بِخَلَـقِهِمْ
(their portion), means, they mocked their religion, according to Al-Hasan Al-Basri. Allah's statement,
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ
(and you indulged in play and pastime as they indulged in play and pastime), indulged in lies and falsehood,
أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـلُهُمْ
(Such are they whose deeds are in vain), their deeds are annulled; they will not acquire any rewards for them because they are invalid,
فِي الدنْيَا وَالاٌّخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَـسِرُونَ
(in this world and in the Hereafter. Such are they who are the losers.) because they will not acquire any rewards for their actions. Ibn `Abbas commented, "How similar is this night to the last night,
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
(Like those before you...) These are the Children of Israel, with whom we were compared. The Prophet said,
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُحْرَ ضَبَ لَدَخَلْتُمُوه»
(By He in Whose Hand is my life! You will imitate them, and even if a man of them entered the den of a lizard, you will enter it likewise!)" Abu Hurayrah narrated that the Messenger of Allah ﷺ said,
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبَ لَدَخَلْتُمُوه»
قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال:
«فَمَنْ؟»
(By He in Whose Hand is my soul! You will follow the traditions of those who were before you a hand span for a hand-span and forearm's length for forearm's length, and an arm's length for an arm's length. And even if they enter the den of a lizard, you will also enter it.) They asked, "Who, O Allah's Messenger, the People of the Book" He said, (Who else)" This Hadith is similar to another Hadith collected in the Sahih.
You O hypocrites are like those before you who were far mightier than you and more abundant in wealth and children. They enjoyed their share their lot in this world. So you enjoy O hypocrites your share just as those before you enjoyed their share and you indulge in vain talk in falsehood and defamation of the Prophet s just as they indulged in vain talk. Those their works have become invalid in this world and in the Hereafter; and those they indeed are the losers.
إن أفعالكم -معشر المنافقين- من الاستهزاء والكفر كأفعال الأمم السابقة التي كانت على جانب من القوة والمال والأولاد أشد منكم، فاطْمَأنوا إلى الحياة الدنيا، وتَمتَّعوا بما فيها من الحظوظ والملذات، فاستمعتم أيها المنافقون بنصيبكم من الشهوات الفانية كاستمتاع الذين من قبلكم بحظوظهم الفانية، وخضتم بالكذب على الله كخوض تلك الأمم قبلكم، أولئك الموصوفون بهذه الأخلاق هم الذين ذهبت حسناتهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون ببيعهم نعيم الآخرة بحظوظهم من الدنيا.
يقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم وقوله بخلاقهم قال الحسن بأيديهم وقوله" وخضتم كالذي خاضوا" أي في الكذب والباطل أولئك حبطت أعمالهم أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب قال ابن جرير عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله كالذين من قبلكم الآية قال ابن عباس ما أشبه الليلة بالبارحة" كالذين من قبلكم" هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه قال ابن جريج وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا ومن هم يا رسول الله؟ أهل الكتاب قال فمن؟ وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وزاد قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم القرآن" كالذين من قبلكم"الآية. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين " وخضتم كالذي خاضوا " قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال فهل الناس إلا هم؟ وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.
ثم ساقت السورة الكريمة - لهؤلاء المنافقين - نماذج لمن حبطت أعمالهم بسبب غرورهم ، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى - : ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ . . . . أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .قوله - تعالى - ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً . . . ) جاء على أسلوب الالفتات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين ، وتحريك نفوسهم إلا الاعتبار والاتعاظ .والكاف فى قوله : ( كالذين ) للتشبيه ، وهى فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف .والتقدير : أنتم - أيها المنافقون - حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة فى الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، ولكن هؤلاء الطغاة المهلكين ، يمتازون عنكم بأنهم ( كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ) فى أبدانهم ، وكانوا " أكثر " منكم ( أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ) .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله - تعالى - والخلاق : مشق من الخلق بمعنى التقدير . وأطلق على الحظ والنصيب لأنه مقدر لصاحبه .أى : كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، ولكنهم لم يشكروا الله على إحسانه ، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم ، واستمتعوا بنصيبهم المقدر لهم فى هذه الحياة الدنيا ، استمتاع الجاحدين الفاسقين .والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب فى قوله : ( فاستمتعوا ) ؛ للإِشعار بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم ، قد استعملوها فى غير ما خلقت له ، وسخروها لإِرضاء شهواتهم الخسيسة ، وملذاتهم الدنيئة .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) ذم للمخاطبين وللذين سبقوهم؛ لانتهاجهم جميعاً طريق الشر والبطر .أى : فأنتم - أيها المنافقون - قد استمعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ الدنيا ، وشهواتها الباطلة ، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبكم فى ذلك .وقوله : ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) معطوف على ما قبله .أى : وخضتم - أيها المنافقون - فى حمأة الباطل وفى طريق الغرور والهوى ، كالخوض الذى خاضه السابقون من الأمم المهلكة .قال الآلوسى قوله : " وخضتم " أى : دخلتم فى الباطل ( كالذي خاضوا ) .أى : كالذين فحذفت نونه تخفيفاً ، كما فى قول الشاعر :إن الذى حانت بفلج دماؤهم ... هم القو كل القوم يا أم خالدويجوز أن يكون " الذى " صفة لمفرد اللفظ ، مجموع المعنى ، كالفوج والفريق ، فلوحظ فى الصفة اللفظ . وفى الضمير المعنى ، و هو صفة لمصدر محذوف ، أى : كالخوض الذى خاضوه ، ورجح بعدم التكلف فيه .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فائدة فى قوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) وقوله : ( كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) مغن عنه كما أغنى قوله : ( كالذي خاضوا ) عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا؟قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائم بشهواتهم الفانية عن النظر فى العاقبة ، وطلب الفلاح فى الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبيه بعض الظلمة على سماجة فعله فنقول : أنت مثل فرعون : كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله .وأما ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن باسناده إليه عن تلك التقدمة .وقوله : ( أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) بيان لسوء مصيرهم فى الدارين .واسما الإِشارة يودان على المتصفين بتلك الصفات القحبية من السابقين واللاحقين .أى : أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم فى الشهوات الخسيسة ، والخائضون فى الشرور والآثام " حبطت أعمالهم " أى : فسدت وبطلت أعمالهم التى كانوا يرجون منفعتها ( فِي الدنيا والآخرة ) لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان أو إخلاص ، وإنما كان معها الرياء والنفاق ، والفسوق والعصيان ، والله - تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم .وقوله : ( وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) أى : الكاملون فى الخسران ، الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك .
القول في تأويل قوله : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ : أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون؟ =(كالذين من قبلكم)، من الأمم الذين فعلوا فعلكم، فأهلكهم الله, وعجل لهم في الدنيا الخزي، مع ما أعدَّ لهم من العقوبة والنكال في الآخرة. يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حلّ بهم, فإنهم كانوا أشد منكم قوةً وبطشًا, وأكثر منكم أموالا وأولادًا =(فاستمتعوا بخلاقهم)، يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم, (1) ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضًا من نصيبهم في الآخرة، (2) وقد سلكتم، أيها المنافقون، سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم. يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم، كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم، الذين أهلكتهم بخِلافهم أمري =(بخلاقهم), يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم =(وخضتم)، في الكذب والباطل على الله =(كالذي خاضوا), يقول: وخضتم أنتم أيضًا، أيها المنافقون، كخوض تلك الأمم قبلكم. (3)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:16930- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني أبو معشر, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتأخذُنَّ كما أخذ الأمم من قبلكم, ذراعًا بذراع, وشبرًا بشبر, وباعًا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جُحر ضبٍّ لدخلتموه! = قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا) = قالوا: يا رسول الله, كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟ (4)16931- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء, عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: (كالذين من قبلكم)، الآية قال، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة!(كالذين من قبلكم)، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم, لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضبٍّ لدخلتموه. (5)16932- ...... قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد, عن محمد بن زيد بن مهاجر, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتتبعُن سَننَ الذين من قبلكم، شبرًا بشبر, وذراعًا بذراع, وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه! قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ أهلُ الكتاب! قال: فَمَهْ! (6)16933- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال أبو سعيد الخدري أنه قال: فمن. (7)16934- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (فاستمتعوا بخلاقهم)، قال: بدينهم.16935- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حَذَّركم أن تحدثوا في الإسلام حَدَثًا، وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوامٌ من هذه الأمة, (8) فقال الله في ذلك: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا)، وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم, وإن الفتنة عائدة كما بدأت.* * *وأما قوله: (أولئك حبطت أعمالهم)، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم =(حبطت أعمالهم)، يقول: ذهبت أعمالهم باطلا. فلا ثوابَ لها إلا النار, لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه (9) =(وأولئك هم الخاسرون)، يقول: وأولئك هم المغبونون صفقتهم، ببيعهم نعيم الآخرة بخلاقهم من الدنيا اليسيرِ الزهيدِ (10)----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير "الاستمتاع" فيما سلف 12 : 116 ، تعليق : 1، والمراجع هناك.(2) انظر تفسير "الخلاق" فيما سلف 2 : 452 - 454 4 : 201 - 203 6 : 527 ، 528 .(3) انظر تفسير "الخوض" فيما سلف ص : 332، تعليق : 2، والمراجع هناك.(4) الأثر : 16930 - إسناده ضعيف ."أبو معشر"، هو: "نجيج بن عبد الرحمن السندي"، منكر الحديث، مضى برقم : 1275 .ولكن هذا الخبر له أصل في الصحيح ، فقد رواه البخاري في صحيحه من طريق أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة (الفتح 13 : 254)، بغير هذا اللفظ.يقال: "أخذ إخذ فلان"، إذا سار بسيرته.(5) الأثر : 16931 - "عمر بن عطاء"، هذا الراوي عن عكرمة هو: "عمر بن عطاء بن وراز"، وهو ضعيف، ليس بشيء. قال أحمد: "روى ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، فهو: ابن وراز. وكل شيء روى ابن جريج ، عن عمر بن عطاء ، عن ابن عباس فهو ابن أبي الخوار"، فهما رجلان . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 13 126، وميزان الاعتدال 2 : 265 .فهذا إسناد ضعيف أيضًا ، ولكن له أصل في الصحيح ، كما سلف من قبل.(6) الأثر : 16932 - هذا إسناد تابع للإسناد السالف، ولكني فصلته عنه، لأن الإسناد الأول قد تم برواية ابن جريج حديث ابن عباس، ثم انتقل إلى إسناد آخر إلى أبي هريرة.و "زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخرساني"، وكان شريك ابن جريج، وهو ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 327 ، وابن أبي حاتم 1 2 533 .و "محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي القرشي"، ثقة، مضى برقم : 10521 .فهذا خبر صحيح الإسناد.وأما قوله: "فمه"، فقد كتبها في المطبوعة: "فمن"، وهي في المخطوطة بالهاء واضحة عليها سكون، ويدل على صواب ذلك، اقتصار ابن جريج في الخبر التالي على ذكر "فمن"، دون ذكر الخبر ، فهذا دال على أن الأولى مخالفة للثانية، لا مطابقة لها.واستعمال "مه" بمعنى الاستفهام، قد ذكر له صاحب اللسان في مادة "ما"، شاهدًا،ولكنه أ ساء في نقله عن ابن جني بعده ، فلم يتبين ما أراد قبله . قال: "ما: حرف نفي، وتكون بمعنى الذي . . . وتكون موضوعة موضع : من ، وتكون بمعنى الاستفهام وتبدل من الألف الهاء ، فيقال: مه ، قال الراجز :قَــــدْ وَرَدَتْ مِـــنْ أَمْكِنَـــهْومِـــنْ هَاهُنَـــا وَمْــنِ هُنَــهْإِنْ لَــــمْ أُرَوِّهــــا فَمَــــهْقال ابن جني: يحتمل، مه، هنا وجهين: أحدهما أن تكون: فمه، زجرًا منه، أي: فاكفف عني. ولست أهلا للعتاب = أو : فمه يا إنسان، يخاطب نفسه ويزجرها".قلت : وهذا تحكم من أبي الفتح بن جني، فإن سياق الرجز يوجب أن يكون معناه: إن لم أرو أنا هذا الإبل، فمن يرويها؟ وهو صريح معنى الاستدلال الذي ساقه صاحب اللسان ، ولكنه أساء في البيان وقصر، وأساء في إردافه الكلام ما أردفه من كلام أبي الفتح .وهذا الخبر الذي رواه ابن جريج، عن أبي هريرة ، دليل آخر وشاهد قوي على استعمالهم "مه"، بمعنى الاستفهام.(7) الأثر : 16933 - حديث أبي سعيد الخدري، في معنى الأخبار السالفة رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 13 : 255 ) ، ومسلم في صحيحه 16 : 219 ، من طريق زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري .وهذا الخبر رواه ابن جريج مختصرًا على كلمة واحدة ، وهي "فمن"، ليبين معنى رواية أبي هريرة قبل: "فمه" ، أنها بمعنى "فمن"، استفهامًا، كما سلف في التعليق قبله.(8) جاء هكذا في المخطوطة: "حدثكم أن تحثوا في الإسلام حدثًا، وقد علمتم أنه ..."، وهو غير مقروء، ولا مستقيم، والذي في المطبوعة، كأنه منقول من الدر المنثور 3 : 255 ، فقد نسبه إلى أبي الشيخ، ولم ينسبه إلى ابن جرير، وهو فضلا عن ذلك ، مختصر في الدر المنثور.(9) انظر تفسير " حبط " فيما سلف ص : 166، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(10) انظر تفسير "الخسران" فيما سلف 13 : 535 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
( كالذين من قبلكم ) أي : فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول عن أمر الله ، فلعنتم كما لعنوا ( كانوا أشد منكم قوة ) بطشا ومنعة ، ( وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ) فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم ؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة ، ( فاستمتعتم بخلاقكم ) أيها الكفار والمنافقون ، ( كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) وسلكتم سبيلهم ، ( وخضتم ) في الباطل والكذب على الله تعالى ، وتكذيب رسله ، وبالاستهزاء بالمؤمنين ، ( كالذي خاضوا ) أي : كما خاضوا . وقيل : كالذي يعني كالذين خاضوا ، وذلك أن " الذي " اسم ناقص ، مثل " ما " و " من " يعبر به عن الواحد والجميع ، نظيره قوله تعالى : " كمثل الذي استوقد نارا ثم قال : " ذهب الله بنورهم " ( البقرة - 17 ) . ( أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) أي : كما حبطت أعمالهم وخسروا ، كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم .أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن عبد العزيز ، حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : " فمن " ؟ وفي رواية أبي هريرة : " فهل الناس إلا هم " ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ " .
قيل هذا الخطاب التفات ، عن ضمائر الغيبة الراجعة إلى المنافقين ، إلى خطابهم لقصد التفريع والتهديد بالموعظة ، والتذكير عن الغرور بما هم فيه من نعمة الإمهال بأنّ آخر ذلك حبط الأعمال في الدنيا والآخرة ، وأن يحقّ عليهم الخسران .فكاف التشبيه في موضع الخبر عن مبتدأ محذوف دلّ عليه ضمير الخطاب ، تقديره : أنتم كالذين من قبلكم ، أو الكاف في موضع نصب بفعل مقدّر ، أي : فعلتم كفعل الذين من قبلكم ، فهو في موضع المفعول المطلق الدالّ على فعله ، ومثله في حذف الفعل والإتيان بما هو مفعول الفعل المحذوف قول النمر بن تولب :حتّى إذا الكلاَّب قال لها ... كاليوممِ مطلوباً ولا طالِباأراد : لم أر كاليوم ، إلاّ أنّ عامل النصب مختلف بين الآية والبيت .وقيل هذا من بقية المَقول المأمور بأن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إيّاهم من قوله : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } [ التوبة : 65 ] الآية . فيكون ما بينهما اعتراضاً بقوله : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [ التوبة : 67 ] إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار .والإتيان بالموصول لأنّه أشمل وأجمع للأمم التي تقدّمت مثل عاد وثمود ممّن ضرب العرب بهم المثل في القوة .و { أشَدّ } معناه أقوى ، والقوة هنا القدرة على الأعمال الصعبة كقوله : { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } [ فصلت : 15 ] أو يُراد بها العزّة وعُدّة الغلب باستكمال العَدد والعُدد ، وبهذا المعنى أوقعت القوة تمييز ال { أشد } كما أوقعت مضافاً إليه شديد في قوله تعالى : { علمه شديد القوى } [ النجم : 5 ].وكثرة الأموال لها أسباب كثيرة : منها طيب الأرض للزرع والغرس ورَعِي الأنعام والنحللِ ، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم ، ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر ، ومنها اشتمال الأرض على المعادن من الذهب والفضّة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من النبات ، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت .وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس ، ومن الخصب المؤثر قوة الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان ، ومن حسن المُناخ بالسلامة من الأوبئة المهلكة ، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع .والاستمتاع : التمتّع ، وهو نوال أحدٍ المتاعَ الذي به التذاذ الإنسان وملائمه وتقدّم عند قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } في سورة الأعراف ( 24 ).والسين والتاء فيه للمبالغة في قوة التمتّع .والخلاق : الحَظ من الخير وقد تقدّم عند قوله تعالى : { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق } في سورة البقرة ( 200 ).وتفرّع فاستمتعوا بخلاقهم } على { كانوا أشد } : لأنّ المقصود إدخاله في الحالة المشبه بها كما سيأتي .وتفرَّع { فاستمتعتم بخلاقكم } على ما أفاده حرف الكاف بقوله : { كالذين من قبلكم } من معنى التشبيه ، ولذلك لم تعطف جملة { فاستمتعتم } بواو العطف ، فإنّ هذه الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرّع عليه ، وقد كان ذكر هذه الجملة يغني عن ذكر جملة : { فاستمتعوا بخلاقهم } لولا قصد الموعظة بالفريقين : المشبّهِ بهم ، والمشبّهين ، في إعراض كليهما عن أخذ العدّة للحياة الدائمة وفي انصبابهما على التمتّع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على حال أحد الفريقين ، قصداً للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو اقتصر على قوله : { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } ولم يذكر قبله { فاستمتعوا بخلاقهم } لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد الاهتمام بكلا الفريقين .ولذلك لمّا تقرّر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا النظم في قوله : { وخضتم كالذي خاضوا }.وقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } تأكيد للتشبيه الواقع في قوله : { كالذين من قبلكم } إلى قوله فاستمتعتم بخلاقكم للتنبيه على أنّ ذلك الجزء بخصوصه ، من بين الحالة المشبهةِ والحالةِ المشبه بها ، هو محلّ الموعظة والتذكير ، فلا يغرّهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج ، فقدّم قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم } وأتى بقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } مؤكِّداً له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير ، ليتأتى التأكيد ، ولأنّ تقديم ما يتمّم تصوير الحالة المشبّه بها المركّبة ، قبل إيقاع التشبيه ، أشدّ تمكيناً لمعنى المشابهة عند السامع .وقوله : { كالذي خاضوا } تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله : { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } [ التوبة : 65 ] ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له . أي : وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يَحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا في هذين التشبيهين أدقّ ما كتب فيهما .و { الذي } اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعيّن أن يكون المراد ب { الذي } : تأويله بالفريق أو الجَمْع ، ويجوز أن يكون { الذي } هنا أصله الذين فخُفّف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي :وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هُم القومُ كلُّ القوممِ يا أمَّ خالدونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصّاً بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة يجوزّونه ولو لم تطل الصلة ، كما في الآية ، وقد ادّعى الفرّاء : أنّ { الذي } يكون موصولاً حرفياً مؤوّلاً بالمصدر ، واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف .ولمّا وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنّهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } وفيه تعريض بأنّ الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك ، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم .والخوض : تقدّمت الحوالة على معرفته آنفاً .والحبط : الزوال والبطلان ، وتقدّم في قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } في سورة البقرة ( 217 ).والمراد بأعمالهم : ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه : من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبْطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم ، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم ، كقوله تعالى : { ونرثه ما يقول } [ مريم : 80 ] أي في الدنيا { ويأتينا فرداً } [ مريم : 80 ] أي في الآخرة لا مال له ولا ولد ، كقوله : { ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه } [ الحاقة : 28 ، 29 ].وفي هذا كلّه تذكرة للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنْ لا يظنّوا أن الله لمّا أمهل المنافقين قد عفا عنهم .ولمّا كانت خسارتهم جسيمة جعل غيرهم من الخاسرين كلاً خاسرين فحصرت الخسارة في هؤلاء بقوله : { وأولئك هم الخاسرون } قصراً مقصوداً به المبالغة .وإعادة اسم الإشارة للاهتمام بتمييز المتحدّث عنهم لزيادة تقرير أحوالهم في ذهن السامع .
تفسير الآيتين 69 و 70 :ـ قول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة. {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} أي: قرى قوم لوط. فكلهم {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي اللّه، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. قوله {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع. {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث تجرأوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد
قوله تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى كالذين من قبلكم قال الزجاج : الكاف في موضع نصب ، أي وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلهم . وقيل : المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، فحذف المضاف . وقيل : أي أنتم كالذين من قبلكم ، فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف . ولم ينصرف ( أشد ) لأنه أفعل [ ص: 126 ] صفة . والأصل فيه أشدد ، أي كانوا أشد منكم قوة فلم يتهيأ لهم ولا أمكنهم رفع عذابالله عز وجل .الثانية : روى سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه . قال أبو هريرة : وإن شئتم فاقرءوا القرآن : كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم قال أبو هريرة : والخلاق : الدين فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم حتى فرغ من الآية . قالوا : يا نبي الله ، فما صنعت اليهود والنصارى ؟ قال : وما الناس إلا هم . وفي الصحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ وقال ابن عباس : ما أشبه الليلة بالبارحة ، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم . ونحوه عن ابن مسعود .الثالثة : فاستمتعوا بخلاقهم أي انتفعوا بنصيبهم من الدين كما فعل الذين من قبلهم .( وخضتم ) خروج من الغيبة إلى الخطاب . كالذي خاضوا أي كخوضهم . فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ، أي وخضتم خوضا كالذين خاضوا . و " الذي " اسم ناقص مثل من ، يعبر به عن الواحد والجمع . وقد مضى في ( البقرة ) ويقال : خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا . والموضع مخاضة ، وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانا . وجمعها المخاض والمخاوض أيضا ، عن أبي زيد . وأخضت دابتي في الماء . وأخاض القوم ، أي خاضت خيلهم . وخضت الغمرات : اقتحمتها . ويقال : خاضه بالسيف ، أي حرك سيفه في المضروب . وخوض في نجيعه شدد للمبالغة . والمخوض للشراب كالمجدع للسويق ، يقال منه : خضت الشراب . وخاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي [ ص: 127 ] تفاوضوا فيه ، فالمعنى : خضتم في أسباب الدنيا باللهو واللعب . وقيل : في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب .أولئك حبطت بطلت ، وقد تقدم . ( أعمالهم ) حسناتهم . وأولئك هم الخاسرون وقد تقدم أيضا .
The characteristics of people hypocritically connected with Islam are carelessness about the Hereafter, interest in worldly affairs, avoidance of cooperation with goodness, and an inclination towards exhibitionism. Because of these common characteristics, they remain very well united. These things give them subjects of common interest for discussion, and provide them with a field for mutual cooperation. This becomes a basis for close relations between them. The reverse is true of genuine believers, because the love of God is embedded in their hearts. Their greatest care is for the Hereafter. They have connections with worldly things only to the extent necessary and not as a goal. If any work which is pleasing to God is under way, their hearts are immediately attracted towards it. On the contrary, any work of an evil nature arouses disgust and loathing in them. Their life and their assets are first and foremost for the sake of God and not for themselves. They commemorate God and spend for His cause.
Let us now consider the statement: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (You are) like those before you' in verse 69. According to one exegetical explanation, this is addressed to hypocrites while according to the other explanation, the address is to Muslims. The addition of ` you are' in parenthesis points out in this direction. Thus, it means that ` you too are like people before you. They went for worldly enjoyments and forgot all about the life to come. The result was that they sank into all sorts of sins. So shall you be.
Explaining this verse, Sayyidna Abu Hurairah ؓ عنہ narrates a Hadith in which the Holy Prophet ﷺ . 1n al has been reported to have said that ` you too will take to the ways taken by communities before you. You will imitate them in toto as dittos and clones to the limit that should you see one of them entering into the hole of a lizard (iguana), you will follow him there too.' After having narrated this far, Sayyidna Abu Hurairah ؓ said that should anyone wish to as-certain the thematic authenticity of this Hadith, let him read this verse of the Qur'an: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ `(You are) like those before you - 69.'
On hearing this, Sayyidna ` Abdullah ibn ` Abbas ؓ said: مَا اَشبَہَ اللَّیلَۃ بِالبَارِحَۃِ that is, ` how similar is this night (in our time) to the last night (way back) - they are the people of Bani Isra'il and we have been likened to them.' (Qurtubi)
The aim of the Hadith is fairly evident. It warns that Muslims too will start following the ways of the Jews and Christians by latter times. This statement appears only after a punishment has been announced for the hypocrites. It serves as an indicator that good Muslims would not do that. Only those among them, who are weak in 'Iman may do so because they are still infected with the germs of hypocrisy. All good men and women of the Muslim community have been instructed in this verse that they should themselves abstain from such ways as well as help others do the same.
(Even as those) even as the punishment of those (before you) of hypocrites who (were mightier than you in strength) physically, (and more affluent than you in wealth and children. They enjoyed their lot awhile) they expend their share of the Hereafter in the life of this world, (so ye enjoy your lot awhile) you expended your share of the Hereafter in the life of this world (even as those before you) of hypocrites (did enjoy) expend (their lot awhile) their share of the Hereafter in the life of this world. (And ye prate) speak falsehood (even as they prated) and inwardly gave the lie to Muhammad (pbuh) just as those before them indulged in falsehood and gave the lie to the prophets of Allah. (Such are they whose works have perished) their good works have been thwarted (in the world and the Hereafter. Such are they who are the losers) in that they will face punishment.
بِخَلَـقِهِمْ
(their portion), means, they mocked their religion, according to Al-Hasan Al-Basri. Allah's statement,
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ
(and you indulged in play and pastime as they indulged in play and pastime), indulged in lies and falsehood,
أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـلُهُمْ
(Such are they whose deeds are in vain), their deeds are annulled; they will not acquire any rewards for them because they are invalid,
فِي الدنْيَا وَالاٌّخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَـسِرُونَ
(in this world and in the Hereafter. Such are they who are the losers.) because they will not acquire any rewards for their actions. Ibn `Abbas commented, "How similar is this night to the last night,
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
(Like those before you...) These are the Children of Israel, with whom we were compared. The Prophet said,
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُحْرَ ضَبَ لَدَخَلْتُمُوه»
(By He in Whose Hand is my life! You will imitate them, and even if a man of them entered the den of a lizard, you will enter it likewise!)" Abu Hurayrah narrated that the Messenger of Allah ﷺ said,
«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا بِبَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبَ لَدَخَلْتُمُوه»
قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال:
«فَمَنْ؟»
(By He in Whose Hand is my soul! You will follow the traditions of those who were before you a hand span for a hand-span and forearm's length for forearm's length, and an arm's length for an arm's length. And even if they enter the den of a lizard, you will also enter it.) They asked, "Who, O Allah's Messenger, the People of the Book" He said, (Who else)" This Hadith is similar to another Hadith collected in the Sahih.
You O hypocrites are like those before you who were far mightier than you and more abundant in wealth and children. They enjoyed their share their lot in this world. So you enjoy O hypocrites your share just as those before you enjoyed their share and you indulge in vain talk in falsehood and defamation of the Prophet s just as they indulged in vain talk. Those their works have become invalid in this world and in the Hereafter; and those they indeed are the losers.
إن أفعالكم -معشر المنافقين- من الاستهزاء والكفر كأفعال الأمم السابقة التي كانت على جانب من القوة والمال والأولاد أشد منكم، فاطْمَأنوا إلى الحياة الدنيا، وتَمتَّعوا بما فيها من الحظوظ والملذات، فاستمعتم أيها المنافقون بنصيبكم من الشهوات الفانية كاستمتاع الذين من قبلكم بحظوظهم الفانية، وخضتم بالكذب على الله كخوض تلك الأمم قبلكم، أولئك الموصوفون بهذه الأخلاق هم الذين ذهبت حسناتهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون ببيعهم نعيم الآخرة بحظوظهم من الدنيا.
يقول تعالى أصاب هؤلاء من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم وقوله بخلاقهم قال الحسن بأيديهم وقوله" وخضتم كالذي خاضوا" أي في الكذب والباطل أولئك حبطت أعمالهم أي بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها لأنها فاسدة في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب قال ابن جرير عن عمرو بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس في قوله كالذين من قبلكم الآية قال ابن عباس ما أشبه الليلة بالبارحة" كالذين من قبلكم" هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه قال ابن جريج وأخبرني زياد بن سعد عن محمد بن زياد بن مهاجر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا ومن هم يا رسول الله؟ أهل الكتاب قال فمن؟ وهكذا رواه أبو معشر عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وزاد قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم القرآن" كالذين من قبلكم"الآية. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين " وخضتم كالذي خاضوا " قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال فهل الناس إلا هم؟ وهذا الحديث له شاهد في الصحيح.
ثم ساقت السورة الكريمة - لهؤلاء المنافقين - نماذج لمن حبطت أعمالهم بسبب غرورهم ، وضربت لهم الأمثال بمن هلك من الطغاة السابقين بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى - : ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ . . . . أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .قوله - تعالى - ( كالذين مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً . . . ) جاء على أسلوب الالفتات من الغيبة إلى الخطاب لزجر المنافقين ، وتحريك نفوسهم إلا الاعتبار والاتعاظ .والكاف فى قوله : ( كالذين ) للتشبيه ، وهى فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف .والتقدير : أنتم - أيها المنافقون - حالكم كحال الذين خلوا من قبلكم من الطغاة فى الانحراف عن الحق ، والاغترار بشهوات الدنيا وزينتها ، ولكن هؤلاء الطغاة المهلكين ، يمتازون عنكم بأنهم ( كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً ) فى أبدانهم ، وكانوا " أكثر " منكم ( أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ) .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) بيان لموقف هؤلاء المهلكين من نعم الله - تعالى - والخلاق : مشق من الخلق بمعنى التقدير . وأطلق على الحظ والنصيب لأنه مقدر لصاحبه .أى : كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً ، ولكنهم لم يشكروا الله على إحسانه ، بل فتنوا بما بين أيديهم من نعم ، واستمتعوا بنصيبهم المقدر لهم فى هذه الحياة الدنيا ، استمتاع الجاحدين الفاسقين .والتعبير بالفاء المفيدة للتعقيب فى قوله : ( فاستمتعوا ) ؛ للإِشعار بأن هؤلاء المهلكين بمجرد أن امتلأت أيديهم بالنعم ، قد استعملوها فى غير ما خلقت له ، وسخروها لإِرضاء شهواتهم الخسيسة ، وملذاتهم الدنيئة .وقوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) ذم للمخاطبين وللذين سبقوهم؛ لانتهاجهم جميعاً طريق الشر والبطر .أى : فأنتم - أيها المنافقون - قد استمعتم بنصيبكم المقدر لكم من ملاذ الدنيا ، وشهواتها الباطلة ، كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبكم فى ذلك .وقوله : ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) معطوف على ما قبله .أى : وخضتم - أيها المنافقون - فى حمأة الباطل وفى طريق الغرور والهوى ، كالخوض الذى خاضه السابقون من الأمم المهلكة .قال الآلوسى قوله : " وخضتم " أى : دخلتم فى الباطل ( كالذي خاضوا ) .أى : كالذين فحذفت نونه تخفيفاً ، كما فى قول الشاعر :إن الذى حانت بفلج دماؤهم ... هم القو كل القوم يا أم خالدويجوز أن يكون " الذى " صفة لمفرد اللفظ ، مجموع المعنى ، كالفوج والفريق ، فلوحظ فى الصفة اللفظ . وفى الضمير المعنى ، و هو صفة لمصدر محذوف ، أى : كالخوض الذى خاضوه ، ورجح بعدم التكلف فيه .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى فائدة فى قوله : ( فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ ) وقوله : ( كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ ) مغن عنه كما أغنى قوله : ( كالذي خاضوا ) عن أن يقال : وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا؟قلت : فائدته أن يذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ورضاهم بها ، والتهائم بشهواتهم الفانية عن النظر فى العاقبة ، وطلب الفلاح فى الآخرة ، وأن يخسس أمر الاستمتاع ، ويهجن أمر الرضا به ، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم ، كما تريد أن تنبيه بعض الظلمة على سماجة فعله فنقول : أنت مثل فرعون : كان يقتل بغير جرم ، ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثل ما فعله .وأما ( وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا ) فمعطوف على ما قبله مستند إليه ، مستغن باسناده إليه عن تلك التقدمة .وقوله : ( أولئك حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدنيا والآخرة وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) بيان لسوء مصيرهم فى الدارين .واسما الإِشارة يودان على المتصفين بتلك الصفات القحبية من السابقين واللاحقين .أى : أولئك المستمتعون بنصيبهم المقدر لهم فى الشهوات الخسيسة ، والخائضون فى الشرور والآثام " حبطت أعمالهم " أى : فسدت وبطلت أعمالهم التى كانوا يرجون منفعتها ( فِي الدنيا والآخرة ) لأن هذه الأعمال لم يكن معها إيمان أو إخلاص ، وإنما كان معها الرياء والنفاق ، والفسوق والعصيان ، والله - تعالى - لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم .وقوله : ( وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ) أى : الكاملون فى الخسران ، الجامعون لكل ما من شأنه أن يؤدى إلى البوار والهلاك .
القول في تأويل قوله : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء المنافقين الذين قالوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ : أبالله وآيات كتابه ورسوله كنتم تستهزئون؟ =(كالذين من قبلكم)، من الأمم الذين فعلوا فعلكم، فأهلكهم الله, وعجل لهم في الدنيا الخزي، مع ما أعدَّ لهم من العقوبة والنكال في الآخرة. يقول لهم جل ثناؤه: واحذروا أن يحل بكم من عقوبة الله مثل الذي حلّ بهم, فإنهم كانوا أشد منكم قوةً وبطشًا, وأكثر منكم أموالا وأولادًا =(فاستمتعوا بخلاقهم)، يقول: فتمتعوا بنصيبهم وحظهم من دنياهم ودينهم, (1) ورضوا بذلك من نصيبهم في الدنيا عوضًا من نصيبهم في الآخرة، (2) وقد سلكتم، أيها المنافقون، سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم. يقول: فعلتم بدينكم ودنياكم، كما استمتع الأمم الذين كانوا من قبلكم، الذين أهلكتهم بخِلافهم أمري =(بخلاقهم), يقول: كما فعل الذين من قبلكم بنصيبهم من دنياهم ودينهم =(وخضتم)، في الكذب والباطل على الله =(كالذي خاضوا), يقول: وخضتم أنتم أيضًا، أيها المنافقون، كخوض تلك الأمم قبلكم. (3)* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:16930- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني أبو معشر, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتأخذُنَّ كما أخذ الأمم من قبلكم, ذراعًا بذراع, وشبرًا بشبر, وباعًا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جُحر ضبٍّ لدخلتموه! = قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا) = قالوا: يا رسول الله, كما صنعت فارس والروم؟ قال: فهل الناس إلا هم؟ (4)16931- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج، عن عمر بن عطاء, عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: (كالذين من قبلكم)، الآية قال، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة!(كالذين من قبلكم)، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم, لا أعلم إلا أنه قال: والذي نفسي بيده لتَتَّبِعُنَّهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحْر ضبٍّ لدخلتموه. (5)16932- ...... قال ابن جريج: وأخبرنا زياد بن سعد, عن محمد بن زيد بن مهاجر, عن سعيد بن أبي سعيد المقبري, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتتبعُن سَننَ الذين من قبلكم، شبرًا بشبر, وذراعًا بذراع, وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه! قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟ أهلُ الكتاب! قال: فَمَهْ! (6)16933- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال أبو سعيد الخدري أنه قال: فمن. (7)16934- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: (فاستمتعوا بخلاقهم)، قال: بدينهم.16935- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حَذَّركم أن تحدثوا في الإسلام حَدَثًا، وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوامٌ من هذه الأمة, (8) فقال الله في ذلك: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا)، وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم, وإن الفتنة عائدة كما بدأت.* * *وأما قوله: (أولئك حبطت أعمالهم)، فإن معناه: هؤلاء الذين قالوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وفعلوا في ذلك فعل الهالكين من الأمم قبلهم =(حبطت أعمالهم)، يقول: ذهبت أعمالهم باطلا. فلا ثوابَ لها إلا النار, لأنها كانت فيما يسخط الله ويكرهه (9) =(وأولئك هم الخاسرون)، يقول: وأولئك هم المغبونون صفقتهم، ببيعهم نعيم الآخرة بخلاقهم من الدنيا اليسيرِ الزهيدِ (10)----------------------الهوامش :(1) انظر تفسير "الاستمتاع" فيما سلف 12 : 116 ، تعليق : 1، والمراجع هناك.(2) انظر تفسير "الخلاق" فيما سلف 2 : 452 - 454 4 : 201 - 203 6 : 527 ، 528 .(3) انظر تفسير "الخوض" فيما سلف ص : 332، تعليق : 2، والمراجع هناك.(4) الأثر : 16930 - إسناده ضعيف ."أبو معشر"، هو: "نجيج بن عبد الرحمن السندي"، منكر الحديث، مضى برقم : 1275 .ولكن هذا الخبر له أصل في الصحيح ، فقد رواه البخاري في صحيحه من طريق أحمد بن يونس، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة (الفتح 13 : 254)، بغير هذا اللفظ.يقال: "أخذ إخذ فلان"، إذا سار بسيرته.(5) الأثر : 16931 - "عمر بن عطاء"، هذا الراوي عن عكرمة هو: "عمر بن عطاء بن وراز"، وهو ضعيف، ليس بشيء. قال أحمد: "روى ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، فهو: ابن وراز. وكل شيء روى ابن جريج ، عن عمر بن عطاء ، عن ابن عباس فهو ابن أبي الخوار"، فهما رجلان . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 13 126، وميزان الاعتدال 2 : 265 .فهذا إسناد ضعيف أيضًا ، ولكن له أصل في الصحيح ، كما سلف من قبل.(6) الأثر : 16932 - هذا إسناد تابع للإسناد السالف، ولكني فصلته عنه، لأن الإسناد الأول قد تم برواية ابن جريج حديث ابن عباس، ثم انتقل إلى إسناد آخر إلى أبي هريرة.و "زياد بن سعد بن عبد الرحمن الخرساني"، وكان شريك ابن جريج، وهو ثقة، روى له الجماعة. مترجم في التهذيب ، والكبير 2 1 327 ، وابن أبي حاتم 1 2 533 .و "محمد بن زيد بن مهاجر بن قنفذ التيمي القرشي"، ثقة، مضى برقم : 10521 .فهذا خبر صحيح الإسناد.وأما قوله: "فمه"، فقد كتبها في المطبوعة: "فمن"، وهي في المخطوطة بالهاء واضحة عليها سكون، ويدل على صواب ذلك، اقتصار ابن جريج في الخبر التالي على ذكر "فمن"، دون ذكر الخبر ، فهذا دال على أن الأولى مخالفة للثانية، لا مطابقة لها.واستعمال "مه" بمعنى الاستفهام، قد ذكر له صاحب اللسان في مادة "ما"، شاهدًا،ولكنه أ ساء في نقله عن ابن جني بعده ، فلم يتبين ما أراد قبله . قال: "ما: حرف نفي، وتكون بمعنى الذي . . . وتكون موضوعة موضع : من ، وتكون بمعنى الاستفهام وتبدل من الألف الهاء ، فيقال: مه ، قال الراجز :قَــــدْ وَرَدَتْ مِـــنْ أَمْكِنَـــهْومِـــنْ هَاهُنَـــا وَمْــنِ هُنَــهْإِنْ لَــــمْ أُرَوِّهــــا فَمَــــهْقال ابن جني: يحتمل، مه، هنا وجهين: أحدهما أن تكون: فمه، زجرًا منه، أي: فاكفف عني. ولست أهلا للعتاب = أو : فمه يا إنسان، يخاطب نفسه ويزجرها".قلت : وهذا تحكم من أبي الفتح بن جني، فإن سياق الرجز يوجب أن يكون معناه: إن لم أرو أنا هذا الإبل، فمن يرويها؟ وهو صريح معنى الاستدلال الذي ساقه صاحب اللسان ، ولكنه أساء في البيان وقصر، وأساء في إردافه الكلام ما أردفه من كلام أبي الفتح .وهذا الخبر الذي رواه ابن جريج، عن أبي هريرة ، دليل آخر وشاهد قوي على استعمالهم "مه"، بمعنى الاستفهام.(7) الأثر : 16933 - حديث أبي سعيد الخدري، في معنى الأخبار السالفة رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 13 : 255 ) ، ومسلم في صحيحه 16 : 219 ، من طريق زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري .وهذا الخبر رواه ابن جريج مختصرًا على كلمة واحدة ، وهي "فمن"، ليبين معنى رواية أبي هريرة قبل: "فمه" ، أنها بمعنى "فمن"، استفهامًا، كما سلف في التعليق قبله.(8) جاء هكذا في المخطوطة: "حدثكم أن تحثوا في الإسلام حدثًا، وقد علمتم أنه ..."، وهو غير مقروء، ولا مستقيم، والذي في المطبوعة، كأنه منقول من الدر المنثور 3 : 255 ، فقد نسبه إلى أبي الشيخ، ولم ينسبه إلى ابن جرير، وهو فضلا عن ذلك ، مختصر في الدر المنثور.(9) انظر تفسير " حبط " فيما سلف ص : 166، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .(10) انظر تفسير "الخسران" فيما سلف 13 : 535 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك.
( كالذين من قبلكم ) أي : فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول عن أمر الله ، فلعنتم كما لعنوا ( كانوا أشد منكم قوة ) بطشا ومنعة ، ( وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم ) فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم ؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة ، ( فاستمتعتم بخلاقكم ) أيها الكفار والمنافقون ، ( كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم ) وسلكتم سبيلهم ، ( وخضتم ) في الباطل والكذب على الله تعالى ، وتكذيب رسله ، وبالاستهزاء بالمؤمنين ، ( كالذي خاضوا ) أي : كما خاضوا . وقيل : كالذي يعني كالذين خاضوا ، وذلك أن " الذي " اسم ناقص ، مثل " ما " و " من " يعبر به عن الواحد والجميع ، نظيره قوله تعالى : " كمثل الذي استوقد نارا ثم قال : " ذهب الله بنورهم " ( البقرة - 17 ) . ( أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) أي : كما حبطت أعمالهم وخسروا ، كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم .أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا محمد بن عبد العزيز ، حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " ، قلنا : يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال : " فمن " ؟ وفي رواية أبي هريرة : " فهل الناس إلا هم " ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟ " .
قيل هذا الخطاب التفات ، عن ضمائر الغيبة الراجعة إلى المنافقين ، إلى خطابهم لقصد التفريع والتهديد بالموعظة ، والتذكير عن الغرور بما هم فيه من نعمة الإمهال بأنّ آخر ذلك حبط الأعمال في الدنيا والآخرة ، وأن يحقّ عليهم الخسران .فكاف التشبيه في موضع الخبر عن مبتدأ محذوف دلّ عليه ضمير الخطاب ، تقديره : أنتم كالذين من قبلكم ، أو الكاف في موضع نصب بفعل مقدّر ، أي : فعلتم كفعل الذين من قبلكم ، فهو في موضع المفعول المطلق الدالّ على فعله ، ومثله في حذف الفعل والإتيان بما هو مفعول الفعل المحذوف قول النمر بن تولب :حتّى إذا الكلاَّب قال لها ... كاليوممِ مطلوباً ولا طالِباأراد : لم أر كاليوم ، إلاّ أنّ عامل النصب مختلف بين الآية والبيت .وقيل هذا من بقية المَقول المأمور بأن يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إيّاهم من قوله : { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } [ التوبة : 65 ] الآية . فيكون ما بينهما اعتراضاً بقوله : { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [ التوبة : 67 ] إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار .والإتيان بالموصول لأنّه أشمل وأجمع للأمم التي تقدّمت مثل عاد وثمود ممّن ضرب العرب بهم المثل في القوة .و { أشَدّ } معناه أقوى ، والقوة هنا القدرة على الأعمال الصعبة كقوله : { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } [ فصلت : 15 ] أو يُراد بها العزّة وعُدّة الغلب باستكمال العَدد والعُدد ، وبهذا المعنى أوقعت القوة تمييز ال { أشد } كما أوقعت مضافاً إليه شديد في قوله تعالى : { علمه شديد القوى } [ النجم : 5 ].وكثرة الأموال لها أسباب كثيرة : منها طيب الأرض للزرع والغرس ورَعِي الأنعام والنحللِ ، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم ، ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر ، ومنها اشتمال الأرض على المعادن من الذهب والفضّة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من النبات ، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت .وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس ، ومن الخصب المؤثر قوة الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان ، ومن حسن المُناخ بالسلامة من الأوبئة المهلكة ، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع .والاستمتاع : التمتّع ، وهو نوال أحدٍ المتاعَ الذي به التذاذ الإنسان وملائمه وتقدّم عند قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } في سورة الأعراف ( 24 ).والسين والتاء فيه للمبالغة في قوة التمتّع .والخلاق : الحَظ من الخير وقد تقدّم عند قوله تعالى : { فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق } في سورة البقرة ( 200 ).وتفرّع فاستمتعوا بخلاقهم } على { كانوا أشد } : لأنّ المقصود إدخاله في الحالة المشبه بها كما سيأتي .وتفرَّع { فاستمتعتم بخلاقكم } على ما أفاده حرف الكاف بقوله : { كالذين من قبلكم } من معنى التشبيه ، ولذلك لم تعطف جملة { فاستمتعتم } بواو العطف ، فإنّ هذه الجملة هي المقصد من التشبيه وما تفرّع عليه ، وقد كان ذكر هذه الجملة يغني عن ذكر جملة : { فاستمتعوا بخلاقهم } لولا قصد الموعظة بالفريقين : المشبّهِ بهم ، والمشبّهين ، في إعراض كليهما عن أخذ العدّة للحياة الدائمة وفي انصبابهما على التمتّع العاجل فلم يكتف في الكلام بالاقتصار على حال أحد الفريقين ، قصداً للاعتناء بكليهما فذلك الذي اقتضى هذا الاطناب ولو اقتصر على قوله : { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } ولم يذكر قبله { فاستمتعوا بخلاقهم } لحصل أصل المعنى ولم يستفد قصد الاهتمام بكلا الفريقين .ولذلك لمّا تقرّر هذا المقصد في أنفس السامعين لم يحتج إلى نسج مثل هذا النظم في قوله : { وخضتم كالذي خاضوا }.وقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } تأكيد للتشبيه الواقع في قوله : { كالذين من قبلكم } إلى قوله فاستمتعتم بخلاقكم للتنبيه على أنّ ذلك الجزء بخصوصه ، من بين الحالة المشبهةِ والحالةِ المشبه بها ، هو محلّ الموعظة والتذكير ، فلا يغرّهم ما هم فيه من نعمة الإمهال والاستدراج ، فقدّم قوله : { فاستمتعوا بخلاقهم } وأتى بقوله : { كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } مؤكِّداً له دون أن يقتصر على هذا التشبيه الأخير ، ليتأتى التأكيد ، ولأنّ تقديم ما يتمّم تصوير الحالة المشبّه بها المركّبة ، قبل إيقاع التشبيه ، أشدّ تمكيناً لمعنى المشابهة عند السامع .وقوله : { كالذي خاضوا } تشبيه لخوض المنافقين بخوض أولئك وهو الخوض الذي حكي عنهم في قوله : { ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } [ التوبة : 65 ] ولبساطة هذا التشبيه لم يؤت فيه بمثل الأسلوب الذي أتي به في التشبيه السابق له . أي : وخضتم في الكفر والاستهزاء بآيات الله ورسوله كالخوض الذي خاضوه في ذلك ، فأنتم وهم سواء ، فيوشك أن يَحيق بكم ما حاق بهم ، وكلامنا في هذين التشبيهين أدقّ ما كتب فيهما .و { الذي } اسم موصول ، مفرد ، وإذ كان عائد الصلة هنا ضمير جمع تعيّن أن يكون المراد ب { الذي } : تأويله بالفريق أو الجَمْع ، ويجوز أن يكون { الذي } هنا أصله الذين فخُفّف بحذف النون على لغة هذيل وتميم كقول الأشهب بن زميلة النهشلي :وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هُم القومُ كلُّ القوممِ يا أمَّ خالدونحاة البصرة يرون هذا الاستعمال خاصّاً بحالة أن تطول الصلة كالبيت فلا ينطبق عندهم على الآية ، ونحاة الكوفة يجوزّونه ولو لم تطل الصلة ، كما في الآية ، وقد ادّعى الفرّاء : أنّ { الذي } يكون موصولاً حرفياً مؤوّلاً بالمصدر ، واستشهد له بهذه الآية ، وهو ضعيف .ولمّا وصفت حالة المشبه بهم من الأمم البائدة أعقب ذلك بالإشارة إليهم للتنبيه على أنّهم بسبب ذلك كانوا جديرين بما سيخبر به عنهم ، فقال تعالى : { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون } وفيه تعريض بأنّ الذين شابهوهم في أحوالهم أحرياء بأن يحلّ بهم ما حلّ بأولئك ، وفي هذا التعريض من التهديد والنذارة معنى عظيم .والخوض : تقدّمت الحوالة على معرفته آنفاً .والحبط : الزوال والبطلان ، وتقدّم في قوله تعالى : { فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } في سورة البقرة ( 217 ).والمراد بأعمالهم : ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه : من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما ، ومعنى حبْطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم ، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم ، كقوله تعالى : { ونرثه ما يقول } [ مريم : 80 ] أي في الدنيا { ويأتينا فرداً } [ مريم : 80 ] أي في الآخرة لا مال له ولا ولد ، كقوله : { ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه } [ الحاقة : 28 ، 29 ].وفي هذا كلّه تذكرة للنبيء صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنْ لا يظنّوا أن الله لمّا أمهل المنافقين قد عفا عنهم .ولمّا كانت خسارتهم جسيمة جعل غيرهم من الخاسرين كلاً خاسرين فحصرت الخسارة في هؤلاء بقوله : { وأولئك هم الخاسرون } قصراً مقصوداً به المبالغة .وإعادة اسم الإشارة للاهتمام بتمييز المتحدّث عنهم لزيادة تقرير أحوالهم في ذهن السامع .
تفسير الآيتين 69 و 70 :ـ قول تعالى محذرا المنافقين أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم من الأمم المكذبة. {قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} أي: قرى قوم لوط. فكلهم {أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالحق الواضح الجلي، المبين لحقائق الأشياء، فكذبوا بها، فجرى عليهم ما قص اللّه علينا، فأنتم أعمالكم شبيهة بأعمالهم، استمتعتم بخلاقكم، أي: بنصيبكم من الدنيا فتناولتموه على وجه اللذة والشهوة معرضين عن المراد منه، واستعنتم به على معاصي اللّه، ولم تتعد همتكم وإرادتكم ما خولتم من النعم كما فعل الذين من قبلكم وخضتم كالذي خاضوا، أي: وخضتم بالباطل والزور وجادلتم بالباطل لتدحضوا به الحق، فهذه أعمالهم وعلومهم، استمتاع بالخلاق وخوض بالباطل، فاستحقوا من العقوبة والإهلاك ما استحق من قبلهم ممن فعلوا كفعلهم، وأما المؤمنون فهم وإن استمتعوا بنصيبهم وما خولوا من الدنيا، فإنه على وجه الاستعانة به على طاعة اللّه، وأما علومهم فهي علوم الرسل، وهي الوصول إلى اليقين في جميع المطالب العالية، والمجادلة بالحق لإدحاض الباطل. قوله {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ} إذ أوقع بهم من عقوبته ما أوقع. {وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} حيث تجرأوا على معاصيه، وعصوا رسلهم، واتبعوا أمر كل جبار عنيد
قوله تعالى كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرونفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى كالذين من قبلكم قال الزجاج : الكاف في موضع نصب ، أي وعد الله الكفار نار جهنم وعدا كما وعد الذين من قبلهم . وقيل : المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، فحذف المضاف . وقيل : أي أنتم كالذين من قبلكم ، فالكاف في محل رفع لأنه خبر ابتداء محذوف . ولم ينصرف ( أشد ) لأنه أفعل [ ص: 126 ] صفة . والأصل فيه أشدد ، أي كانوا أشد منكم قوة فلم يتهيأ لهم ولا أمكنهم رفع عذابالله عز وجل .الثانية : روى سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تأخذون كما أخذت الأمم قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه . قال أبو هريرة : وإن شئتم فاقرءوا القرآن : كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم قال أبو هريرة : والخلاق : الدين فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم حتى فرغ من الآية . قالوا : يا نبي الله ، فما صنعت اليهود والنصارى ؟ قال : وما الناس إلا هم . وفي الصحيح عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ وقال ابن عباس : ما أشبه الليلة بالبارحة ، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم . ونحوه عن ابن مسعود .الثالثة : فاستمتعوا بخلاقهم أي انتفعوا بنصيبهم من الدين كما فعل الذين من قبلهم .( وخضتم ) خروج من الغيبة إلى الخطاب . كالذي خاضوا أي كخوضهم . فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ، أي وخضتم خوضا كالذين خاضوا . و " الذي " اسم ناقص مثل من ، يعبر به عن الواحد والجمع . وقد مضى في ( البقرة ) ويقال : خضت الماء أخوضه خوضا وخياضا . والموضع مخاضة ، وهو ما جاز الناس فيها مشاة وركبانا . وجمعها المخاض والمخاوض أيضا ، عن أبي زيد . وأخضت دابتي في الماء . وأخاض القوم ، أي خاضت خيلهم . وخضت الغمرات : اقتحمتها . ويقال : خاضه بالسيف ، أي حرك سيفه في المضروب . وخوض في نجيعه شدد للمبالغة . والمخوض للشراب كالمجدع للسويق ، يقال منه : خضت الشراب . وخاض القوم في الحديث وتخاوضوا أي [ ص: 127 ] تفاوضوا فيه ، فالمعنى : خضتم في أسباب الدنيا باللهو واللعب . وقيل : في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب .أولئك حبطت بطلت ، وقد تقدم . ( أعمالهم ) حسناتهم . وأولئك هم الخاسرون وقد تقدم أيضا .
The characteristics of people hypocritically connected with Islam are carelessness about the Hereafter, interest in worldly affairs, avoidance of cooperation with goodness, and an inclination towards exhibitionism. Because of these common characteristics, they remain very well united. These things give them subjects of common interest for discussion, and provide them with a field for mutual cooperation. This becomes a basis for close relations between them. The reverse is true of genuine believers, because the love of God is embedded in their hearts. Their greatest care is for the Hereafter. They have connections with worldly things only to the extent necessary and not as a goal. If any work which is pleasing to God is under way, their hearts are immediately attracted towards it. On the contrary, any work of an evil nature arouses disgust and loathing in them. Their life and their assets are first and foremost for the sake of God and not for themselves. They commemorate God and spend for His cause.
Let us now consider the statement: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ (You are) like those before you' in verse 69. According to one exegetical explanation, this is addressed to hypocrites while according to the other explanation, the address is to Muslims. The addition of ` you are' in parenthesis points out in this direction. Thus, it means that ` you too are like people before you. They went for worldly enjoyments and forgot all about the life to come. The result was that they sank into all sorts of sins. So shall you be.
Explaining this verse, Sayyidna Abu Hurairah ؓ عنہ narrates a Hadith in which the Holy Prophet ﷺ . 1n al has been reported to have said that ` you too will take to the ways taken by communities before you. You will imitate them in toto as dittos and clones to the limit that should you see one of them entering into the hole of a lizard (iguana), you will follow him there too.' After having narrated this far, Sayyidna Abu Hurairah ؓ said that should anyone wish to as-certain the thematic authenticity of this Hadith, let him read this verse of the Qur'an: كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ `(You are) like those before you - 69.'
On hearing this, Sayyidna ` Abdullah ibn ` Abbas ؓ said: مَا اَشبَہَ اللَّیلَۃ بِالبَارِحَۃِ that is, ` how similar is this night (in our time) to the last night (way back) - they are the people of Bani Isra'il and we have been likened to them.' (Qurtubi)
The aim of the Hadith is fairly evident. It warns that Muslims too will start following the ways of the Jews and Christians by latter times. This statement appears only after a punishment has been announced for the hypocrites. It serves as an indicator that good Muslims would not do that. Only those among them, who are weak in 'Iman may do so because they are still infected with the germs of hypocrisy. All good men and women of the Muslim community have been instructed in this verse that they should themselves abstain from such ways as well as help others do the same.
(Even as those) even as the punishment of those (before you) of hypocrites who (were mightier than you in strength) physically, (and more affluent than you in wealth and children. They enjoyed their lot awhile) they expend their share of the Hereafter in the life of this world, (so ye enjoy your lot awhile) you expended your share of the Hereafter in the life of this world (even as those before you) of hypocrites (did enjoy) expend (their lot awhile) their share of the Hereafter in the life of this world. (And ye prate) speak falsehood (even as they prated) and inwardly gave the lie to Muhammad (pbuh) just as those before them indulged in falsehood and gave the lie to the prophets of Allah. (Such are they whose works have perished) their good works have been thwarted (in the world and the Hereafter. Such are they who are the losers) in that they will face punishment.