يكون مبتدأ خبره محذوف . أى : مكر الليل صدنا عن اتباع الحق . الثالث : العكس ، أى : سبب كفرنا مكركم . وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإِسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع فى الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه .والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه - : ( وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) يعود إلى الأتباع والزعماء . وأسروا من الإِسرار بمعنى الكتمان والإِخفاء .أى : وأضمر الذين استضعفوا والمستبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه ، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق .فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم .وقيل إن ( وَأَسَرُّواْ الندامة ) بمعنى أظروها : لأن لفظ أسر من الأضداد .قال الآلوسى ما ملخصه : ( وَأَسَرُّواْ ) أى : أضمر الظالمون من الفريقين ( الندامة ) على ما كان منهم فى الدنيا . . ( لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق .وقيل : أسروا الندامة . بمعنى أظهروهان فإن لفظ " أسر " من الأضداد ، إذ الهمزة تصلح للإِثبات وللسلب ، فمعنى أسره : جعله سره ، أو أزال سره . .ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال : ( وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والأغلال . جمع غل وهى القيود التى يقيد بها المجرمون .أى : وجعلنا القيود فى أعناق الذين كفروا جميعا ، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا . وما جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم السيئة . وأقوالهم القبيحة .وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا ، ما يكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندم ، ومن عداوة وبغضاء ، ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر ، بدون احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين كانوا يذلونهم فى الدنيا ، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التى كان الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا ، وأصبح الجميع يوم السحاب فى الذلة سواء ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)يقول تعالى ذكره: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) من الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة (لِلَّذِينّ اسْتَكْبَرُوا) فيها، فكانوا لهم رؤساء (بَلْ مَكْرُ) كم لنا بـ(اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) صدنا عن الهدى ( إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ ) أمثالا وأشباهًا في العبادة والألوهة، فأضيف إلى الليل والنهار. والمعنى ما ذكرنا من مكر المستكبرين بالمستضعفين في الليل والنهار، على اتساع العرب في الذي قد عُرِفَ معناها فيه من منطقها، من نقل صفة الشيء إلى غيره، فتقول للرجل: يا فلان نهارك صائم وليلك قائم، وكما &; 20-408 &; قال الشاعر:وَنِمْتِ ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بنَائمِ (1)وما أشبه ذلك مما قد مضى بياننا له في غير هذا الموضع من كتابنا هذا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ) يقول: بل مكركم بنا في الليل والنهار أيها العظماء الرؤساء حتى أزلتمونا عن عبادة الله.وقد ذُكر في تأويله عن سعيد بن جبير ما حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) قال: مرُّ الليل والنهار.وقوله ( إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ) يقول: حين تأمروننا أن نكفر بالله.وقوله (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) يقول: شركاء.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) شركاء.قوله ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) يقول: وندموا على ما فرطوا من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعده لهم.كما حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَأَسَرُّوا الندَامَةَ) بينهم ( لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) .قوله ( وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وغلت أيدي الكافرين بالله في جهنم إلى أعناقهم في جوامع من نار جهنم، جزاء بما كانوا بالله في الدنيا يكفرون، يقول جل ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها، ومكافأة لهم عليها.------------------------الهوامش:(1) هذا عجز بيت لجرير بن عطية الخطفي الشاعر الإسلامي، وصدره:لقـد لمتنـا يـا أم غيـلان في السرى(ديوانه طبعة الصاوي 554) واستشهد به المؤلف على أنك تقول يا فلان نهارك صائم وليلك قائم، فتسلم الصيام والقيام إلى الليل والنهار إسنادا مجازيا عقليا، والأصل فيه أن يسند الصيام والقيام للرجل لا للزمان، وذلك من باب التوسع المجازي، العلاقة هنا الزمانية، والقرينة هنا عقلية. وذلك نظير قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار). أصله: بل مكركم بنا في الليل والنهار، ثم أسند الفعل إليهما. قال الفراء في (معاني القرآن ، الورقة 274): وقوله: (بل مكر الليل والنهار): المكر ليس لليل ولا النهار، وإنما المعنى: بل مكركم بالليل والنهار. وقد يجوز أن تضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين؛ لأن العرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو المعنى للآدميين، كما تقول: نام ليلك. ا . هـ.
( وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار ) أي : مكركم بنا في الليل والنهار ، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام ؟ كما قال الشاعر :ونمت وما ليل المطي بنائموقيل : مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما ، كقوله تعالى : " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " ( الحديد - 16 ) .( إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا ) أظهروا ) ( الندامة ) وقيل : أخفوا ، وهو من الأضداد ( لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ) في النار الأتباع والمتبوعين جميعا . ( هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) من الكفر والمعاصي في الدنيا .
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33){ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ اليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله } .لم تَجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب المجيد وقدمناه في قوله : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] الآية ، فجِيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا { أنحن صددناكم } [ سبأ : 32 ] الآية لنكتة دقيقة ، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى تكملة لمقالتهم المحكية بقوله : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } [ سبأ : 31 ] تنبيهاً على أن مقالتهم تلقَّفها الذين استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام كلامهم وأبلعوهم ريقَهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا كلامهم من فرط الجَزع أن يؤاخذوا بما يقوله المستضعفون .وحكي قولهم هذا بفعل الماضي لمزاوجة كلام الذين استكبروا لأن قول الذين استضعفوا هذا بعد أن كان تكملة لقولهم الذي قاطعه المستكبرون ، انقلبَ جواباً عن تبرُّؤ المستكبِرين من أن يكونوا صدُّوا المستضعَفين عن الهدى ، فصار لقول المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو ، ويقتضي الموقع الآخر قرنه بحرف { بل } وبزيادة { مكر الليل والنهار } . وأصل الكلام : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين إذ تأمروننا بالليل والنهار أن نكفر بالله الخ . فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام المستضعفين حرف { بل } إبطالاً لقول المستكبرين { بل كنتم مجرمين } [ سبأ : 32 ] . وبذلك أفاد تكملةَ الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين ، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبِرين فقط ، وهذا من أبدع الإِيجاز .و { بل } للإِضراب الإِبطالي أيضاً إبطالاً لمقتضَى القصر في قولهم : { أنحن صددناكم عن الهدى } [ سبأ : 32 ] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإِنكاري له معنى النفي .و { مكر الليل والنهار } من الإِضافة على معنى ( في ) . وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق ، أي مكركم بنا .وارتفع { مكر } على الابتداء . والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه . فالتقدير : بل مكركم صَدَّنا ، فيفيد القصر ، أي ما صدَّنا إلاّ مكركم ، وهو نقض تام لقولهم : { أنحن صددناكم عن الهدى } [ سبأ : 32 ] وقولِهم : { بل كنتم مجرمين } [ سبأ : 32 ] .والمكر : الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليَغُرّ المحتال عليه ، وتقدم في قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله } في آل عمران ( 54 ) .وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك ، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم : إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك . والاحتيال لا يقتضي أن المحتَال غيرُ مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله .والمعنى : ملازمتهم المكر ليلاً ونهاراً ، وهو كناية عن دوام الإِلحاح عليهم في التمسك بالشرك . وإذ تأمروننا } ظرف لما في { مكر الليل والنهار } من معنى ( صدّنا ) أي حين تأمروننا أن نكفر بالله .والأنداد : جمع نِدّ ، وهو المماثل ، أي نجعل لله أمثالاً في الإِلهية .وهذا تطاولٌ من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم .وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } الآيتين في سورة البقرة ( 166 ) .لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا } .يجوز أن يكون عطفاً على جملة { يرجع بعضهم إلى بعض القول } [ سبأ : 31 ] فتكون حالاً . ويجوز أن تعطف على جملة { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } [ سبأ : 31 ] .وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبلُ وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا . والمعنى : أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم ، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم ، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يُغن عن أحد من الفريقين شيئاً ، فحينئذٍ أيقنوا بالخيبة وندِموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرُّوا الندامة في أنفسهم ، وكأنهم أسَرُّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف ، وقد أعلنوا بها من بعدُ كما في قوله تعالى : { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } في سورة الأنعام ( 31 ) ، وقوله : { لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } في سورة الزمر ( 58 ) .وذكر الزمخشري وابن عطية : أن من المفسرين مَن فسّر أسَرّوا } هنا بمعنى أظهروا ، وزعم أن ( أسرّ ) مشترك بين ضدين . فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإِسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس: ... تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراًعليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي ... وأما ابن عطية فأنكره ، وقال : «ولم يثبت قط في اللغة أن ( أسرّ ) من الأضداد» . قلت : وفيه نظر . وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق: ... ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفهأسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا ... وفي كتاب «الأضداد» لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم : ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره . وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } [ سبأ : 31 ] . وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى : { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } [ الفرقان : 27 ] الآية .والندامة : التحسُّر من عمل فات تداركه . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { فأصبح من النادمين } في سورة المائدة ( 31 ) .{ رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال فى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا } .عطف على جملة { إذ الظالمون موقوفون } [ سبأ : 31 ] .والتقدير : ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا . وجواب ( لو ) المحذوفُ جواب للشرطين .و { الأغلال } : جمع غُلّ بضم الغين ، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل ، وتقدم في أول سورة الرعد . وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه . وتقدم عند قوله تعالى : { وأولئك الأغلال في أعناقهم } في الرعد ( 5 ) . والذين كفروا } هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإِتيان بالاسم الظاهر وكونِه موصولاً للإِيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر ، ولذلك عقب بجملة { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، كأن سائلاً استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم .والاستفهام ب { هل } مستعمل في الإِنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء ، فتقدير المعنى : هل جُزوا بغير ما كانوا يعملون ، والاستثناء مفرّغ .و { ما كانوا يعملون } هو المفعول الثاني لفعل { يجزون } لأن ( جَزى ) يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى ، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى : عَوَّضه .وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ ، أي مثل ما كانوا يعملون ، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى : { جزاء وفاقاً } [ النبأ : 26 ] .واعلم أن كونه مماثلاً في المقدار أمر لا يعلمه إلا مُقَدِّرُ الحقائق والنيات ، وأما كونه { وفاقاً } في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبَّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى : { أتعبدون ما تنحتون } [ الصافات : 95 ] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى : { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] .ومن غُرَر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند قوله تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } [ غافر : 71 ] فسأله بعض الحاضرين : هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم الله من الإِتيان بالمحاربين ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى ( في حد الفاحشة ) فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكاً إنما أجاز القياس على فعل الله في الدنيا ، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلا بُدَّ لِجوازه من دليل .
{ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا } أي: بل الذي دهانا منكم, ووصل إلينا من إضلالكم, ما دبرتموه من المكر, في الليل والنهار, إذ تُحَسِّنون لنا الكفر, وتدعوننا إليه, وتقولون: إنه الحق, وتقدحون في الحق وتهجنونه, وتزعمون أنه الباطل، فما زال مكركم بنا, وكيدكم إيانا, حتى أغويتمونا وفتنتمونا.فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم من بعض, والندامة العظيمة, ولهذا قال: { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو من العذاب, وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم, وتمنى أن لو كان على الحق, [وأنه] ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب, سرا في أنفسهم, لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. وفي بعض مواقف القيامة, وعند دخولهم النار, يظهرون ذلك الندم جهرا.{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } الآيات.{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } يغلون كما يغل المسجون الذي سيهان في سجنه كما قال تعالى { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } الآيات.{ هَلْ يُجْزَوْنَ } في هذا العذاب والنكال, وتلك الأغلال الثقال { إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والفسوق والعصيان.
وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة ، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار . قال الأخفش : هو على تقدير : هذا مكر الليل والنهار . قال النحاس : والمعنى - والله أعلم - بل مكركم في الليل والنهار ، أي مساواتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا . وقال سفيان الثوري : بل عملكم في الليل والنهار . قتادة : بل مكركم بالليل والنهار صدنا ; فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما ، وهو كقوله تعالى : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر فأضاف الأجل إلى نفسه ، ثم قال : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة إذ كان الأجل لهم . وهذا من قبيل قولك : ليله قائم ونهاره صائم . قال المبرد : أي بل مكركم الليل والنهار ، كما تقول العرب : نهاره صائم وليله قائم . وأنشد لجرير :لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائموأنشد سيبويه :فنام ليلي وتجلى هميأي نمت فيه . ونظيره : " والنهار مبصرا " . وقرأ قتادة : ( بل مكر الليل والنهار ) بتنوين ( مكر ) ونصب ( الليل والنهار ) ، والتقدير : بل مكر كائن في الليل والنهار ، فحذف . وقرأ سعيد بن جبير ( بل مكر ) بفتح الكاف وشد الراء بمعنى الكرور ، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف . ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دل عليه ( أنحن صددناكم ) كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدنا مكر الليل والنهار . وروي عن سعيد بن جبير بل مكر الليل والنهار قال : مر الليل والنهار عليهم فغفلوا . وقيل : طول السلامة فيهما كقوله فطال عليهم الأمد . وقرأ راشد ( بل مكر الليل والنهار ) بالنصب ، كما تقول : رأيته مقدم الحاج ، وإنما يجوز هذا فيما يعرف ، لو قلت : رأيته مقدم زيد ، لم يجز ; ذكره النحاس . إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا أي أشباها وأمثالا ونظراء . قال محمد بن يزيد : فلان ند فلان ، أي مثله . ويقال نديد ; وأنشد :أينما تجعلون إلي ندا وما أنتم لذي حسب نديد[ ص: 273 ] وقد مضى هذا في ( البقرة ) . ( وأسروا الندامة ) أي أظهروها ، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء . قال امرؤ القيس :تجاوزت أحراسا وأهوال معشر علي حراصا لو يسرون مقتليوروي ( يشرون ) . وقيل : وأسروا الندامة لما رأوا العذاب أي تبينت الندامة في أسرار وجوههم . قيل : الندامة لا تظهر ، وإنما تكون في القلب ، وإنما يظهر ما يتولد عنها ، حسبما تقدم بيانه في سورة ( يونس ، وآل عمران ) . وقيل : إظهارهم الندامة قولهم : فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين . وقيل : أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها ; كما قال : وأسروا النجوى . وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا الأغلال جمع غل ، يقال : في رقبته غل من حديد . ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق : غل قمل ، وأصله أن الغل كان يكون من قد وعليه شعر فيقمل . وغللت يده إلى عنقه ; وقد غل فهو مغلول ، يقال : ما له أل وغل . والغل أيضا والغلة : حرارة العطش ، وكذلك الغليل ; يقال منه : غل الرجل يغل غللا فهو مغلول ، على ما لم يسم فاعله ; عن الجوهري . أي جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين . قيل من غير هؤلاء الفريقين . وقيل يرجع الذين كفروا إليهم . وقيل : تم الكلام عند قوله : لما رأوا العذاب ثم ابتدأ فقال : وجعلنا الأغلال بعد ذلك في أعناق سائر الكفار . هل يجزون إلا ما كانوا يعملون في الدنيا .
Denial of Truth is the greatest crime. The result of this crime does not become apparent to an individual in this world. Therefore, he goes on fearlessly denying the Truth. But, in the Hereafter, when the adverse effect of denying the Truth impinges on the deniers, they will be caught in a state of turmoil. The common people, in this world, were proud of their leaders, but once in the Hereafter, they will curse them. In reply, their leaders will say, ‘Don’t blame us to cover up your ignominy. It was not we who misguided you but your own desires. You were with us simply because our words were in consonance with your own desires. You wanted a religion in which you could get credit for being righteous without taking much trouble and without changing yourself, and we provided you with it. You put our noose around your neck of your own accord; otherwise, we had no power to do so.’
Commentary
That Allah is One and that His power is absolute was the subject in previous verses. In the present verse, it is being said that the Holy Prophet ﷺ “ was sent as the Messenger of Allah to all peoples of the world who are there now or will come in the future.
The word: كَافَّةً (Kaaffah) in: كَافَّةً لِلنَاس Kaaffatal-lin-naas: for all peoples) is used in the sense of making something universal and inclusive of all without the exclusion of anyone from it. The grammatical arrangement of the text required saying: لِلنَاس (lin-naasi kaaffatan: for the people as a whole) because the word: (kaaffah: all) is grammatically a hal (adverb) relatable to the word نَاس (naas: people). But, in order to put a clear accent on the universality of the mission of the Last Rasul of Allah, the word: كَافَّةً (Kaaffah: all) was set to come earlier.
The mission of a messenger or prophet assigned to all prophets sent before the Holy Prophet ﷺ was restricted to some particular people and particular geographical area. It is the peculiarity of the Sayyidna Muhammad al-Mustafa ﷺ ، that his prophetic mission is common and open to all peoples of the world. In fact, it is not simply for human beings, but is so for the Jinns as well. And then, it is not just for those who were present during his blessed time, but is universally applicable to all human generations to come right up to the last day of Qiyamah. And this very fact of the continuity and survival of his mission as prophet and messenger demands that he has to be the Last and Final of the prophets and that no prophet is to come after his appearance. The reason is that another prophet is sent when the law and teachings of the one before him are distorted or altered. Thus, a second prophet is sent to reform the people and reinstate them according to Allah's pleasure. As for the Shari’ ah of the Holy Prophet ﷺ and that of His own Book, the Qur'an, right through the last day of Qiyamah, the responsibility of its protection has already been undertaken by Allah Ta’ ala Himself. Therefore, it will hold on and survive till Qiyamah in its original state and there would be no need for some other prophet to be sent.
According to a narration of Sayyidna Jabir ؓ appearing in the Sahihs of al-Bukhari and Muslim and elsewhere, the Holy Prophet ﷺ has been reported to have said: 'I have been given five things that have not been given to anyone else before me: (1) That Allah Ta’ ala helped me by placing in my person such an awe as it is felt by the people from the distance of a month of travel. (2) That the whole earth has been declared to be a masjid and a purifier for me (in the religious codes of past prophets, their worship used to be performed only in particular places set up as houses of worship. Worship was not allowed outside their appointed prayer places, either in the open or inside homes. For the Muslim community, Allah Ta’ ala made the whole earth a masjid in the sense that Salah can be made everywhere - and in the absence of water not being available or its use being harmful, the dust of the earth was made tahur or purifier so that it could be used to make tayammum which becomes a valid alternate of wudu). (3) That property from the spoils has been made halal for me. Before me, it was not halal for any other community (among whom the rule was to assemble the war spoils collected from the disbelieving adversary and deposit it at an appointed place in the belief that some fire or lightening would descend from the heavens and burn it, and this act of burning would itself be the sign of the acceptance of their religious war. For the Muslim community, distributing the spoils in accordance with the rule enunciated by the Qur'an and spending it as needed was made permissible). (4) That I was given the station of the Great Intercession اِلشَّفَاعَت اَلکُبرَیٰ : ash-Shafa'ah al-Kubra) (that is, when no prophet would dare intercede on behalf of others on the fateful plains of the Resurrection [ al-hashr ], I shall, then, be given the opportunity to intercede). (5) That before me, every prophet was sent to his particular people - I have been sent as a prophet to all peoples of the world. (Ibn Kathir)
(Those who were despised) those who were oppressed, who are the lowly among people (say unto those who were proud) their leaders: (Nay but (it was your) scheming night and day) it is what you said to us by day and night, (when ye commanded us to disbelieve in Allah) when you told us to disbelieve in Muhammad (pbuh) and in the Qur'an (and set up rivals) equals and forms (unto Him. And they are filled with remorse) both the leaders and those who obeyed them (when they behold the doom; and We place carcans on the necks of those who disbelieved) in Muhammad (pbuh) and in the Qur'an. He says: their hands were tied to their necks. (Are they requited) on the Day of Judgement (aught save what they did) and said in their state of disbelief?
How the Disbelievers have agreed in this World to deny the Truth,and how They will dispute with One Another on the Day ofResurrection
Allah tells us about the excessive wrongdoing and stubbornness of the disbelievers, and their insistence on not believing in the Holy Qur'an and what it tells them about the Resurrection. Allah says:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـذَا الْقُرْءَانِ وَلاَ بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
(And those who disbelieve say: "We believe not in this Qur'an nor in that which was before it.") Allah threatens them and warns them of the humiliating position they will be in before Him, arguing and disputing with one another:
يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ
(how they will cast the (blaming) word one to another! Those who were deemed weak) this refers to the followers --
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ
to those who were arrogant -- this refers to the leaders and masters --
لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
(Had it not been for you, we should certainly have been believers!) meaning, `if you had not stopped us, we would have followed the Messengers and believed in what they brought.' Their leaders and masters, those who were arrogant, will say to them:
أَنَحْنُ صَدَدنَـكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ
(Did we keep you back from guidance after it had come to you) meaning, `we did nothing more to you than to call you, and you followed us without any evidence or proof, and you went against the evidence and proof which the Messengers brought because of your own desires; it was your own choice.' They will say:
بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَوَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ
("...Nay, but you were criminals." Those who were deemed weak will say to those who were arrogant: "Nay, but it was your plotting by night and day...") meaning, `you used to plot against us night and day, tempting us with promises and false hopes, and telling us that we were truly guided and that we were following something, but all of that was falsehood and manifest lies.' Qatadah and Ibn Zayd said:
بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ
(Nay, but it was your plotting by night and day,) means, "You plotted by night and day." Malik narrated something similar from Zayd bin Aslam.
إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً
(when you ordered us to disbelieve in Allah and set up rivals to Him!) means, `to set up gods as equal to Him, and you created doubts and confusion in our minds, and you fabricated far-fetched ideas with which to lead us astray.'
وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ
(And each of them (parties) will conceal their own regrets, when they behold the torment.) means, both the leaders and the followers will feel regret for what they did previously.
وَجَعَلْنَا الاٌّغْلَـلَ فِى أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
(And We shall put iron collars round the necks of those who disbelieved.) This is a chain which will tie their hands to their necks.
هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(Are they requited aught except what they used to do) means, they will be punished according to their deeds: the leaders will be punished according to what they did, and the followers will be punished according to what they did.
قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ
(He will say: "For each one there is double (torment), but you know not.") (7:38). Ibn Abi Hatim recorded that Abu Hurayrah, may Allah be pleased with him, said, "The Messenger of Allah ﷺ said:
«إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَّا سِيقَ إِلَيْهَا أَهْلُهَا تَلَقَّاهُمْ لَهَبُهَا، ثُمَّ لَفَحَتْهُمْ لَفْحَةً فَلَمْ يَبْقَ لَحْمٌ إِلَّا سَقَطَ عَلَى الْعُرْقُوب»
(When the people of Hell are driven towards it, it will meet them with its flames, then the Fire will burn their faces and the flesh will all fall to their hamstrings.)"
وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـفِرُونَ - وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَلاً وَأَوْلَـداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ - قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ - وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلِحاً فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الْغُرُفَـتِ ءَامِنُونَ - وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَـتِنَا مُعَـجِزِينَ أُوْلَـئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
And those who were oppressed will say to those who were arrogant ‘Nay but it was your scheming night and day in other words such were your schemes against us during both of these times when you used to command us to disbelieve in God and set up partners with Him’. And they that is the two parties will conceal their remorse for not having believed in Him when they see the chastisement in other words each person will hide it his remorse from the next for fear of being reviled; and We will place fetters around the necks of the disbelievers while they are in the Fire. Shall they be requited except the requital for what they used to do? in the world.
وقال المستضعفون لرؤسائهم في الضلال: بل تدبيركم الشر لنا في الليل والنهار هو الذي أوقعنا في التهلكة، فكنتم تطلبون منا أن نكفر بالله، ونجعل له شركاء في العبادة، وأسرَّ كُلٌّ من الفريقين الحسرة حين رأوا العذاب الذي أُعدَّ لهم، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا، لا يعاقَبون بهذا العقاب إلا بسبب كفرهم بالله وعملهم السيئات في الدنيا. وفي الآية تحذير شديد من متابعة دعاة الضلال وأئمة الطغيان.
"بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهـار " أى بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا وتغرونا وتمنونا وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين قال قتادة وابن زيد " بل مكر الليل والنهار "يقول بل مكركم بالليل والنهـار وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم مكركم بالليل والنهار " إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا " أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب " أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه " وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا " وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم " هل يجزون إلا ما كانوا يعملون " أي إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم " قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ".قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب " وحدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا الطيب أو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب قال فحدثته أبا سليمان يعني الداراني رحمة الله عليه فبكى ثم قال ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه فجعل القيد في رجليه والغل في يديه والسلسلة فى عنقه ثم أدخل النار وأدخل المغار ؟ اللهم سلم.
ولم يقتنع الأتباع بما رد به عليهم السادة والكبراء ، بل حكى القرآن للمرة الثانية ردهم عليهم فقال : ( وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا ) فى الرد عليهم بسحرة وألم : ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) أى قالوا لهم أنتم لستم صاقين فى قولكم لنا : إنكم لم تصدرونا عن اتباع الهدى بعد إذ جاءنا بل إن مكركم بنا الليل والنهار وإغراءكم لنا بالبقاء على الكفر وتهديدكم إيانا بالقتل أو التعذيب إذا ما خالفناكم ، وأمرنا لنا بأن نكفر بالله - تعالى - ونجعل له أندادا ، أى شركاء فى العبادة والطاعة . كل ذلك هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق الذى جاءنا به الرسول صلى الله عليه وسلم .والمكر : هو الاحتيال والخديعة . يقال مكر فلان بفلان ، إذا خدعه وأراد به شرا . وهو هنا فاعل محذوف والتقدير : بل الذى صدنا عن الإِيمان مكركم بنا فى الليل والنهار ، فحذف المضاف إليه واقيم مقامه الظرف اتساعا .وقوله : ( إِذْ تَأْمُرُونَنَآ . . ) ظرف للمكر . أى : بل مركم الدائم بنا وقت أمركم لنا بأن نكفر بالله ونجعل له أشباها ونظراء نعبدها من دونه - تعالى - هو الذى حال بيننا وبين اتباع الحق والهدى .قال الجمل : وقوله ( بَلْ مَكْرُ الليل والنهار ) يجوز رفع ( مَكْرُ ) من ثلاثة أوجه : أحدها : على الفاعلية بتقدير : بل صدنا مكركم فى هذين الوقتين ، الثانى أن يكون مبتدأ خبره محذوف . أى : مكر الليل صدنا عن اتباع الحق . الثالث : العكس ، أى : سبب كفرنا مكركم . وإضافة المكر إلى الليل والنهار إما على الإِسناد المجازى كقولهم : ليل ماكر ، فيكون مصدرا مضافا لمرفوعه وإما على الاتساع فى الظرف ، فجعل كالمفعول به فيكون مضافا لمنصوبه .والضمير المرفوع فى قوله - سبحانه - : ( وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) يعود إلى الأتباع والزعماء . وأسروا من الإِسرار بمعنى الكتمان والإِخفاء .أى : وأضمر الذين استضعفوا والمستبرون الندامة والحسرة حين شاهدوا العذاب المعد لهم جميعا ، وذلك لأنهم بهتوا وشدهوا حين عاينوه ، ودفنت الكلمات فى صدورهم فلم يتمكنوا من النطق بها وأصابهم ما أصابهم من الكمد الذى يجعل الشفاه لا تتحرك ، والألسنة لا تنطق .فالمقصود من إسرار الندامة : بيان عجزهم الشديد عن النطق بما يريدون النطق به لفظاعة ما شهدوه من عذاب غليظ قد أعد لهم .وقيل إن ( وَأَسَرُّواْ الندامة ) بمعنى أظروها : لأن لفظ أسر من الأضداد .قال الآلوسى ما ملخصه : ( وَأَسَرُّواْ ) أى : أضمر الظالمون من الفريقين ( الندامة ) على ما كان منهم فى الدنيا . . ( لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق .وقيل : أسروا الندامة . بمعنى أظهروهان فإن لفظ " أسر " من الأضداد ، إذ الهمزة تصلح للإِثبات وللسلب ، فمعنى أسره : جعله سره ، أو أزال سره . .ثم بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب بسبب كفرهم فقال : ( وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .والأغلال . جمع غل وهى القيود التى يقيد بها المجرمون .أى : وجعلنا القيود فى أعناق الذين كفروا جميعا ، سواء منهم من كان تابعا أم متبوعا . وما جزيناهم بهذا الجزاء المهين الأليم ، إلا بسبب أعمالهم السيئة . وأقوالهم القبيحة .وهكذا نرى الآيات الكريمة تصور لنا تصويرا مؤثرا بديعا ، ما يكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة وندم ، ومن عداوة وبغضاء ، ومن تهم يلقيها كل فريق على الآخر ، بدون احترام من المستضعفين لزعمائهم الذين كانوا يذلونهم فى الدنيا ، بعد أن سقطت وزالت الهيبة الزائفة التى كان الزعماء يحيطون بها أنفسهم فى الحياة الدنيا ، وأصبح الجميع يوم السحاب فى الذلة سواء ( وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)يقول تعالى ذكره: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) من الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة (لِلَّذِينّ اسْتَكْبَرُوا) فيها، فكانوا لهم رؤساء (بَلْ مَكْرُ) كم لنا بـ(اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) صدنا عن الهدى ( إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ ) أمثالا وأشباهًا في العبادة والألوهة، فأضيف إلى الليل والنهار. والمعنى ما ذكرنا من مكر المستكبرين بالمستضعفين في الليل والنهار، على اتساع العرب في الذي قد عُرِفَ معناها فيه من منطقها، من نقل صفة الشيء إلى غيره، فتقول للرجل: يا فلان نهارك صائم وليلك قائم، وكما &; 20-408 &; قال الشاعر:وَنِمْتِ ومَا لَيْلُ المَطِيِّ بنَائمِ (1)وما أشبه ذلك مما قد مضى بياننا له في غير هذا الموضع من كتابنا هذا.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ) يقول: بل مكركم بنا في الليل والنهار أيها العظماء الرؤساء حتى أزلتمونا عن عبادة الله.وقد ذُكر في تأويله عن سعيد بن جبير ما حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) قال: مرُّ الليل والنهار.وقوله ( إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ) يقول: حين تأمروننا أن نكفر بالله.وقوله (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) يقول: شركاء.كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) شركاء.قوله ( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) يقول: وندموا على ما فرطوا من طاعة الله في الدنيا حين عاينوا عذاب الله الذي أعده لهم.كما حدثنا بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَأَسَرُّوا الندَامَةَ) بينهم ( لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ) .قوله ( وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) وغلت أيدي الكافرين بالله في جهنم إلى أعناقهم في جوامع من نار جهنم، جزاء بما كانوا بالله في الدنيا يكفرون، يقول جل ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها، ومكافأة لهم عليها.------------------------الهوامش:(1) هذا عجز بيت لجرير بن عطية الخطفي الشاعر الإسلامي، وصدره:لقـد لمتنـا يـا أم غيـلان في السرى(ديوانه طبعة الصاوي 554) واستشهد به المؤلف على أنك تقول يا فلان نهارك صائم وليلك قائم، فتسلم الصيام والقيام إلى الليل والنهار إسنادا مجازيا عقليا، والأصل فيه أن يسند الصيام والقيام للرجل لا للزمان، وذلك من باب التوسع المجازي، العلاقة هنا الزمانية، والقرينة هنا عقلية. وذلك نظير قوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار). أصله: بل مكركم بنا في الليل والنهار، ثم أسند الفعل إليهما. قال الفراء في (معاني القرآن ، الورقة 274): وقوله: (بل مكر الليل والنهار): المكر ليس لليل ولا النهار، وإنما المعنى: بل مكركم بالليل والنهار. وقد يجوز أن تضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين؛ لأن العرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو المعنى للآدميين، كما تقول: نام ليلك. ا . هـ.
( وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار ) أي : مكركم بنا في الليل والنهار ، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام ؟ كما قال الشاعر :ونمت وما ليل المطي بنائموقيل : مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما ، كقوله تعالى : " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " ( الحديد - 16 ) .( إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا ) أظهروا ) ( الندامة ) وقيل : أخفوا ، وهو من الأضداد ( لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ) في النار الأتباع والمتبوعين جميعا . ( هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) من الكفر والمعاصي في الدنيا .
وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33){ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ اليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله } .لم تَجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب المجيد وقدمناه في قوله : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة : 30 ] الآية ، فجِيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا { أنحن صددناكم } [ سبأ : 32 ] الآية لنكتة دقيقة ، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى تكملة لمقالتهم المحكية بقوله : { يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } [ سبأ : 31 ] تنبيهاً على أن مقالتهم تلقَّفها الذين استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام كلامهم وأبلعوهم ريقَهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا كلامهم من فرط الجَزع أن يؤاخذوا بما يقوله المستضعفون .وحكي قولهم هذا بفعل الماضي لمزاوجة كلام الذين استكبروا لأن قول الذين استضعفوا هذا بعد أن كان تكملة لقولهم الذي قاطعه المستكبرون ، انقلبَ جواباً عن تبرُّؤ المستكبِرين من أن يكونوا صدُّوا المستضعَفين عن الهدى ، فصار لقول المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو ، ويقتضي الموقع الآخر قرنه بحرف { بل } وبزيادة { مكر الليل والنهار } . وأصل الكلام : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين إذ تأمروننا بالليل والنهار أن نكفر بالله الخ . فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام المستضعفين حرف { بل } إبطالاً لقول المستكبرين { بل كنتم مجرمين } [ سبأ : 32 ] . وبذلك أفاد تكملةَ الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين ، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبِرين فقط ، وهذا من أبدع الإِيجاز .و { بل } للإِضراب الإِبطالي أيضاً إبطالاً لمقتضَى القصر في قولهم : { أنحن صددناكم عن الهدى } [ سبأ : 32 ] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإِنكاري له معنى النفي .و { مكر الليل والنهار } من الإِضافة على معنى ( في ) . وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق ، أي مكركم بنا .وارتفع { مكر } على الابتداء . والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه . فالتقدير : بل مكركم صَدَّنا ، فيفيد القصر ، أي ما صدَّنا إلاّ مكركم ، وهو نقض تام لقولهم : { أنحن صددناكم عن الهدى } [ سبأ : 32 ] وقولِهم : { بل كنتم مجرمين } [ سبأ : 32 ] .والمكر : الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليَغُرّ المحتال عليه ، وتقدم في قوله تعالى : { ومكروا ومكر الله } في آل عمران ( 54 ) .وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك ، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم : إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك . والاحتيال لا يقتضي أن المحتَال غيرُ مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله .والمعنى : ملازمتهم المكر ليلاً ونهاراً ، وهو كناية عن دوام الإِلحاح عليهم في التمسك بالشرك . وإذ تأمروننا } ظرف لما في { مكر الليل والنهار } من معنى ( صدّنا ) أي حين تأمروننا أن نكفر بالله .والأنداد : جمع نِدّ ، وهو المماثل ، أي نجعل لله أمثالاً في الإِلهية .وهذا تطاولٌ من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم .وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } الآيتين في سورة البقرة ( 166 ) .لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا } .يجوز أن يكون عطفاً على جملة { يرجع بعضهم إلى بعض القول } [ سبأ : 31 ] فتكون حالاً . ويجوز أن تعطف على جملة { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } [ سبأ : 31 ] .وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبلُ وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا . والمعنى : أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم ، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم ، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يُغن عن أحد من الفريقين شيئاً ، فحينئذٍ أيقنوا بالخيبة وندِموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرُّوا الندامة في أنفسهم ، وكأنهم أسَرُّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف ، وقد أعلنوا بها من بعدُ كما في قوله تعالى : { قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } في سورة الأنعام ( 31 ) ، وقوله : { لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } في سورة الزمر ( 58 ) .وذكر الزمخشري وابن عطية : أن من المفسرين مَن فسّر أسَرّوا } هنا بمعنى أظهروا ، وزعم أن ( أسرّ ) مشترك بين ضدين . فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإِسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس: ... تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراًعليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي ... وأما ابن عطية فأنكره ، وقال : «ولم يثبت قط في اللغة أن ( أسرّ ) من الأضداد» . قلت : وفيه نظر . وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق: ... ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفهأسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا ... وفي كتاب «الأضداد» لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم : ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره . وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم : { لولا أنتم لكنا مؤمنين } [ سبأ : 31 ] . وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى : { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } [ الفرقان : 27 ] الآية .والندامة : التحسُّر من عمل فات تداركه . وقد تقدمت عند قوله تعالى : { فأصبح من النادمين } في سورة المائدة ( 31 ) .{ رَأَوُاْ العذاب وَجَعَلْنَا الاغلال فى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا } .عطف على جملة { إذ الظالمون موقوفون } [ سبأ : 31 ] .والتقدير : ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا . وجواب ( لو ) المحذوفُ جواب للشرطين .و { الأغلال } : جمع غُلّ بضم الغين ، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل ، وتقدم في أول سورة الرعد . وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه . وتقدم عند قوله تعالى : { وأولئك الأغلال في أعناقهم } في الرعد ( 5 ) . والذين كفروا } هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإِتيان بالاسم الظاهر وكونِه موصولاً للإِيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر ، ولذلك عقب بجملة { هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } مستأنفة استئنافاً بيانياً ، كأن سائلاً استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم .والاستفهام ب { هل } مستعمل في الإِنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء ، فتقدير المعنى : هل جُزوا بغير ما كانوا يعملون ، والاستثناء مفرّغ .و { ما كانوا يعملون } هو المفعول الثاني لفعل { يجزون } لأن ( جَزى ) يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى ، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى : عَوَّضه .وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ ، أي مثل ما كانوا يعملون ، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى : { جزاء وفاقاً } [ النبأ : 26 ] .واعلم أن كونه مماثلاً في المقدار أمر لا يعلمه إلا مُقَدِّرُ الحقائق والنيات ، وأما كونه { وفاقاً } في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبَّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى : { أتعبدون ما تنحتون } [ الصافات : 95 ] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى : { وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] .ومن غُرَر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند قوله تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } [ غافر : 71 ] فسأله بعض الحاضرين : هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم الله من الإِتيان بالمحاربين ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى ( في حد الفاحشة ) فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكاً إنما أجاز القياس على فعل الله في الدنيا ، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلا بُدَّ لِجوازه من دليل .
{ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا } أي: بل الذي دهانا منكم, ووصل إلينا من إضلالكم, ما دبرتموه من المكر, في الليل والنهار, إذ تُحَسِّنون لنا الكفر, وتدعوننا إليه, وتقولون: إنه الحق, وتقدحون في الحق وتهجنونه, وتزعمون أنه الباطل، فما زال مكركم بنا, وكيدكم إيانا, حتى أغويتمونا وفتنتمونا.فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم من بعض, والندامة العظيمة, ولهذا قال: { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو من العذاب, وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم, وتمنى أن لو كان على الحق, [وأنه] ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب, سرا في أنفسهم, لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. وفي بعض مواقف القيامة, وعند دخولهم النار, يظهرون ذلك الندم جهرا.{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا } الآيات.{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ } { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } يغلون كما يغل المسجون الذي سيهان في سجنه كما قال تعالى { إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } الآيات.{ هَلْ يُجْزَوْنَ } في هذا العذاب والنكال, وتلك الأغلال الثقال { إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والفسوق والعصيان.
وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة ، وقد مكر به يمكر فهو ماكر ومكار . قال الأخفش : هو على تقدير : هذا مكر الليل والنهار . قال النحاس : والمعنى - والله أعلم - بل مكركم في الليل والنهار ، أي مساواتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا . وقال سفيان الثوري : بل عملكم في الليل والنهار . قتادة : بل مكركم بالليل والنهار صدنا ; فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما ، وهو كقوله تعالى : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر فأضاف الأجل إلى نفسه ، ثم قال : فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة إذ كان الأجل لهم . وهذا من قبيل قولك : ليله قائم ونهاره صائم . قال المبرد : أي بل مكركم الليل والنهار ، كما تقول العرب : نهاره صائم وليله قائم . وأنشد لجرير :لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائموأنشد سيبويه :فنام ليلي وتجلى هميأي نمت فيه . ونظيره : " والنهار مبصرا " . وقرأ قتادة : ( بل مكر الليل والنهار ) بتنوين ( مكر ) ونصب ( الليل والنهار ) ، والتقدير : بل مكر كائن في الليل والنهار ، فحذف . وقرأ سعيد بن جبير ( بل مكر ) بفتح الكاف وشد الراء بمعنى الكرور ، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف . ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دل عليه ( أنحن صددناكم ) كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدنا مكر الليل والنهار . وروي عن سعيد بن جبير بل مكر الليل والنهار قال : مر الليل والنهار عليهم فغفلوا . وقيل : طول السلامة فيهما كقوله فطال عليهم الأمد . وقرأ راشد ( بل مكر الليل والنهار ) بالنصب ، كما تقول : رأيته مقدم الحاج ، وإنما يجوز هذا فيما يعرف ، لو قلت : رأيته مقدم زيد ، لم يجز ; ذكره النحاس . إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا أي أشباها وأمثالا ونظراء . قال محمد بن يزيد : فلان ند فلان ، أي مثله . ويقال نديد ; وأنشد :أينما تجعلون إلي ندا وما أنتم لذي حسب نديد[ ص: 273 ] وقد مضى هذا في ( البقرة ) . ( وأسروا الندامة ) أي أظهروها ، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء . قال امرؤ القيس :تجاوزت أحراسا وأهوال معشر علي حراصا لو يسرون مقتليوروي ( يشرون ) . وقيل : وأسروا الندامة لما رأوا العذاب أي تبينت الندامة في أسرار وجوههم . قيل : الندامة لا تظهر ، وإنما تكون في القلب ، وإنما يظهر ما يتولد عنها ، حسبما تقدم بيانه في سورة ( يونس ، وآل عمران ) . وقيل : إظهارهم الندامة قولهم : فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين . وقيل : أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها ; كما قال : وأسروا النجوى . وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا الأغلال جمع غل ، يقال : في رقبته غل من حديد . ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق : غل قمل ، وأصله أن الغل كان يكون من قد وعليه شعر فيقمل . وغللت يده إلى عنقه ; وقد غل فهو مغلول ، يقال : ما له أل وغل . والغل أيضا والغلة : حرارة العطش ، وكذلك الغليل ; يقال منه : غل الرجل يغل غللا فهو مغلول ، على ما لم يسم فاعله ; عن الجوهري . أي جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين . قيل من غير هؤلاء الفريقين . وقيل يرجع الذين كفروا إليهم . وقيل : تم الكلام عند قوله : لما رأوا العذاب ثم ابتدأ فقال : وجعلنا الأغلال بعد ذلك في أعناق سائر الكفار . هل يجزون إلا ما كانوا يعملون في الدنيا .
Denial of Truth is the greatest crime. The result of this crime does not become apparent to an individual in this world. Therefore, he goes on fearlessly denying the Truth. But, in the Hereafter, when the adverse effect of denying the Truth impinges on the deniers, they will be caught in a state of turmoil. The common people, in this world, were proud of their leaders, but once in the Hereafter, they will curse them. In reply, their leaders will say, ‘Don’t blame us to cover up your ignominy. It was not we who misguided you but your own desires. You were with us simply because our words were in consonance with your own desires. You wanted a religion in which you could get credit for being righteous without taking much trouble and without changing yourself, and we provided you with it. You put our noose around your neck of your own accord; otherwise, we had no power to do so.’
Commentary
That Allah is One and that His power is absolute was the subject in previous verses. In the present verse, it is being said that the Holy Prophet ﷺ “ was sent as the Messenger of Allah to all peoples of the world who are there now or will come in the future.
The word: كَافَّةً (Kaaffah) in: كَافَّةً لِلنَاس Kaaffatal-lin-naas: for all peoples) is used in the sense of making something universal and inclusive of all without the exclusion of anyone from it. The grammatical arrangement of the text required saying: لِلنَاس (lin-naasi kaaffatan: for the people as a whole) because the word: (kaaffah: all) is grammatically a hal (adverb) relatable to the word نَاس (naas: people). But, in order to put a clear accent on the universality of the mission of the Last Rasul of Allah, the word: كَافَّةً (Kaaffah: all) was set to come earlier.
The mission of a messenger or prophet assigned to all prophets sent before the Holy Prophet ﷺ was restricted to some particular people and particular geographical area. It is the peculiarity of the Sayyidna Muhammad al-Mustafa ﷺ ، that his prophetic mission is common and open to all peoples of the world. In fact, it is not simply for human beings, but is so for the Jinns as well. And then, it is not just for those who were present during his blessed time, but is universally applicable to all human generations to come right up to the last day of Qiyamah. And this very fact of the continuity and survival of his mission as prophet and messenger demands that he has to be the Last and Final of the prophets and that no prophet is to come after his appearance. The reason is that another prophet is sent when the law and teachings of the one before him are distorted or altered. Thus, a second prophet is sent to reform the people and reinstate them according to Allah's pleasure. As for the Shari’ ah of the Holy Prophet ﷺ and that of His own Book, the Qur'an, right through the last day of Qiyamah, the responsibility of its protection has already been undertaken by Allah Ta’ ala Himself. Therefore, it will hold on and survive till Qiyamah in its original state and there would be no need for some other prophet to be sent.
According to a narration of Sayyidna Jabir ؓ appearing in the Sahihs of al-Bukhari and Muslim and elsewhere, the Holy Prophet ﷺ has been reported to have said: 'I have been given five things that have not been given to anyone else before me: (1) That Allah Ta’ ala helped me by placing in my person such an awe as it is felt by the people from the distance of a month of travel. (2) That the whole earth has been declared to be a masjid and a purifier for me (in the religious codes of past prophets, their worship used to be performed only in particular places set up as houses of worship. Worship was not allowed outside their appointed prayer places, either in the open or inside homes. For the Muslim community, Allah Ta’ ala made the whole earth a masjid in the sense that Salah can be made everywhere - and in the absence of water not being available or its use being harmful, the dust of the earth was made tahur or purifier so that it could be used to make tayammum which becomes a valid alternate of wudu). (3) That property from the spoils has been made halal for me. Before me, it was not halal for any other community (among whom the rule was to assemble the war spoils collected from the disbelieving adversary and deposit it at an appointed place in the belief that some fire or lightening would descend from the heavens and burn it, and this act of burning would itself be the sign of the acceptance of their religious war. For the Muslim community, distributing the spoils in accordance with the rule enunciated by the Qur'an and spending it as needed was made permissible). (4) That I was given the station of the Great Intercession اِلشَّفَاعَت اَلکُبرَیٰ : ash-Shafa'ah al-Kubra) (that is, when no prophet would dare intercede on behalf of others on the fateful plains of the Resurrection [ al-hashr ], I shall, then, be given the opportunity to intercede). (5) That before me, every prophet was sent to his particular people - I have been sent as a prophet to all peoples of the world. (Ibn Kathir)
(Those who were despised) those who were oppressed, who are the lowly among people (say unto those who were proud) their leaders: (Nay but (it was your) scheming night and day) it is what you said to us by day and night, (when ye commanded us to disbelieve in Allah) when you told us to disbelieve in Muhammad (pbuh) and in the Qur'an (and set up rivals) equals and forms (unto Him. And they are filled with remorse) both the leaders and those who obeyed them (when they behold the doom; and We place carcans on the necks of those who disbelieved) in Muhammad (pbuh) and in the Qur'an. He says: their hands were tied to their necks. (Are they requited) on the Day of Judgement (aught save what they did) and said in their state of disbelief?